المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

بيار كونيسا وكتابه: صُنع العدو أو كيف تقتل بضمير مرتاح

أ/ عبدالكريم فضيلة*

بتاريخ الصراع والعنف بين المجتمعات يتوغل ذلك البراديغم الذي حافظ على ديمومته رغم كل التحولات التي طرأت على العلاقات الإنسانية؛ إنه تلك المقولات التي تعبر عن تجذّر سلطة القوي في فرض واقعه وصناعة حيثياته ومآلاته، بل ويمكن إدارة الهزيمة والانتصار من تلك الوقائع وفق معادلة صناعة العدو لتأكيد تلك النتائج المستهدفة من ذلك الصراع والعنف المرافق، ربما قد يصعب على التفكير البسيط أن يتلقى مثل هذه المقولات التي يحتكم إليها نسق السياسات الفاعلة بكل الأحداث، لكنه مجبر على التوقف قليلا للتأمل والمعرفة وله أن يعطي التفسير الذي يراه مناسبا حسب درجه وعيه للموقف والحدث هذا ما تطرق إليه الكاتب الفرنسي بيار كونيسا Pierre Conesa بكتابه  (صُنع العدو أو كيف تقتل بضمير مرتاح) والذي صدرت ترجمته للعربية عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات؛ وهو كتاب في الفكر الاستراتيجي يهتم بتحليل خلفيات ونفسيات ومآلات الحروب ممثلة في العدوّ الذي يشنها أو تُشن ضده.

بيار كونستا باحث وأكاديمي ودبلوماسي فرنسي شغل منصب مساعد مدير لجنة الشؤون الاستراتيجية في وزارة الدفاع الفرنسية، كما يشغل أيضا منصب أستاذ في معهد العلوم السياسية ولايزال ينتج سرديات لها نفس التوجه الاستراتيجي ليطلع أهل الاختصاص والباحثين على تلك الآلية التي تدير فلسفة العنف والعنف المضاد، له عنوان جديد Vendre la guerre أو بيع الحرب صدر في ماي 2022 ، وهو يحاول دائما أن ينقلنا إلى تلك الفضاءات الخفية بغية إدراك ما يجب معرفته بعيدا عن الانفعالات والأهواء.

لذا يهمنا معرفة ما يجب أن يكون عليه التفكير لدى المثقف بمنطقتنا العربية أو بالضفة الجنوبية، بغية وضع الصورة بالزاوية المحددة للاقتراب من الواقع العيني بدل الجنوح إلى خيالات تفسد القادم المبني على مغالطات أسسها العجز والكسل أو التأويل القريب من اللحظة التي يريدها التبرير الممنهج وفق السائد والنمطية التي لا تبحث حلا خارج منطقة الأمان والتكيف المألوف يقول بيار كونيسا بمقدمة كتابه صُنع العدو: «إن الحرب هي اللحظة غير الطبيعية؛ إذ يمكن معاقبة من يرفض قتل العدو بالموت، لذا يتعين علينا القيام بذلك عن طيب خاطر والاقتناع بما نفعل» وهو يتحدث عن أشكال كل الحروب، حيث لا تعود تهم طريقة القتل وكيفية نشوء علاقة العداوة البينية كالحروب الأهلية أو بين الأمم و الشعوب والذي من خلاله يبنى المتخيّل قبل الذهاب للحرب، مما يجعل العنف مشروعا ومقبولا باليومي، مما يجعلنا أمام تاريخ حافل تكثر به محطات صناعة العدو وفق جدلية العنف والعنف المضاد رغم النداءات و تعالي أصوات التسامح والتعايش السلمي، الأمر الذي يجعل الإنسانية في حالة حرب دائمة حتى وهي بحالة السلم، لأن الطبيعي هو الجدل الذي لا ينتهي بينهما ولا تعود الديمقراطية بذاتها حاملة للسلام مادام المؤرخون لهم اهتمامات مباشرة بالأسباب الموضوعية التي تخلق العدو وتسبب الحروب ولا يكون للعامة من الناس وعي بها نظرا للمتخيّل الاجتماعي والذي يصنع بالضرورة الرأي العام المزيف في أغلب الحالات وفق مراحل انطلاقا من أديولوجيا استراتيجية إلى خطاب يشكل الصعود للعنف من اللفظ إلى الممارسة بميدان الحرب حسب محددات النزاع والتي قد تصل إلى مستوى الإبادة العرقية وفق هدف يتم رسمه استراتيجية قبلية يتم تنفيذها بقوى تفعيل تجاذبات البروباغندا والأديولوجيا المضادة التابعة بالأصل لأديولوجيا مشتركة لا ينتبه إليها الرأي العام الذي يقع تحت سلطة وسيطرة الغاية المشتركة، وعليه يصل إلى المبرر لممارسة العنف؛ إنه يعيد بناء وحدة الجماعة أو الهوية القومية، فتصبح الجماعة المعادية هي الكيان المضحى به طالما أنه يمكن لصناعة العدو أن توطد الأواصر ضمن الجماعة الأكبر أو الأقوى.

