المجلة الثقافية الجزائرية

جماليات المقاومة وسيميولوجيا المكان- قراءة في رواية -تراتيل البحر والدم (شدوان)-

​بقلم: حسن غريب

توطئة: تظل الملاحم الوطنية مصدراً لا ينضب للإبداع الأدبي، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الروائي على تحويل الواقعة التاريخية الجافة إلى نص إبداعي ينبض بالحياة. في روايته الصادرة حديثاً (2026) عن “دار الزيات للنشر والتوزيع” تحت عنوان “تراتيل البحر والدم (شدوان)”، يخوض الكاتب هيثم القليوبي غمار هذه التجربة، مستعيداً ملحمة جزيرة شدوان بأسلوب يمزج بين شاعرية اللغة وقوة الحدث الدرامي.

​أولاً: عتبات النص.. قدسية المعركة

​يبدأ القليوبي دراسته الفنية من العتبة الأولى؛ العنوان. كلمة “تراتيل” تحيلنا مباشرة إلى طقس تعبدي جنائزي أو احتفالي، مما يضفي صبغة قدسية على الحدث. أما الجمع بين “البحر” و”الدم”، فهو خلق لثنائية الوجود والصراع؛ البحر كعنصر أزلي، والدم كقيمة تمنح هذا الوجود معناه.

وتأتي كلمة (شدوان) كعنوان فرعي لتحدد الجغرافيا التي ستتحول عبر صفحات الرواية من مجرد صخرة صماء إلى بطل تراجيدي يرفض الانكسار.

​يتضح هذا التوجه منذ الإهداء الذي وضعه الكاتب: “إلى تراب الوطن.. أنت أثمن من أنفاسي”، وهو ما يضع القارئ أمام نص محمل برؤية وطنية تتجاوز مجرد السرد الحكائي إلى “المانيفستو” الوجداني.

​ثانياً: أنسنة المكان وسيكولوجية البطل

​نجح الكاتب هيثم القليوبي في تحويل “شدوان” من حيز جغرافي إلى “كائن حي”.

في فصول الرواية الأولى، لا يصف الكاتب الطبيعة وصفاً خارجياً، بل يجعلها شريكة في المقاومة.

الصخور في السرد ليست جماداً، بل هي مخابئ للأسرار وشهود على البذل.

​وعلى مستوى الشخصيات، لم يكتفِ الكاتب برسم صورة “البطل الخارق”، بل قدم “البطل الإنسان”.

نلمس في ثنايا النص الصراع النفسي بين الغريزة البشرية في البقاء وبين النداء السامي للفداء.

هذا العمق السيكولوجي جعل من الشخصيات نماذج واقعية تلمس وجدان القارئ، حيث استدعى الكاتب صور العائلة والذكريات والمستقبل في لحظات المواجهة، مما جعل “فعل الاستشهاد” فعلاً واعياً وممتلئاً بالإرادة.

​ثالثاً: تحليل الفصول.. من الواقعي إلى الأسطوري

​ينتقل السرد في الرواية ببراعة من الرصد التوثيقي إلى التحليق الأسطوري، ويتجلى ذلك بوضوح في الفصل الختامي (صفحة 155)، حيث يقول الكاتب: “لم تعد شدوان بعد ذلك اليوم مجرد جزيرة صخرية، بل تحولت إلى نصب تذكاري خالد”.

​هنا نجد “سيميائية الفنار”؛ فالفنار الذي يروي تضحيات الرجال لم يعد مجرد مرشد للسفن، بل أصبح منارة للكرامة.

استخدم الكاتب تقنية “التصوير السينمائي” في وصف الالتحام فوق الصخور، حيث تتمازج رائحة الملح بصوت الرصاص ولون الدم، مما يجعل القارئ شريكاً في الحدث وليس مجرد متلقٍ له.

​رابعاً: اللغة السردية وجماليات الوصف

​تتميز لغة هيثم القليوبي بالدقة والجزالة، مع ميل واضح نحو “الشعرية” في المواقف الوجدانية.

لقد استطاع أن يطوع اللغة لتناسب ضجيج المعركة تارة، وسكون البحر الحزين تارة أخرى.

إن استخدام استعارات مستمدة من بيئة البحر (الموج، الصخر، الفنار، الملح) جعل النص وحدة عضوية متكاملة لا ينفصل فيها الشكل عن المضمون.

​أولاً: مكامن القوة في الرواية

​1. البعد الملحمي :

تكمن القوة في تحويل معركة عسكرية محدودة زمنياً ومكانياً (شدوان 1970) إلى ملحمة إنسانية خالدة.

الكاتب لم ينقل الأخبار، بل نقل “الأرواح”؛ حيث نجح في جعل القارئ يشعر ببرودة صخر الجزيرة وحرارة الرصاص، وهذا يسمى في النقد “التجسيد الحسي للمعنى”.

​2. الوحدة العضوية بين الإنسان والجغرافيا:

أقوى نقاط الرواية هي عدم الفصل بين المقاتل والمكان. الجزيرة في الرواية ليست مسرحاً للأحداث بل هي “طرف في المعركة”.

