المجلة الثقافية الجزائرية

تطور أدب الأوبئة في الثقافتين الغربية والعربية: وطاويط النجع أنموذجا للكاتب أشرف الثعلبي

قراءة د.عطيات أبو العينين

شهد أدب الأوبئة تطورًا ملحوظًا عبر التاريخ، وتنوعت دوافعه بين التوثيق، والتأمل الفلسفي، والتعبير الرمزي عن الخراب السياسي أو الوجودي. وقد ارتبط تطور هذا النوع الأدبي بالكوارث الصحية الكبرى التي ضربت المجتمعات، من الطاعون في العصور الوسطى إلى جائحة كوفيد-19 في القرن الحادي والعشرين. ويمكن تتبّع هذا التطور في الثقافتين الغربية والعربية ضمن سياقات اجتماعية وأخلاقية وجمالية مختلفة.

أدب الأوبئة في الثقافة الغربية

العصور الوسطى: الطاعون الأسود كمحرك سردي

• (الديكاميرون ( جيوفاني بوكاتشيو، القرن 14): عمل تأسيسي لأدب الأوبئة، إذ يهرب عشرة أشخاص من مدينة موبوءة إلى الريف، ويسردون مائة قصة خلال فترة العزل. يُبرز العمل دور السرد كوسيلة للتعافي ومقاومة الموت.

2. القرن 18: بين التوثيق والتحليل الاجتماعي

• (يوميات سنة الطاعون دانيال ديفو، 1722): نموذج مبكر للجمع بين الوثيقة والتخييل. يسجّل الكاتب بأسلوب “واقعي” ما جرى في لندن أثناء الطاعون، كاشفًا عن الخوف الجماعي والانهيار المؤسسي.

القرن 20: الفلسفة الوجودية والمرض كرمز

• (الطاعون ) ألبير كامو، 1947): مثال بارز على استخدام الوباء كأداة فلسفية لطرح أسئلة عن العبث والحرية والمقاومة.

• (العمى ) جوزيه ساراماغو، 1995): يقدم مرضًا غامضًا (العمى) يجتاح المدينة، فيتحول النص إلى استعارة عن انعدام البصيرة الأخلاقية والمجتمعية.

القرن 21: كوفيد-19 وإعادة إحياء النوع

فلقد شهدت جائحة كورونا عودة قوية لأدب الأوبئة مع روايات ومذكرات ومقالات توثيقية.

أدب الأوبئة في الثقافة العربية

التراث العربي وإشارات متفرقة

ظهر الطاعون في نصوص فقهية وتاريخية مثل:

• “بذل الماعون في فضل الطاعون” لابن حجر العسقلاني.

• “مراصد الاطلاع” و”عيون الأنباء” التي وثقت آثار الأوبئة، لكنها لم تنتج أعمالًا سردية تخييلية إلا نادرًا.

القرن 20: رمزية المرض في الأدب

• (الرقص مع الموت عبد الله خليفة): استخدام المرض للتعبير عن اختناق سياسي في الخليج.

• يوميات الأوبئة: في بعض الصحافة العربية توثق الواقع، لكنها تفتقد للمعالجة الأدبية العميقة.

القرن 21: كوفيد-19 كمحفّز للسرد

• (وطاويط النجع أشرف التعلبي): يعالج أثر الجائحة في بيئة صعيدية مصرية، مزاوجًا بين الواقعي والأسطوري.

• (أيام كورونا يحيى مختار): توثيق تحوّلات المجتمع النوبي خلال الجائحة.

• كتابات على مواقع التواصل تحولت إلى روايات قصيرة أو شهادات سردية.

رابعًا: مقارنات جوهرية بين الأدبين

المحور الأدب الغربي الأدب العربي

البداية الزمنية القرن 14 (بداية مع بوكاتشيو) إشارات فقهية/تاريخية متفرقة

الطابع الفني فلسفي، رمزي، توثيقي، وجودي توثيقي، اجتماعي، رمزي أحيانًا

المرض كاستعارة شائع جدًا (العمى، الطاعون، كوفيد) بدأ يتبلور مع الحداثة وما بعدها

ارتباط المرض بالسياسة قوي (كامو، ساراماغو، سميث) حاضر في روايات ما بعد 2010

خاتمة

ونستطيع أن نقول إن أدب الأوبئة يشكّل مرآة شديدة الوضوح للذات والمجتمع في أوقات الأزمات. وقد تطوّر في الثقافة الغربية بشكل أوضح وأقدم من نظيره العربي، لكنه يشهد اليوم في العالم العربي صحوة سردية جديدة بفضل التحولات التي فرضتها جائحة كوفيد-19. وتبقى الحاجة قائمة لتعميق الطرح الأدبي حول المرض ليس فقط ككارثة، بل ككشف للوجود والذات والبنى الاجتماعية والسياسية.

