المجلة الثقافية الجزائرية

«خذوا الحكمة من أفواه المجانين»

د. صلاح التوم إبراهيم

قصة مثل 

__________________________

قيل : مات رجل ثري في غربة بعيداً عن أولاده تخاصموا مع أخيهم الأكبر لأنه كان مشغولاً بالإعداد لمراسم العزاء الذي سيكرم فيه والده الراحل، وإخوته مشغولون بالتفكير بالميراث ومقدار نصيب كل منهم.

لم يعبأ الأخ الأكبر بقولهم لكنهم أوغلوا في عنادهم ومخاصمته، وقد أذهب الجشع والطمع بالميراث عقولهم فاستمروا يلحون عليه بإيقاف المراسم لاقتسام الميراث بينهم وبعد ذلك يمكنه أن يقيم العزاء كما يشاء.

وأحزن طمعهم أخاهم الأكبر الذي لم يكن مستعداً للتخلي عن واجبه تجاه أبيه خجلاً من الناس ، فطلب منهم تأجيل الحديث عن اقتسام الميراث لحين انتهاء العزاء. لكنهم رفضوا الاستماع إليه ولجأوا إلى القاضي يدّعون عليه ويتهمونه بالاستيلاء على حقوقهم.

لم يكن أمام الأخ الأكبر المقهور، وقد أرسل القاضي يستدعيه، سوى الإسراع لطلب النصيحة من حكيم يساعده على درأ غضب إخوته ومتابعة تجهيزات عزاء والده، فأرشده الحكيم، وقد استعصى عليه الحل، إلى مجنون القرية طالباً منه أخذ نصيحته.

ازدادت دهشة الأخ الأكبر لأن الحكيم بنفسه يرسله ليأخذ الحكمة من فم المجنون، لكنه وفي ظل الحاجة إلى حل وقصر الوقت لم يعد أمامه سوى الامتثال لنصيحته، حتى لو اعتقد بأن حكمة مجنون لن تسعفه.

لم يكن على المجنون أن يعقد حاجبيه أو يمط شفتيه مصطنعاً التفكير والبحث عن إجابة، بل بادر بسؤال الأخ بعد سماع حكايته «هل لديك أو لدى إخوتك من يشهد بأن أباكم مات فعلاً؟»

صمت الأخ الأكبر وقد انعقد لسانه، وهز رأسه نافياً، فقال المجنون «قل لإخوتك أن يجلبوا من يشهد بموت أبيكم!».

أذهل المجنون الأخ الأكبر برده، فأسرع خطاه إلى القاضي وقال له «من يشهد بأن والدنا قد توفى أو بأن خبر وفاته صحيح؟»، أثنى القاضي على قوله والتفت للإخوة يسألهم «هل لديكم شهود على وفاة أبيكم؟» فرد الأبناء «لقد مات أبونا في بلد بعيد ولا يوجد شاهد على ذلك»، فصرفهم القاضي طالباً منهم إحضار الشهود ليقوم بقسمة الميراث بينهم على الفور.

ولأنهم لم يكونوا قادرين على ذلك علقت القضية لفترة طويلة من الزمن، وكان الأخ الأكبر يقول لإخوته كلما رآهم «لو أنكم صبرتم أسبوعاً واحداً فقط ألم يكن خيراً لكم من هذا!».

لم يصبر العقلاء فتغلبت حكمة مجنون عليهم

و إنك قد تجد ضالتك في المكان الذي لم تعتمده.

والقصة تعبر عن فكرة أن الحكمة قد تأتي من مصادر غير متوقعة أو من أشخاص غير مألوفين. وقد يكون الأشخاص الذين يظهرون سلوكًا غريبًا أو غير عاديين في تفكيرهم هم المقصودون هنا بـ”المجانين”

————-

وروى آخرون قصة المثل بطريقة أخرى هي:

ذات يوم وبعد نقاش حاد بين الزوجين، تعصب الزوج على زوجته ورمى عليها يمين الطلاق،

وقال لها لن ترجعي في عصمتي إلا في يوم مشؤوم وأغبر ليس به نور، فخرجت الزوجة لبيت أهلها وهي تبكي،وبعد أن هدأ الزوج، وأحس بالندم على ما فعل، خرج ليبحث عن فتوى من أحد العلماء في القرية، وألتقى بشيخ القرية وسرد له القصة.