نجد صخور “شدوان” وكأنها تملك ذاكرة، وبحرك كأنه يملك إرادة، وهذا يعزز من مفهوم “أدبة المكان” الذي برع فيه الكاتب.

​3. الاقتصاد اللغوي والتركيز الدرامي:

تتميز لغة القليوبي بالابتعاد عن الثرثرة السردية.

الجمل قصيرة، محملة بالدلالات، وتتحرك بسرعة توازي سرعة الأحداث العسكرية، مما خلق إيقاعاً مشوقاً ، يمنع القارئ من التشتت.

​4. الصدق العاطفي في الإهداء والتمهيد:

الإهداء “إلى تراب الوطن.. أنت أثمن من أنفاسي” ليس مجرد كلمات، بل هو المفتاح التفسيري لكل النص.

هذا الصدق في المشاعر جعل الرواية تبتعد عن “البروباجندا” وتدخل في نطاق “الأدب الإنساني الملتزم”.

​ثانياً: مساحات التطوير الفني (ما أضافته الرواية لتجربة الكاتب)

​1. الانتقال من “التأريخ” إلى “الترتيل”:

مساحة التطور الأبرز هنا هي اللغة.

الكاتب طور لغته لتصبح “تراتيل”؛ أي أنها لغة محملة بالرموز الدينية والروحية.

هذا الانتقال من السرد الخبري إلى السرد الوجداني يمثل نضجاً فنياً كبيراً، حيث أصبح النص يقرأ كأنه قصيدة نثر طويلة في حب الوطن.

​2. تقنية “تعدد الأصوات” (بشكل ضمني):

رغم أن السرد قد يبدو متمركزاً حول الحدث، إلا أن الكاتب نجح في تطوير مساحة “الصوت الداخلي” للأبطال.

الانتقال من الوصف الخارجي للمواجهة إلى “المونولوج” النفسي للمقاتلين يعكس تطوراً في القدرة على بناء الشخصيات المعقدة.

​3. توظيف الرمز (الفنار والدم):

استطاع الكاتب تطوير رمزية “الفنار” بشكل فني لافت؛ فالفنار الذي كان وظيفته الهداية الملاحية، أصبح في نهاية الرواية (ص 155) رمزاً للهداية الوطنية والخلود.

هذا “التطوير الرمزي” يرفع من قيمة العمل من مجرد رواية حربية إلى نص فلسفي عن البقاء.

​4. بناء المشهد الختامي:

يمثل الفصل الأخير ذروة التطور الفني في الرواية. فبدلاً من إنهاء الرواية بانتهاء المعركة، أنهاها الكاتب بـ “تحول” الجزيرة إلى نصب تذكاري.

هذا الانتقال من “الواقعة” إلى “القيمة” هو ما يمنح العمل الأدبي استمراريته.

​الخلاصة:

مكامن القوة في الرواية تتركز في “الصدق والرمزية والمكان”، بينما تمثلت مساحات التطوير في “اللغة الشاعرية والعمق النفسي للشخصيات”. هيثم القليوبي في “تراتيل البحر والدم” لم يكتب رواية عن حرب، بل كتب رواية عن “إرادة الحياة” التي تولد من رحم الموت.

وبصفتي محللاً نقداً، وبعد استعراض جوانب القوة والجماليات، يتوجب علينا النظر إلى العمل بعين “المراجعة الفنية” التي تبحث عن الفجوات التي قد تظهر في الروايات ذات الطابع الملحمي أو التاريخي.

​وهذا تحليل لبعض النقاط التي قد تُعد مساحات ضعف أو تحديات فنية في رواية “تراتيل البحر والدم”:

​1. طغيان “النبرة الخطابية” على السرد

​في أدب المقاومة، يقع الكثير من الكتاب في فخ “الحماس القومي”، مما يجعل اللغة تميل أحياناً إلى الخطابة والتقريرية بدلاً من “التصوير الفني”.

في بعض المواضع، قد يشعر القارئ أن صوت “المؤلف” (الوطني الغيور) يعلو فوق صوت “الشخصيات” الروائية، مما قد يُضعف من موضوعية العمل الفنية ويحوله من “رواية” إلى “ملحمة ثورية” مباشرة.

​2. محدودية “النمو النفسي” للشخصيات الثانوية

​بسبب التركيز الشديد على “الحدث” (معركة شدوان) وعلى رمزية المكان، قد تبدو بعض الشخصيات الثانوية “مسطحة” أو مجرد أدوات لتنفيذ الفعل العسكري.

قد يفتقد القارئ لمعرفة دوافعهم الشخصية العميقة، أو خلفياتهم الاجتماعية خارج إطار الجزيرة، مما يجعلهم “أيقونات للصمود” أكثر من كونهم بشراً من لحم ودم لديهم مخاوفهم وترددهم الطبيعي.

