د.صلاح التوم إبراهيم _ السودان
عندما أراد المستعمر طمس هوية السودان وتقسيم البلاد إلى إثنيات تتحدث عن القبيلة والقبلية أكثر من الوطن الأم ، انبرى شاعرنا الأستاذ محمد عثمان عبدالرحيم و أطلق صيحته الأولى في قصيدته الشهيرة “أنا سوداني” عام 1947 والتي جسد فيها هوية السودان ووحدته، والتي يقول فيها:
كل أجزاءه لنا وطن إذ نباهي به ونفتتن
نتغنى بحسنه أبدا دونه لا يروقنا حسن
لو هجرناه فالقلوب به
ولها في ربوعه سكن
حيث كنا حدت بنا ذكر ملؤها الشوق كلنا شجن
نتملى جماله لنرى هل لترفيه عيشه ثمن
خير هذي الدماء نبذلها كالفدائي حين يمتحن
بسخاء بجرأة بقوى لا يني جهدها ولا تهن
تستهين الخطوب عن جلد تلك تنهال وهي تتزن
أيها الناس نحن من نفر عمروا الأرض حيث ما قطنوا
يذكر المجد كلما ذكروا وهو يعتز حين يقترن
حكموا العدل في الورى زمنا أترى هل يعود ذا الزمن
ردد الدهر حسن سيرتهم ما بها حطة ولا درن
نزحوا لا ليظلموا أحدا لا ولا لإضطهاد من امنوا
وكثيرون في صدورهم تتنزى الأحقاد والإحن
دوحة العرب أصلها كرم والى العرب تنسب الفطن
أيقظ الدهر بينهم فتنا ولكم أفنت الورى الفتن
يا بلادا حوت مآثرنا كالفراديس فيضها منن
فجر النيل في ابطحها يكفل العيش وهي تحتضن
رقصت تلكم الرياض له وتثنت غصونها اللدن
وتغنى هزارها فرحا كعشوق حدا به الشجن
حفل الشيب والشباب معا وبتقديسه القمين عنوا
نحن بالروح للسودان فدا فلتدم أنت أيها الوطن
ومازالت قصيدة «أنا سوداني» تمثل دفعة وطنية صادقة لكل سوداني غيور، وما زال يرددها الشيب والشباب وقد زادها قوة على قوة كلماتها الفنان الشاعر / حسن خليفة العطبرواي الذي لحنها وتغني بها بصوته المميز القوي .
ولد شاعرنا في عام 1914م بمدينة رفاعة التي تقع جنوب شرق العاصمة الخرطوم في الضفة الشرقية للنيل الأزرق وتعرف باسم مدينة العلم والنور. تخرج في كلية غوردون التذكارية عام ١٩٣٢م التي أصبحت الآن جامعة الخرطوم، وكان عضواً في لجنة الزعفران التي هدفت لطرد المستعمر البريطاني من السودان، وكان سلاحه هو الشعر. أصبح محمد عثمان عبد الرحيم من أبرز ناشطي جمعية الزعفران الوطنية، وهي الجمعية التي كانت تقود النشاط السياسي بكلية غردون في الفترة ما بين 1931 وحتى 1942م، وهي الفترة التي عرف فيها شاعرا مناضلا ساهم بشعره في فجر الحركة الوطنية. ويعتبر من الأوائل الذين أسهموا في تأسيس مؤتمر الخريجين عام 1938م، والذي أطلق فكرته الشاعر والسياسي الراحل أحمد خير. واستقر منذ أن نال المعاش في الستينيات بمدينة رفاعة ولم يغادرها حتى رحيله، وكان منزله باحة للعلم والأدب والمعرفة حتى وفاته، ولقد امتاز بذاكرة قوية وفكر ثاقب رغم تقدمه في العمر.