***

وطاويط النجع

رواية من أدب الجائحة

أشرف الثعلبي

قراءة د.عطيات أبو العينين

  الكاتب أشرف التعلبي يعمل صحفيًا في مجلة «المصوّر» الصادرة عن مؤسسة دار الهلال الصحفية. من مؤلفاته مجموعة قصصية بعنوان «الحاجر»، ورواية «أبى سروال» التي فازت بجائزة «المواهب الأدبية» التي يمنحها المجلس الأعلى للثقافة. صدر له أيضًا كتاب «في حضرة الأكابر، كما صدر له حديثا قصة أطفال بعنوان «السمكة سُكرة».

رواية وطاويط النجع تُعتبر من النصوص الروائية التي وُلدت في زمن الجائحة (كوفيد-19)، وتُحاول أن تُعيد طرح سؤال الأدب في زمن الكوارث. ومع أن الجائحة حدث عالمي، فإن الرواية تنظر إلى الأمر من زاوية محلية جدًا، من “النجع” هذه المفردة التي تحمل في طياتها طبقات اجتماعية وثقافية عميقة في مصر. طبقة الكادحين والمهمشين عمال اليومية.

الكاتب يعيد خلق الحياة في الريف المصري، لا كما يرسمها الإعلام سواء بشكل سطحي كما تتناولها السينما بشكل نمطي، بل كما تُعاش فعلًا، بكل ما فيها من خرافة وحكمة وفقر وخوف. وهنا تذكرنا بقنديل أم هاشم للكاتب الرحل يحيى حقي والذي تم تحويله إلى فيلم سينمائي وهو يحاول أن يحقق معادلة التوفيق بين العلم والدين.

وطاويط النجع» تحاول أن تُبرز الصعوبات والتحديات والمآسي ومدى المعاناة التي واجهتها المجتمعات الريفية خلال جائحة كورونا، بل وتُسلّط الضوء على الصراعات الإنسانية في مواجهة الأوبئة، وتستعرض تاريخ الوباء في مصر في عهد الملك فاروق ومرض الكوليرا.

• الإهداء: رغم بساطته إلا أنه يتسم بالبلاغة والإيجاز والصدق الشديد.

إلى أبناء الصعيد الجواني الصامدين في بلاد الغربة

إلى نسوة النجع المكافحات الشقيانات

إلى عمر الروح وفريدة النجع

إلى كل الراحلين الذين سبقونا إلى العالم الآخر حيث الحياة الرحبة أهدي إليكم هذه الكلمات بكل حلوها ومرها..

• الغلاف: أرى ان الغلاف تقريري وكاشف بالرغم من غموض العنوان وكان من الممكن أن يكون الغلاف أكثر فنية ودلالة عميقة من هذا.

• العنوان ودلالته الرمزية كعتبة أولى للنص ويرى “رولان بارت” هو عالم أدبي وفيلسوف فرنسي اشتهر بنظريته في “موت المؤلف” و”لذة النص”. في نظريته هذه، يتحدث عن “العتبة الأولى للنص” كمقدمة أو بداية تتفاعل مع القارئ، مما يجعله يفسر النص ويصوغ معانيه الخاصة.

وطاويط النجع” عنوان محمّل بالدلالات:

• الوطاويط” تُحيل إلى الكائنات الليلية الغامضة، وتذكّر القارئ ضمنيًا بما نُشر عن “الخفافيش” وعلاقتها بكورونا، مما يمنح العنوان بعدًا رمزيًا خفيًا.

• “النجع” يمثل الوطن الصغير والذاكرة الجمعية لأهالي الجنوب. أي التعرض للغربة ومشاعر الاغتراب.

 إذن، العنوان يؤسس من البداية لجو مشحون بالخوف، الغموض، والعزلة، الغربة الاغتراب سواء نتيجة العزلة التي فرضها الفيروس أو غربة الإنسان عن وطنه في سبيل لقمة العيش، وهو ما يتماشى مع ثيمة الجائحة.

