المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

“جدل الهوية في الخطاب الجزائري المعاصر”

د. طارق بوحالة . الجزائر

يخصص الباحث الجزائري مصطفى كيحل كتابه الجديد الموسوم بـ \”جدل الهوية في الخطاب الجزائري المعاصر\” الصادر عن دار ميم للنشر \”2022\” لمحاورة جملة من القضايا المحورية المرتبطة بمحطات مهمة من تاريخ الجزائر المعاصر. والدكتور مصطفى كيحل هو أستاذ بقسم الفلسفة بجامعة باجي مختار في عنابة، شرق الجزائر
وقد جاء الكتاب متعدد المداخل القرائية رغم الموضوع الرابط والمشترك بينها وهو \”الهوية\” وما يتبعها من جدل حول مفاهيم الاختلاف والتعددية، والاعتراف والثقافة الوطنية وغيرها مما يخص واقع الإنسان الجزائري المعاصر بمختلف صوره وأشكاله (ونقصد هنا الواقع)
ولعل من الملاحظات التي يمكن أن نسجلها بعد قراءة جميع محاور كتاب مصطفى كيحل أنه لا ينتصر لرأي على حساب رأي أخر أو موقف ضد موقف آخر، حيث يناقش الأفكار المثارة متخففا قدر الإمكان من الانتماءات الإيديولوجية المعروفة. الأمر الذي جعل من عمله مرهونا بالشرط المعرفي والفكري أكثر من ارتباطه بالطرح المؤدلج. لهذا جاءت الدراسات التي تضمنها هذا الكتاب متنوعة؛ تجمع في كثير من الأحيان بين أفكار متباينة وحتى متعارضة، بيد إن طبيعة المقاربة المتبناة من قبل الباحث قد ذللت هذا التعارض. فقد وجدنا دراسات عن ابن باديس، وفرحات عباس ومحمد آركون وفرانز فانون ودراسات عن روح الثورة الجزائرية والهوية المفهومية للإنسان في فلسفة الحداثة وما بعد الحداثة وغيرها من القضايا الأخرى.
وقد نقول أن هذه الموضوعات ليست جديدة في الفكر الجزائري المعاصر، غير إننا نستدرك بعد ذلك بقولنا إن الجديد فيها هو المداخل الإجرائية التي استفادت منها مقاربات الكتاب، إضافة إلى طريقة المعالجة، إذ يظهر أن مصطفى كيحل قد اكتسب منظورا نقديا من تخصصه في الفلسفة، فهو من الباحثين الفاعلين في الدرس الفلسفي في الجزائر انطلاقا مما أنجزه من كتب ودراسات في التخصص، ومما يكتبه خارج التخصص الصريح، فهو من الباحثين الذين يجسدون انفتاح الدرس الفلسفي على المعارف المجاورة وهذا هو المطلوب. لهذا يجتهد الباحث في إثارة كثير من الأسئلة الخاصة بالتاريخ والثقافة الجزائريين. وهي أسئلة في كثير من الأحيان ذات طبيعة حارقة، أسئلة لا تقبل الإجابات النمطية السائدة والمكرورة.
بناء على هذه الرؤيا التي يتمتع بها الباحث مصطفى كيحل جاءت أفكار الكتاب مغايرة لمعظم ما كتب في موضوعة الهوية والمنابع المختلفة التي تصب فيها.
ويرى الباحث أن سؤال الهوية في الخطاب الجزائري الذي أفرزته الظروف الخاصة التي كانت سائدة قبل مع الحركة الوطنية الجزائرية كان سؤالا ضاغطا على نخبها، مما أنتج \” مقاربات مختلفة له سواء عند حركة النخبة الاندماجية، أو الحركة الإصلاحية أو في أدبيات الحزب الشيوعي الجزائري الذي قدم تصورا للأمة الجزائرية مفاده أن الجزائر في طور التكوين، ومع انطلاق ثورة نوفمبر تراجع سؤال الهوية ولكن بقيت ظلاله قائمة بين من يلحق الثورة بالمشرق العربي وخاصة مصر ومن يقول بجزائرية الثورة دون ربطها بأي طرف.\” 1 ص 177

