المجلة الثقافية الجزائرية

رماد الضوء

رنا العيسى

على حافة العدم الممتد في أزقة غزة، تجلس أم يوسف كأيقونة من وجع عتيق. لم يكن بيتها مجرد جدران انمحت، بل كان عمرًا من المنمنمات الدافئة، تهاوت كلها في لفتة برشة نار. تقبض بكفها المتغضنة على مفتاح بات يفتح أبواب الذاكرة وحدها، بينما يطوق يدها الأخرى صمت مطبق، أشد فصاحة من العويل.

كان يوسف نبض الوقت في دارها. في مثل هذه الساعة، كان يطل كبشارة هاربًا من تعب النهار، يحمل في عينيه اتساع البحر، وفي يديه حكايات صغيرة يغزلها لأمه ليمحو بها شقاء السنين. كانت ضحكته تميمة البيت ضد الخوف. أما اليوم، فقد استعاضت السماء عن ضحكته بزمجرة الحديد، واستحال الفضاء غبارًا كثيفًا يبتلع الملامح والوعود.

في تلك الليلة الكافرة، حين تشظى المدى واستعرت الأرض، لم تبحث عن طوق نجاة. ألقت بجسدها الوهن فوق بكرها، حاولت أن تكون سقفًا لجسده، أن ترده إلى رحمها الأول حيث لا شظايا ولا موت. لكن الموت كان أسرع من لهفتها. ارتقى يوسف، تاركًا على صدرها قطرات من دمه الطاهر، وثقبًا في الروح لا يندمل بمواساة البشر.

تتأمل الآن الأفق الذي تضرج بحمرة الغروب، وكأن السماء تشاطرها النزيف. لم تعد تبكي؛ فالدموع ترف تضيق عنه المآقي المفجوعة. حثت حفنة من تراب المخيم الممزوج بركام غرفته، شمّتها طويلًا، وهمست للريح: «يا قطعتي المبتورة، أودعتك أرضًا غدت بلقائك أطهر، ونمت في حناياها لتورق فينا صبرًا لا ينفد».

نهضت، وفي مشيتها مهابة الجبال التي لا تنحني، مشت فوق الرماد متسربلة بكبريائها، حاملة في قلبها المحطّم وطنًا كاملًا يرفض الانكسار.