فقال الشيخ : ومن أين سنأتي لك بيوم مشؤوم أغبر ليس به نور، سامحك الله

لا أجد لك مخرج من هذا أيها الزوج،ولكن اذهب إلى المدينة لعلك تجد شيخ أعلم مني قد يجد لك فتوى. رجع الزوج للبيت وأستعد للرحيل باكرا، واستيقظ متأخرا لأنه كان ساهرا لشدة حزنه،وأسرع للسفر إلى المدينة، وذهب للجامع الكبير ليصلي الظهر ويسأل الشيخ عن يمين الطلاق، ولكن الشيخ كان رده مثل شيخ القرية، من أين سنأتي لك بهذا اليوم المشؤوم الأغبر الذي ليس به نور.خرج الزوج مهموم، يجر قدميه إلى أن وصل سوق المدينة، وجلس شاردا لأكثر من ساعة أمام كشك لبيع الخردوات، وجاء صاحب الكشك إلى الزوج وقال له ما بالك أيها الرجل جلست لأكثر من ساعة في حالة شرود تام، فحكى الزوج قصته وأنه لم يجد شيخ يفتي له، فهمس صاحب الكشك إلى الزوج وقال أترى ذلك الشخص على يمينك

فقال الزوج الذي يفترش الأرض وثيابه رثه وشعره كثيف وغير ممشط، قال صاحب الكشك نعم

اذهب وقص عليه وأسأله، استغرب الزوج وكيف لهذا الرجل المجنون أن يجد لي مخرج وأنا سألت المشايخ ولم يجدوا لي حلا !! وقال في نفسه سأذهب فأنا لم يعد لدي سبيل غيره،

وذهب إليه وجلس على الأرض أمامه، وقال له يا حاج أريد أن أحكي لك قصتي، فقال له: احكي يا غافل.. فاستغرب الزوج.. وبدأ في سرد حكايته حتى نهايتها.

فقال المجنون: هل صليت الفجر!! فقال الزوج: لا والله لقد استيقظت بعد الفجر!

فقال المجنون: كيف حال أمك اليوم !! فقال الزوج لم أرها اليوم فقد خرجت مسرعا!

فقال المجنون: كم قرأت من القرآن اليوم؟

فقال الزوج غاضبا” قلت لك يا حاج أنا كنت في عجلة من أمري ولم أقرأ شيء ولم أزر أحد !!

فقال المجنون، اذهب وخذ زوجتك فهل هناك يوم مشؤوم وأغبر وليس به نور كيومك هذا!!!

لم تصل الفجر ولم تقرأ القرآن ولم ترى أمك وتستاذنها !! ففرح الزوج وأصبح يقبل رأس المجنون ويقول له، لقد أنقذتني يا شيخ ويا علامة، اطلب ما شئت يا شيخ فرد المجنون أنا لا أطلب إلا من ربي وإلهي يا غافل!!!!

فالعبرة في أنك قد تجد ضالتك في المكان الذي لم تعتاده. والمثل يكمن جوهره في جمعه بين صفتين مُتناقضتين هما: التعقل والإنفعال، فهما صفتان تُمثلان مدى تناقض النفس الإنسانية عند التعامل مع مضلات الحياة. فقد طالب الإسلام الناس بالتعقل. وتنمية العقل لا تكون إلا بالعلم، وعليه فإن مطالبة الإسلام بالتعقل هو دعوة لطلب العلم، وقد جاء ذلك صريحا في كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى: (وقل رب زدني علما). طه ١١١، وفي الحديث “إذا أتى علي شمس شمس يوم لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله عز وجل، فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم” أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية.