المجلة الثقافية الجزائرية

حاملة الكاب

  د. عطيات أبو العينين

  في مدينةٍ بلا تاريخ مكتوب، تُغسل شوارعها كل صباح بالأخبار، وتُعقّم جدرانها من البوح، ظهرت امرأة. لم يكن لها اسم، ولا ماضٍ محفوظ في أرشيف، كان جسدها يشبه ظلًّا نسي أن يلتصق بصاحبه، عيناها… كمرآتين لا تعكسان شيئًا، بل تمتصّان العالم في صمت.

 تحمل قبعة حمراء لا تُشبه ما يوضع على الرؤوس، بل ما يُزرع في العقل. قماشتها كأنها حياكةُ صمتٍ مكسور يقطر أسئلة لا إجابة لها. كل من رآها شعر أنه يعرفها… ولا يعرفها. كأنها جاءت من حلمٍ سقط منه الضوء، أو من كابوسٍ نجا من تفسيره. أسماها الناس “حاملة الكاب”. ليس لأنها تضعه على رأسها، بل لأنها لا تضعه أبدًا على نفسها، تمضي به بين الأرواح، كما تمضي الغيوم بسكين البرق. تختار وجوهًا بعينها، الذين يتكلمون كثيرًا دون أن يقولوا شيئًا، الذين تعالت منابرهم فوق أصوات المساكين، الذين صُقلت أقنعتهم حتى حسبوها وجوهًا. تقف أمامهم لا تطلب شيئًا، لا تهاجم، لا تحتج، بل تمد يدها، وتضع الكاب على رؤوسهم… ثم ترفعه بعد لحظة صامتة. كأنها تطبع على جلودهم ختمًا غير مرئي.

  في ساحة عامرة بالتصفيق، خرج رجل، يُقال إنه لا يرى إلا صورته، يمشي على الأرض كما لو أنها أُعدّت لخطاه وحده، وجهه مشدود كأنه إعلان، صوته يطرق الآذان كالطبل الأجوف. تقدّمت نحوه المرأة.

لم يمنعها أحد. كأن الهواء انقسم كي تعبر. وقفت أمامه، لم تُظهر انحناء ولا عداء، ثم… وضعت الكاب على رأسه.

لحظة واحدة فقط، ثم سحبته. لكن شيئًا ما تشقق. ليس في القبعة، بل في الرجل. كأن صوته تعثّر، عيناه نسيتا لغة الإشارة، هرب ظله. انكسر ضوء الكاميرات، وصمت الجمهور، وشهقت المذيعة دون أن تنطق.

في اليوم التالي، لم تفتح المدينة أبوابها. أُعيد ترتيب كل الروايات، نُقّحت نشرات الأمس، اختفت المرأة. لم يقبض عليها أحد، لم تُحاكم، لم يُعثر على الكاب. لكن في كل مؤتمر، كان الحضور يلتفتون خلفهم مرة واحدة على الأقل، حتى يتأكدون أن لا أحد يلوّح بشيء أحمر في الزاوية. بعد أسابيع، ظهرت نساء أخريات. لا يشبهنها، لكن يحملن أثرها، يمضين بين الناس، لا يحملن كابًا، بل يحملن صمتًا مشوبًا بالنار،

ينظرن نظرات لا تُفهم، يبتسمن حين ترتبك الكلمات.

في إحدى الرسائل المتسربة، كُتب:

– “القبعة لم تكن أداة. بل كانت مرآة. من انكشفت روحه، سقطت عنه الحُجُب.”

منذ ذلك اليوم ، كل من اعتلى منصة، كل من رفع صوته فوق الحقيقة، صار يسأل في سره:

– “هل تلوح لي اليد الآن؟ هل سألبس الكاب الذي لا يُخلع؟

ولم يجب عليه أحد.

***