​3. المثالية المفرطة (الرومانسية الثورية)

​يظهر الأبطال في الرواية غالباً في صورة “المثالية المطلقة” التي لا تخطئ ولا تضعف. فنياً، القوة الدرامية تكمن في “الضعف البشري” وفي “اللحظات الرمادية”.

الاعتماد الكلي على البطولة المطلقة قد يجعل العمل يبدو أحياناً وكأنه يعيد إنتاج الصور النمطية للبطولة التقليدية دون تقديم “قراءة مغايرة” أو “زوايا إنسانية غير متوقعة”.

​4. الفجوة بين التوثيق والتخييل

​في الأعمال التي تستند إلى وقائع تاريخية حقيقية (مثل معركة 1970)، يواجه الكاتب دائماً تحدي “المسافة”.

أحياناً يتقيد النص بالحقائق العسكرية، مما قد يحد من “خيال الروائي” في ابتكار مسارات سردية موازية أو نهايات غير متوقعة.

القارئ الذي يعرف تاريخ المعركة قد يفتقد عنصر “المفاجأة” في الحبكة، لأن المسار مرسوم مسبقاً بالتاريخ.

​5. الإغراق في الوصف الشاعري (السيولة اللغوية)

​رغم أن اللغة الشاعرية من مكامن القوة، إلا أنها إذا زادت عن حدها قد تؤدي إلى ما يسمى بالسيولة اللغوية التي تبطئ من إيقاع “الأكشن” أو المواجهة.

في لحظات القتال، يحتاج القارئ إلى “جمل خاطفة” وحركة سريعة، بينما الإغراق في التشبيهات والمجازات (التراتيل) قد يفصل القارئ أحياناً عن حرارة اللحظة الواقعية.

​6. وحدة المكان (الضيق الجغرافي)

​بما أن أحداث الرواية محصورة في جزيرة “شدوان”، فإن هذا يفرض قيداً جغرافياً على حركة السرد.

إذا لم ينجح الكاتب في تعويض هذا الضيق بـ “اتساع نفسي” أو “فلاش باك” قوي يأخذنا لمناطق أخرى، قد يشعر القارئ بنوع من الرتابة المكانية ، في منتصف الرواية.

​الخلاصة النقدية:

هذه النقاط لا تقلل من قيمة الرواية كعمل وطني ملهم، لكنها تشير إلى ضريبة كتابة “أدب الحرب”؛ حيث يصارع الكاتب دائماً بين صدق الواقعة التاريخية وبين حرية النص الروائي.

التوازن بينهما هو أصعب اختبار فني خاضه الكاتب هيثم القليوبي في هذا العمل.

وفي آخر خاتمة رؤيتي النقدية أقول :

​رواية “تراتيل البحر والدم” ليست مجرد استعادة لتاريخ عسكري، بل هي إعادة صياغة للذاكرة الوطنية بلغة الفن. لقد نجح هيثم القليوبي في أن يجعل من “شدوان” نصاً باقياً، مؤكداً أن الأدب هو الأبقى والأقدر على حفظ دماء الشهداء من النسيان.

إنها دعوة للتأمل في مفهوم الصمود، وإضافة نوعية للمكتبة العربية في أدب المقاومة.

وتتجلى مهارة هيثم القليوبي في هذه الرواية في قدرته على موازنة الكفة بين “أدب الحرب” الذي يميل غالباً للتقريرية، وبين “العمل الروائي” الذي يتطلب التخييل والجماليات.

وهذا تحليل دقيق لمكامن القوة في الرواية، والمساحات التي مثلت تطوراً فنياً في تجربة الكاتب أو في هذا النوع من الأدب التي استنبطها من خلال قراءتي للرواية :

سيرة إبداعية حافلة

​يأتي هذا العمل كحلقة جديدة في مسيرة الكاتب هيثم القليوبي (هيسم السيد عبد الرحمن القليوبي)، وهو روائي وقاص ومسرحي حاصل على بكالوريوس الإعلام وماجستير إدارة الأعمال. القليوبي عضو اتحاد كتاب مصر، وصاحب رصيد أدبي متنوع شمل ديوان “رحال بين الأيام” (2019)، ورواية “قنص الأفاعي” التي تصدرت القائمة الطويلة بمسابقة الرواية العربية بباريس (2021)، ومسرحية “الكهف” الفائزة بالمركز الأول في التأليف المسرحي (2023)، وصولاً إلى رواية “روهندا” (2024). هذا التنوع الإبداعي هو ما منح “شدوان” نفَسها الملحمي ولغتها الشاعرة.

​المراجع :

​هيثم القليوبي.

تراتيل البحر والدم (شدوان)، دار الزيات للنشر والتوزيع، القاهرة، 2026.

​غاستون باشلار. جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا (لتحليل علاقة المقاتل بالأرض).

​محمد عزام.

فضاء النص الروائي (دراسة في البنية المكانية).

​الوثائق التاريخية: سجلات معركة شدوان (يناير 1970) للمقارنة بين التوثيق والتخييل الروائي.

*ناقد سارد شاعر