لهذا يتطلب مناقشة سؤال الهوية في خطاب نخب الحركة الوطنية الجزائرية بكل اتجاهاتها بإنزاله (السؤال) في السياق الخاص الذي أنتجه، بمعنى لا يجب أن نتعامل معه باعتباره مطلبا متعاليا عن اللحظة التاريخية التي عاش فيها معظم رجالات الحركة الوطنية، ومنه أيضا لا يمكننا أن نضع خطابتهم تحت مجهر أخلاقي، سرعان ما يتحول إلى مبدأ إقصائي نصف من خلاله هؤلاء في دائرة المشكوك في وطنيتهم.
وهو ما يجسده تغير مفهوم الهوية في الخطابات الجزائرية بعد الاستقلال، حيث يرى كيحل أنه \”ظل مطروحا بقوة في النقاشات الثقافية أو السياسية وتمحور ذلك النقاش حول خطابين أساسيين وهما: خطاب الجزائر الجزائرية مقابل الجزائر العربية الإسلامية.\” ص 177
وهنا يناقش الكتاب أطروحة طبيعة الهوية الجزائرية والدعوات المتكررة إلى أصالة المنابع التأسيسية، هذه الطبيعة التي تحولت عند بعضهم إلى موقف إقصائي، كون الهوية الجزائرية لا تقبل القسمة، فهي تشكيل تاريخي خاضع لمتغيرات وتطورات جوهرية عرفتها الجزائر عبر محطاتها الطويلة.
ويستأنف مصطفى كيحل الحديث مرة أخرى عن مواقف المفكر الجزائري محمد أركون وعلاقته بالجزائر هوية وانتماء، حيث يتتبع الباحث \” مواقف وآراء وتصورات محمد أركون من قضايا الهوية والانتماء وموقفه من الاستشراق والدراسات الاستشراقية أو مقاربته للعلمانية، يمكن للباحث أن يلحظ قدرة أركون على التعاطي مع المفاهيم والأفكار بروح نقدية متميزة فهو جزائري ولكن على طريقته الخاصة، حيث عارض استعمال العنف ورأى فيه عجزا عن تواصل الطوائف المختلفة التي سكنت الجزائر منذ قرون، والخضوع للمثلث الأنتربولوجي العنف الحقيقة والمقدس.\” ص 119.
كما إن محمد أركون يملك رؤى مختلفة حول قضايا تخص الحاضر السياسي الجزائري أو أطروحة العلمانية، حيث يرى كيحل أن \”أركون مناضل علماني كبير، ولكن يعيب على العلمانية خاصة الفرنسية إخراجها للمقدس والعامل الروحي من الفضاء الاجتماعي ويدعو إلى إعادة الاعتبار للعامل الديني كتنزيه روحي وشوق للمطلق.\” ص 119
ولا يغفل الكتاب عن استحضار أفكار المناضل المارتينكي \”فرانز فانون\” الذي تأثر بشكل لافت بالثورة الجزائرية فكان أحسن من مثلها بعد ذلك، فهو من الذين دافعو عن توجه خاص في العلاج النفسي، حيث وقف في وجه \”مدرسة الجزائر في العلاج النفسي التي كانت مدرسة كولونيالية، وأدخل تعديلات كبيرة وجذرية على العلاج النفسي وطرائقه في مستشفى البليدة من خلال تغيير بيئة المستشفى.\” ص 134
تعد هذه الملاحظات نماذج عن أهم الأفكار والقضايا التي أثارها الدكتور مصطفى كيحل في كتابه جدل الهوية في الخطاب الجزائري المعاصر الصادر منذ أسابيع قليلة.