المجلة الثقافية الجزائرية

جسر خشبى

عبدالعزيز دياب‬‎ 

 

   أنا جسر خشبى، لم يكن ذلك فى الواقع إنما كان فى أحلامى، وكل مرة كنت أحلم فيها بأننى جسر خشبى أنهض من النوم بوجع شديد فى ظهرى، المئات من البشر مشوا عليه، منهم من كان يدب بقدمية، ومنهم من كان يمشى الهوينا، سخرت من زوجتى عندما طلبت منى أن تلقى بنظرة على ظهرى، الغريب أنها بعد موافقتى شاهدت أثر نعال أحذية، قالت ساخرة هى من جميع الماركات، ولا أدرى كيف عرفت ذلك. سألتنى هل كنت عاريًا فى الحلم وأنت تقوم بدور جسر خشبى؟ قلت لا أتذكر، لكن ما أتذكره أننى وقتها كنت أشعر بالبرد.

   غالبًا ما أنسى أحداث أحلامى، لكنى حاولت أن استعيد تفاصيل أحداث الحلم عندما طلبت زوجتى ذلك، شردت للحظات بعدها هتفت: آه تذكرت… أحداث كثيرة تذكرتها، كانت كأنها محتبسة وراء مانع.

   جاء عاشقان استقر بهما المقام فى منتصف جسري، تحدثا كثيرًا بكلام الحب، امسكت الفتاة بالسياج، بعد أن كانت تقلد طيران فراشة، كانت أنفاسها سريعة، تدب بقدميها، بعدها صار كلامهما همسًا حتى أننى لم أسمع شيئًا.

   انصرفا بخطى سريعة عندما حدثت مشاجرة وبدأت الأقدام تهرول، ارتفعت أصوات والفاظ خادشة للحياء، أحد المتشاجرين كانت ميوله إجرامية، كان الكلام يخرج من جانب واحد من فمه، يبدو أنه كان يتعمد ذلك، رفع شفرة وضرب بها شخص مسالم ضربة قاتلة، لم يكتف بذلك بل قذفه إلى الماء، كانت جريمة وهؤلاء البشر يستطيعون السباحة وإخراج الرجل، ربما كان لايزال ينبض بالحياة، كنت أود أن الحق بالجانى لأقول له لم قتلته، لكنه كان قد اختفى فى الأحراش.

   رجعت وضبطت نفسى فوق مجرى الماء، كان زحام شديد لبشر ينتظرون عودتى، احتج أحدهم واتهمنى بالتسيب وتعطيل مصالح البشر، طلبت منه أن يقبل أسفى، فجسر خشبى لا يَتَحَمّلْ أن يكون له أعداء، طيبت خاطره ومنحته سيجارة، عندما جلسنا ندخن تشعب بنا الحديث عن تنفيذ القانون، والحد من الجريمة، وضبط الشارع، ضبط الحركة فوق الجسور الخشبية.

   عطلٌ أصاب شاحنة وهى فوق ظهري، كدت أن أتهاوى، فلم أجد أمامى إلا أن أسأل السائق: لم هذا العطل؟

   كأننى كنت أسب أمه، صرخ فى وجهى، بالأحرى صرخ فى خشبى: ما شأنك بالعطل، أنت جسر خشبي تؤدى وظيفتك سواء كانت الشاحنة بها عطل، أو كانت تلتقط أنفاسها.

   ذهبت الشاحنة وجاء شبيح يلوح بالسيف فى وجوه البشر اللذين كانوا يمرون فوقى، شعرت بألم شديد جراء الحركة المفاجئة وهم يفرون من أمامه، ومع شعوره بالنصر رشق السيف فى خشبي/فى ظهري، قالت زوجتى وهى تعاين أثر نعال الأحذية على ظهري بأن نعل حذاء إيطالى من ماركة “باولو سكافورا” كان به مسمار ترك جرحًا متخثرًا فى ظهرك.