يعد الشاعر الأستاذ محمد عثمان عثمان عبدالرحيم أحد الرموز الوطنية المضيئة البارزة على صعيد تاريخ النضال الوطني ، إذْ أنه منذ سنوات باكرة من عمره أصبح واحداً من الرموز الوطنية التي يشار إليها بالبنان في مقاومة الاستعمار حيث أسس ومعه ثلة من الطلاب الذين زاملوه في كلية غردون التذكارية «لجنة الزعفران» والتي كتبت لنفسها تاريخاً وطنياً مشرفاً هو قيادة أول اضراب للطلاب ضد المستعمرين ، ويعد هذا الاضراب الذي قاده طلاب كلية غردون التذكارية أحد ركائز الوعي الوطني لمجابهة ومحاربة الاستعمار ، وفي دواوين الشاعر محمد عثمان عبد الرحيم كثير من الأشعار الخالدة الدالة على ذلك . وقد لعب دورا كبيرا في التعريف بالشعر السوداني عبر النشر في دوريات مصرية ولبنانية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن المنصرم، كما قام بتقديم ديوانه الأول “رياض الأدب” الشاعر الراحل المصري الدكتور إبراهيم ناجي عام 1947م . ونال عددا كبيرا من الجوائز والأوسمة، وكرم على مستوى رئاسة الجمهورية .
و من خلال قصيدته «بطاقتي» لخص الشاعر الأستاذ محمد عثمان شخصيته ومزاياها ونضاله ووطنه الصغير رفاعة ، حيث قال فيها:
أنا شاعر لم يجر خلف مطامع
يجري ويلهث خلفها شعراء
أنا من رفاعة من صميم ترابها
يغري انتباهي طينها والماء
وحدائق غناء آتت أكلها
وبراعم وازاهر ورواء
٭ ٭ ٭ ٭ ٭
الزائدون عن التراب بوثبة
شماء تلثم رأسها الجوزاء
الصابرون على البلاء لأنهم
رغم الضياع عزيمة ومضاء
الضاربون الأُسد في هاماتها
لما تخيل أنهم جبناء
وقد وضح شاعرنا أهداف ومرامي شعره واتجاهاته من خلال قصيدته «شعري» ، فقال :
شعري اردت له الحياة فرامها
حراً ولم يذعن لها إطلاقاً
من شعلة الإلهام يخطر ثائراً
برماً يزمجر كالرصاص سباقاً
من أجله عجم النكال صلابتي
فارتد حيث تعلم الإخفاق
قد صغته في الحادثات ملاحماً
ولدى السلام نظمته أطواقاً
وعليه فهو يسير في أخلاقه
يحمي التراث ويحفظ الأخلاقا
تميز الشاعر الأستاذ محمد عثمان بشاعرية كبيرة، وظفها في خدمة القضايا الوطنية السودانية ، وقضايا الامة العربية، إذ شكلت القضية الفلسطينية محورا مركزيا في دواوينه الشعرية ، ونادى بالوحدة العربية الشاملة، يقول في قصيدته “نداء للوحدة العربية”:
لمن يا تراني أزف النداء
وفي نسق هادئ متزن
لشعب العراق الذي لم يزل
يشيد المرافق فوق الدمن
إلى شعراء العراق الشقيق
لإخوتنا في بلاد اليمن
لأبناء صنعاء الرابطين
يزودون عن مجدنا في عدن
إلى الثائرين بأرض الشآم
للبنان مذ فرقتها الفتن
إلى الشعب شعب الجهاد المرير
بأرض فلسطين عبر الزمن
من مؤلفاته :
ديوان: «رياض الأدب» صدر عام 1947م.
ديوان: «ومضات فكر» صدر عام 2005م.
ديوان: «وقفات على مدارج الاستقلال» عام 2007م.
وشهد العام 2011م طباعة آخر دواوينه الذي جاء بعنوان «في ميزان قيم الرجال».
توفي _ رحمه الله تعالى _ مساء يوم السبت 11 أكتوبر 2014 بمدينة رفاعة وذلك عن عمر بلغ المئة عام تماما حيث ولد في عام 1914م. وتم تشييع الشاعر يوم الأحد في مدينة رفاعة بحشد جماهيري كبير، شارك فيه مسؤولون من حكومة ولاية الجزيرة .
تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة بقدر ما قدم من لوطنه السودان والوطن العربي الكبير.