موت المؤلف: يعتقد بارت أن المؤلف ليس له سيطرة كاملة على النص بعد نشره، فالمؤلف يمثل بداية النص، لكن القارئ هو من يكمل النص ويضيف له معاني جديدة. وهذا بالطبع يعكس تلقي كل ناقد على حدة. ونجيب محفوظ كان يحترم ذلك ويقر أنه لا سلطة للمؤلف على عمله بعد أن أصبح في أيدي القراء.

الموضوع والثيمات :تبلورت الثيمة الأساسية في:

• الخوف الجماعي من الموت والمرض

• تغيّر شكل العلاقات الاجتماعية تحت الضغط

• الصراع بين العلم والخرافة

• الوعي الجمعي في لحظة الانكشاف

كما أن هناك قضايا فرعية أيضا:

• هشاشة النظام الصحي في الريف

• علاقة الدولة بالمجتمع الصعيدي

• موت الطقوس (الدفن، الحزن، الزواج)

• دور النساء كأعمدة خفية في الحياة اليومية

• البطالة وتوقف السياحة

• حلم الشباب بالسفر إلى الخارج لتوفير لقمة العيش كما يونس ابن أخيه اسماعيل وحجاج نفسه.

الشخصيات: الشخصية المحورية: “حجاج”

• رجل صعيدي بسيط يبيع الكتاكيت في السيدة زينب، تتداخل حياته مع أساطير القرية، ومخاوفه من “المرض القادم”.

• شخصية تمثل الإنسان المهمّش الذي يعيد اكتشاف نفسه أمام المأساة.

• يونس ابن أخيه اسماعيل- يونس وهنية من أسرته حجاج- عزة بائعة الطرشي في السيدة زينب- سيدة القطار- أحمد مدرس العلوم وشيخ الجامع. ابن نعيمة الذي توفى دون الثلاثين بالوباء.

شخصيات أخرى:

• النساء العارفات / الشيوخ / الأطفال / الموتى الحاضرون في الذاكرة…كلها شخصيات تنتمي إلى نسيج مجتمع ضارب في الجذور، لكنها تقف عارية أمام الحداثة التي لم تصل.

  الأسلوب والسرد

• لغة الرواية: خليط من اللغة الفصحى البسيطة مع تعبيرات محلية تخلق واقعية صوتية قوية.

• السرد: يغلب عليه الوصف والتأمل، فالكاتب لا يتعجل الحدث بل يركّز على التفاصيل اليومية (طقوس الحزن، الخوف من دخول المستشفى، حديث العمدة….)؛ وإن كان في بعض الأحيان يمكن الاختزال كما هو في القطار، في مكالمات الهاتف ص26. كما يتضح أيضا في وصف الكتاكيت ص14. تكرار كان وكانت.

• تقنية السرد: أبدع الكاتب في الفصل الأول وصف ممتع، ذكرني بحيى حقي في قنديل أم هاشم والكتابة عن السيدة زينب ” أقرب إلى السرد بضمير الغائب، مع تداخل أصوات أحيانًا، وذكريات تظهر في الخلفية كضباب. الفصل 15 نبرة صوتية واضحة للكاتب.

مابين العامية والفصحى: لفظة “جردل” إن كنا تحدثنا في الحوار بالفصحى فلماذا لم نذكر بدلا منها “دلو” وجمعها “دلاء” بكسر الدال أو “سطل” وجمعها “أسطال” أو “سطول”؟

تغلّب الأسلوب الصحفي على الأدبي في الرواية: فمثلا

اللغة التقريرية المباشرة: حيث يميل السرد أحيانًا إلى الطرح المباشر للمعلومة أو الحدث كما في كتابة التقارير أو الأخبار، لا كما في السرد الأدبي الذي يعتمد على الإيحاء والتكثيف والرمزية.هناك مقاطع تتعامل مع “كورونا” كأنها مادة خبرية أو تحليل اجتماعي، لا كحدث روائي يتسرب من خلال التجربة الإنسانية.

