المجلة الثقافية الجزائرية

براها

عبدالعزيز صلاح الظاهري 

 

بينما كنت جالسًا في المقهى انتظر صديقًا لي، سمعت حوار رجلين تجاوزا الستين من العمر، قال أحدهما للآخر: ها نحن الآن بمفردنا، أين كنت كل هذه المدة الطويلة ؟ أخبرني؟

– كنت في براها

– براها. أهي مدينة في السودان؟!

ضحك الرجل وقال: براها هي براغ عاصمة التشيك، هكذا تكتب هناك

– إذن، تقصد أن لمدنهم اسمين؛ أحدهما بالعربي وآخر…..

فقاطعه الرجل قائلًا: لا أعلم لماذا قلت لك: براها!! أعتقد أنها سببت لي الكثير من الإرباك، خاصة عندما أقرأُ اللوحات الإرشادية هنالك، على كل حال براغ هم يدعونها براها.

نظر إليه صديقه، وقال: لا علينا، لكن لماذا براغ بالذات؟

فقال الرجل: وأنا أتصفح الحاسوب رأيت براغ، أعجبتني البلدة القديمة، وساحة وينسيلاس العامرة بالمقاهي، فحزمت حقائبي واتجهت إليها.

فرد عليه صاحبه قائلا : إنها مدة طويلة، لا بد أنك تجولت ورأيت كل ركنٍ وزقاقٍ في جمهورية التشيك؟

التفت إليه الرجل، وقال: لا، لم أرَ سوى طريق المطار وساحة وينسيلاس.

نظر إليه صديقه، وقال متعجبًا: شهران قضيتهما في تلك الساحة؟!

– نعم، ولو كان معي من المال ما يكفي، لبقيت فيها أكثر.

– في نفس المكان؟!

– نعم، في نفس المكان.

– ألم تشعر بالملل.

– هاه، الملل تركته خلفي، فأنا أجلس من الصباح حتى المساء في هدوء، أُكَحِّلُ عيني بوجوهٍ من ثقافاتٍ شتى تطوف حولي وأمامي كل دقيقة، بل كل ثانية، أشُمُّ عطرًا، أرى شكلًا، أسمع صوتًا، المناظر لا تتكرر أبدًا، إنها منطقة مُفعمة بالحياة؛ فنادق، مطاعم، محلات تجارية ، إنها مركزٌ للترفيه والحياة الليلية ولا مكان للملل فيها.

نظر إليه صديقه، وبعد تردد قال: يمكنك أن ترى وتشُمَّ وتسمعَ هنا، فالميادين والساحات والأماكن المزدحمة كثيرة.

نظر إليه الرجلُ، وقال محتجا هنا !! ماذا دهاك في براها أقصد براغ، الوضع مختلف

 أتعلمُ أنني في أحد الأيام وأنا أتسكعُ في ساحة وينسيلاس بين جمع من السُّواح، دخلتُ أحد الأزقة، كنت أتحرك مع الجموع، مُطأطِئًا رأسي، أردد بيني وبين نفسي: سر حيث يسير القوم، بينما كان الجميع رافعي رؤوسهم يلتفتون يمينًا وشمالًا يلتقطون الصور بكمراتهم وهواتفهم المحمولة، يسرحون ويمرحون.

بينما كنت مشغولًا، لقد انصبَّ نظري إلى أرضية الساحة؛ طرقاتها وأزقتها المؤدية إليها، أنظر إلى الأحجار، وأتساءل: كيف رُصَّت ورُصِفَت؟ وكيف ظلت متماسكة كل هذه السنين؟ كنت أفكر في أولئك القوم البارعين.

على كل حال، أخذني تيار السياح وحملني معه إلى أحد الحوانيت، يبيع لوحات تشكيلية وتركوني هناك، رفعت رأسي وإذا أنا أمام ملاك لم تتجاوز العشرين عامًا، تلاقت نظراتنا، شيءٌ ما شدني إليها، وكذلك فعل ذلك الشيء معها.

بالطبع كان شيئًا بريئًا، نعم شيءٌ بريءٌ، لقد سقطت أنياب ذلك الذئب، ونزعتْ بعنفٍ السُّنُونَ مخالبه، نعم استطعتُ بخبرتي تجميع الكلمات من هنا وهناك، كان لدي الكثير لأقوله، ولكن كنت في قرارة نفسي أعلم أن ليس لدي حتى القليل لأفعله.

عندها افتكرت كلمة براها، ولا أقصد هنا براغ، بل براها الخاصة بالشعب السوداني، الذي اتسم بالطيبة والحكمة، والتي تعني (لوحدها) فقلت: براها، وعدتُ أدراجي إلى المقهى.

نظر إليه صديقه بطرف عينه، وقال بغضب: لقد تجاوزت الستين من عمرك ولم تتوقف عن الكذب، أخبرني بصدق:

أين كنت كل هذه المدة ومع من؟!