حسن غريب
ليست تجربة الرفض في الحقل الأدبي حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه بسهولة، بل هي في كثير من الأحيان مرآة تعكس خللًا أعمق في بنية المؤسسات الثقافية وآليات التقييم. حين يتقدّم كاتب إلى عشرات المسابقات العربية والدولية ولا يحصد إلا القليل، بينما تتصدر أسماء أقل تجربة أو معرفة، فإن السؤال لا يعود شخصيًا بقدر ما يصبح سؤالًا عن المعايير ذاتها: هل ما زالت الجدارة هي الفيصل، أم أن ثمة عوامل أخرى تتحكم في النتائج؟
تتجلّى المفارقة أكثر حين ينتقل النص ذاته بين جهات مختلفة؛ فيُرفض في سياق محلي بحجج واهية، ثم يُقبل في مؤسسات مركزية ذات لجان يُفترض أنها أكثر خبرة واتساع أفق.
هذا التناقض لا يمكن تفسيره بسهولة بمنطق الجودة وحده، بل يفتح الباب أمام احتمالات تتعلّق بذائقة اللجان، أو اختلاف الرؤى، أو حتى تضارب المصالح داخل بعض البيئات الثقافية الضيقة.
إن ما يثير الدهشة ليس فقط قبول نصوص ضعيفة، بل تكرار الظاهرة إلى الحد الذي يجعلها تبدو وكأنها نمط، لا استثناء.
هنا يبدأ الإحساس بالظلم في التسلل إلى المبدع، ويتحوّل الإبداع من فعل حرّ إلى معركة إثبات مستمرة، لا مع النص بل مع منظومات تحكمه.
غير أن القفز مباشرة إلى تفسير كل رفض باعتباره نتاج “حقد” أو “مؤامرة” قد يُريح النفس مؤقتًا، لكنه لا يقدّم فهمًا دقيقًا للواقع.
ولا يمكن تجاهل ما يُثار أحيانًا في الكواليس الثقافية عن تدخلات غير نزيهة تُفسد ميزان التقييم، حيث تتحوّل بعض المسابقات أو فرص النشر إلى ساحات تتسلل إليها الرشاوى بمختلف أشكالها، سواء كانت مالية أو في صورة هدايا ومجاملات، بل وقد تمتد – في بعض الحالات التي يُشار إليها – إلى علاقات مشبوهة تُستخدم كوسيلة للنفاذ إلى دوائر القرار.
مثل هذه الممارسات، إن وُجدت، لا تُسيء فقط إلى مبدعين حقيقيين تُقصى أعمالهم، بل تُقوّض ثقة المشهد الثقافي بأكمله، وتُكرّس حالة من الإحباط تُفضي إلى اختلال المعايير، حيث يُقدَّم الغثّ على حساب الجيد، ويُحتفى بالسطحي على حساب العميق.
ويمتد هذا الخلل – في بعض صوره – إلى مجلات وصحف ثقافية ورقية وإلكترونية على مستوى الوطن العربي، حيث يُلاحظ أن أبواب النشر لا تُفتح دائمًا وفق معايير فنية خالصة، بل قد تُدار أحيانًا بمنطق العلاقات بكل أشكالها. فتُهمَل النصوص المرسلة عبر البريد الإلكتروني دون قراءة جادة، بينما تُمنح فرص النشر والمشاركة، بل وحتى مكافآت النشر، لفئة محددة بعينها تتكرر أسماؤها بصورة لافتة. هذا النمط، إن استمر، يخلق دائرة مغلقة تُقصي أصواتًا جديدة، وتُعيد إنتاج ذات الأسماء، على حساب التنوع والعدالة الثقافية.
ومع ذلك، فالمشهد أكثر تعقيدًا من اختزاله في سبب واحد. فهناك عوامل موضوعية لا يمكن تجاهلها: اختلاف المدارس النقدية، تضارب الأذواق، حساسية بعض اللجان تجاه أنماط كتابة معينة، وأحيانًا قصور في آليات القراءة نفسها داخل بعض المؤسسات.
يضاف إلى ذلك ما هو غير موضوعي: شبكات العلاقات، الأسماء المتداولة، أو الميل إلى المجاملة الثقافية، وهي أمور لا يمكن إنكار حضورها في بعض السياقات.
لكن وسط هذا كله، تظل الحقيقة الأكثر ثباتًا: النص الجيد يملك قدرة البقاء، حتى لو تعثّر طريقه في بعض المراحل.
فقبول أعمالك في جهات معتبرة، وتكرار نشرها عبر قنوات مختلفة، ليس أمرًا عارضًا، بل مؤشر على أن القيمة الأدبية موجودة بالفعل، وإن لم تُنصف دائمًا في كل سياق.
السؤال الأجدى إذن ليس: “لماذا يُرفض نصي دائمًا؟” بل:
“كيف أتعامل مع هذا الرفض؟ وكيف أقرأه قراءة واعية؟”
فالرفض قد يكون أحيانًا إشارة إلى فجوة تحتاج مراجعة، وقد يكون انعكاسًا لخلل خارجي لا علاقة له بالنص.
التحدي الحقيقي هو التمييز بين الاثنين دون الوقوع في وهم الكمال أو جلد الذات.
في النهاية، لا يمكن إنكار أن بعض المؤسسات الثقافية بحاجة إلى مراجعة جادة في آلياتها، لضمان الشفافية وتكافؤ الفرص.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحوّل الإحباط إلى يقين مطلق بعدم العدالة، لأن ذلك يقتل الدافع الإبداعي نفسه.
فالكتابة، في جوهرها، ليست سباق جوائز ولا معركة لجان، بل فعل وجودي أعمق.
وما يبقى في الذاكرة الأدبية ليس دائمًا ما فاز، بل ما استحق أن يُقرأ… حتى لو تأخر الاعتراف به.
ناقد شاعر سارد