   تتسم رواية وطاويط النجع للكاتب أشرف التعلبي بانزياحها المتكرر نحو الأسلوب الصحفي التقريري، على حساب السرد الأدبي القائم على الإيحاء، والتكثيف، والتشكيل اللغوي. فبدلًا من أن تنبني الرواية على منطق الحدث المتحوّل داخل نسيج فني محكم، تميل في كثير من مواضعها إلى أن تكون تقريرًا اجتماعيًا طويلًا عن حال النجع في ظل جائحة كورونا، بما فيه من عادات، خرافات، علاقات سلطة، وأوهام شعبية.

  يظهر ذلك بوضوح في اعتماد الراوي على اللغة التفسيرية والتحليلية التي تُشبه الأسلوب الصحفي الاستقصائي، حيث تُشرح الظواهر الاجتماعية شرحًا مباشرًا دون ترك القارئ يكتشفها من خلال تطور الأحداث أو التحولات النفسية للشخصيات. كما تظهر نبرة وعظية في بعض المواضع، يشرح فيها السارد عِبَر الأحداث أو يفسّرها، بما يُقحم صوت الكاتب داخل السرد، ويُضعف حياديته الفنية.

 ورغم أن هذه النزعة قد تُفهَم في سياق حرص الكاتب على توصيل رسالة اجتماعية أو نقدية واضحة، فإنها جاءت على حساب البُعد الجمالي، فافتقرت الرواية إلى التوتر الفني واللغة المجازية المتفجرة، التي تُعد من أهم مكونات الرواية الأدبية الناجحة. وبذلك تحوّلت بعض المقاطع إلى منصات خطابية تحليلية، تصلح أكثر كأعمدة صحفية أو تحقيقات ميدانية، منها كنصوص فنية ذات طابع جمالي.

إن هذا التداخل بين الأجناس ليس سلبًا في حد ذاته، بل قد يكون مظهرًا من مظاهر الأدب ما بعد الحداثي، لكن المشكلة هنا أن الغلبة للبعد الصحفي، مما جعل الرواية تخسر الكثير من غموضها الفني وثرائها الرمزي، وتقترب في كثير من الأحيان من أن تكون شهادة اجتماعية أكثر منها تجربة سردية متكاملة.

التحليل الاجتماعي بدلا من التخييل الفني:

بمعنى يستخدم الكاتب أدوات الصحفي أحيانًا في رصد العادات والمشكلات الريفية بطريقة أقرب إلى المقال أو التحقيق، مثل رصد الخرافات، والخوف الشعبي، أو التفاعل مع السلطة. يغيب الحس التخيّلي أو الدرامي في بعض المواضع التي يُفترض أن تكون مشاهد سردية نابضة.

تضمين مقاطع وعظية أو تفسيرية:

تظهر أحيانًا نبرة الكاتب الصحفي الذي يشرح ويُعلّق ويوجّه، وهو ما يقلل من حيادية السارد ويجعله واعظًا أو محللًا اجتماعيًا. هذه النبرة تؤدي إلى إبطاء السرد وتكسر الإيهام الفني.

غياب الصور البلاغية العميقة أو الأساليب المجازية المركبة:

حيث يفتقر النص إلى اللغة الشعرية أو الاستعارات العميقة التي تُميز الأسلوب الروائي الرفيع. بعض الصور تأتي جاهزة ومألوفة، تشبه عناوين الأعمدة أو التقارير الميدانية.

لكن بالمقابل أو على الجانب الآخر:

لا يعني ذلك أن الرواية صحفية بالكامل أو تفتقر للخيال، بل إنها تمزج بين السرد الواقعي الشعبي والرمزي الأسطوري، وتستخدم أحيانًا لغة موحية، خاصة في وصف الريف أو تصوير الجو الغرائبي. كما يغلب على بعض مشاهدها طابع “الواقعية التسجيلية”، وهي سمة موجودة في أدب ما بعد الكوارث.

الرمز والبعد الفلسفي:

تتشابك الرواية أو تتلامس مع الواقع عبر رمزية متوازنة فمثلا :

الخفافيش ليست فقط رموزًا للمرض، بل أيضًا تمثل المعرفة المخبأة والخوف من المجهول. كذلك المستشفيات هي متاهة الدولة الحديثة التي لا تملك شيفرة التعامل مع الهشاشة الإنسانية في القرى.

المكان كبطل: النجع في الرواية ليس مجرد خلفية، بل هو بطل سردي حقيقي. الأزقة، البيوت الطينية، القبو