ويصنف العدو على مستويين الأول قريب ينشأ نتيجة لتفكك داخلي أو بالجوار الحدودي أو ما يسمى بالعدو الحميم والذي له قابلية القتل الاستباقي قاعدته نقتل قبل أن نُقتل أو تطهير و تصفية الخصم والثاني يعد خصما عالميا يحدث بين قوتين عالميتين وهو مظهر قوة أرعن للسيطرة على خريطة جيو سياسية ما، قد تكون بوضعية أحادية القطب غير مريحة تهددها أقطاب صاعدة، بل يعتبر العدو بنية قابلة للتفكيك من الداخل، لذا يعد تعريف العدو مظهرا اجتماعيا أكثر منه حقوقيا بل خيار سياسي واجتماعى يؤسس على أهداف معينة فيها من القريب والبعيد المدى، محطات تمكن كل طرف هو عدو أومشروع عدو من الانتقام لخيباته في أي توقيت تحدده الأطراف التي تدير دفة صناعة الحروب من منطلق أنواع العدو من مثل العدو المحتجب والهمجي والتصوري والإعلامي وهي نماذج قد تنصهر بصراع مشترك لهدف ما يخدم تلك الجماعات أو نتيجة الصراع قد تخدم طرفا خارج المشترك المساهم على الأرض وهي حالة تعبر عنها الحرب بالوكالة لأن لكل استراتيجية لها من اللامعلن أكثر من المعلن، خاصة إذا كنا أمام غاية محورية وهي الفصل بين العدوّ وخيارات المجتمع المنتسب إليه، ويوضح لنا الكاتب بالشرح أنواع العدوّ، ويمكنني هنا الوقوف على العدو التصوري لأنه النموذج السائد القائم على الحرب الشاملة والإبادة كوقاية يرافقه بالحضور صنف العدو الإعلامي والذي تتفوق فيه الصورة على النص، وأمام هذه التصنيفات المتداخلة يتم اختبار تفكيك البنية بفعل التكفير عن الذنب أو الاعتراف أو الذاكرة المشتركة أو العدالة وهذه الأخيرة تعد مهمة مستحيلة بتاريخ الصراع الذي يحقق أخلاق التسامح بل لم يقترب من هذه القيمة، وإذا كانت النظريات السياسية لم تتفق حول مفهوم العدو فإن العدو حسب بيار كونيسا هو أنا آخر من متخيل جمعي نلونه بالأسود ونجعل منه مهددا للأنا لكي يبدو استخدام العنف مقبولا .

  ليخلص الكاتب إلى نتيجة مفادها أن صنع العدوّ خلال العقود المقبلة قطاع إنتاج ضخم لأن علاج النزاعات غير منتهية ويمكن استمرارية النوابض وفق وضعيات غير متوقعة، مادام العدوّ والعدوّ المضاد كلاهما يحافظ على وجود الآخر بحروب متجددة أو بسلام عنيف يهدأ مؤقتا ليعود مجددا، لكن من يصنع من؟ هنا يجعل الكاتب من الجدلية الأنطولوجية مقياسا نتائجه بين المستحيل والممكن المنتصر فيها يتهيأ لخسائر قادمة والخاسر يضاعف من نتائجه أمام هذه المقاربة التي تحتاج إلى الكثير من التواجد والحضور العلمي والمعرفي بتوازن سياسي واقتصادي شرطه قبوله لذاته وفق معايشة المحيط وأحداثه ولا يخرج عن الخريطة الجيوسياسية التي تغير المسار بلحظة فائقة الدقة تجعل من المغزى وسيلة لم تعد صالحة للحدث ومحرجة للوقائع المتسارعة.

___________________

باحثة بالفلسفة والنقد الثقافي