ناجي ظاهر
بإمكاني، قارئا مجتهدا ومتابعا، وكاتبا منتجا للرواية، اقتطاف ملاحظة من دفتر مذكراتي الخاص، مفادها ان العديد من كتابنا الروائيين العرب، تأثروا في كتاباتهم الروائية، بما سبق وانتجه كتاب غربيون، الامر الذي جعلني اسجل العديد من الملاحظات، بعد قراءتي هذه الرواية او تلك من رواياتنا العربية، تشير وتنبه الى ما سبق وقرأه صاحبها قبل كتابته روايته تلك، ويمكنني ان اسجل هذه الملاحظة تحت عنوان رواية تذكر برواية. سأقوم فيما يلي بإيجاز، ارجو الا يكون مخلا، بتقديم ملاحظات جذرية حول هذا الموضوع.. المهم والحساس، بعدها سأحاول الاجتهاد في تفكيك هذه الظاهرة، والتغلغل في طواياها المعقد والمركبة.
من نجيب محفوظ الى اميل حبيبي
سبق وسجل الدكتور الباحث الادبي شكري محمد عياد، ملاحظة هامة في موضوع حديثنا هذا، مفادها ان الكاتب نجيب محفوظ، الفائز العربي والوحيد حتى الان بجائزة نوبل للأدب، وصاحب الروايات الشهيرة منها” اللص والكلاب” و “الطريق”، قد تأثر في كتابته روايته “ميرامار”، برواية “البيت والعالم” للكاتب الشاعر الهندي البارز رابندرانات طاغور، وهذا، بالمناسبة واحد من الحاصلين على جائزة نوبل للأدب، وفي التفصيل يقول عياد ان محفوظا قد تأثر في تعدد الاصوات، في الرواية الواحدة بتلك الرواية المذكورة، ويوضح انه لم يكن لمحفوظ ان يكتب تلك الرواية متعددة الاصوات، البولوفونية، لو لم يكن في حينها قد قرا رواية “البيت والعالم”، وفي سياق متصل يمكننا الإشارة الى ما نوه اليه محفوظ ذاته اكثر من مرة، وهو ان فكرة كتابة رواية الاجيال ممثلة بثلاثيته الروائية الرائدة “قصر الشوق” ، “بين القصرين” و”السكرية”، ولدت بعد قراءته رواية ” آل بدنبروك”، للكاتب الألماني صاحب نوبل للأدب ايضا، توماس مان، وفي سياق متصل يذكر كاتب هذه السطور ان محفوظا اعرب عن امتعاضه، من كاتب اخر صديق له، عندما قام بكتابة رواية اجيال، بعد ان أخبره هو ذاته، انه ينوي كتابة ذلك الجنس الروائي، واصداره رواية في هذا الجنس بعد اشهر محدودة، من حديث محفوظ اليه والى اخرين. محفوظ أضاف في العديد من الأحاديث، انه منذ تلك الفترة آل على نفسه الا يتحدث عما ينوي كتابته من روايات. الكاتب الذي أشار اليه محفوظ فيما بتعلق بهذا الامر هو عبد الحميد جودة السحار ورواية الاجيال المشار اليها هي “في قافلة الزمان”.
اما الكاتب اميل حبيبي، فقد تأثر في كتابته روايته “المتشائل- الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد ابي النحس المتشائل”، برواية اخرى معروفة عالميا، هي رواية “كنديد”، للكاتب المفكر الفرنسي الساخر فولتير، وقد اعترف حبيبي في ثنايا روايته ذاتها، بانه ما ان فتح الاحتلال ابواب مدينة نابلس بعد حرب ٦٧، حتى سارع الى مكتبة هناك، للحصول على تلك الرواية، ويقول انه بعد ان عثر عليها بترجمة الكاتب المثقف الفلسطيني البارز عادل زعيتر، حتى سر بها كثيرا، موضحا انه قراها باهتمام كبير خلال استقلاله سيارة الاجرة من نابلس الى الناصرة، مدينة اقامته في حينها، والحق ان من يقرأ المتشائل، لا سيما اذا كان مطلعا، جيد الاطلاع على العالم الادبي الروائي، يمكنه بسهولة ان يلمس تأثر حبيبي، من اعلى الراس حتى اخمص القدم، في كتابته روايته المذكورة برواية “كنديد”، فهو يتأثر بالاطار الروائي القائم على النوادر والحكايات المتتالية من ناحية، كما يتأثر برؤيته الأدبية التي تمزج ما بين التفاؤل والتشاؤم، والتي تجلت في نحت كلمة واحدة من كلمتين هي المتشائل.
غسان كنفاني وحنا مينة
اذكر فيما يتعلق بأمر “رواية تذكر برواية”، ما سبق ولفت اليه العديد من الباحثين الادبيين والنقاد، بعد قراءتهم هذه الرواية او تلك للكاتب الفلسطيني الصميم الشهيد غسان كنفاني، وبإمكاني ان امزج بين ما قاله بعضهم وبين ما رددته لنفسي بعد قراءتي لكل من رواياته التي سأذكرها فيما يلي، مشيرا الى الرواية التي سبق وقراها قبل كتابته روايته التي سيرد ذكرها، فرواية” رجال في الشمس” ، تذكر بروايتي “البيت والعالم” و”ميرامار”، الاولى، كما سلف، لطاغور والثانية لنجيب محفوظ، وروايته “ام سعد” ، تذكر برواية “الام”، للكاتب الروسي مكسيم غوركي، بينما تذكر روايته “ما تبقى لكم”، برواية “الصخب والعنف” ، للكاتب الامريكي النوبلي ايضا، وليم فوكنر، وقد ترجمها الى العربية كاتبنا الفلسطيني القدير جبرا ابراهيم جبرا، وفي التفصيل نشير الى ما سبق وأشار اليه اكثر من ناقد عربي، وهو ان كنفاني تأثر في كتابته روايته المذكورة، برواية تيار اللاوعي الذي انتهجه فوكنر في رايته تلك.
اما بالنسبة لحنا مينة، فاذكر ان روايته “الشمس في يوم غائم” ، تذكر برواية “زوربا”، للكاتب اليوناني المهم نيكوس كازنتزاكي، لنتذكر رقصة الخنجر، الكبرياء، البراءة، وحب الحياة الحميم حد الالتصاق بها، وروايته “الياطر” ، تذكر برواية “روبنسون كروزو” ، للكاتب الانجليزي الرائد دانيال ديفو، خاصة فيما يتعلق بما يطلق عليه النقاد رواية الغابة، ورواية “ماسادة دمتريو” ، تذكر برواية “مستر “جكل ومستر هايد” ، للكاتب الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون، ويتمثل هذا التذكر بالازدواجية الشخصية للبطل الروائي في هذه الرواية.
يحيى يخلف
بد ان قرأت رواية الكاتب الفلسطيني يحيى يخلف الاولى “نجران تحت الصفر”، صدرت في السبعينيات المتأخرة، تذكرت الكتابة الروائية لدى الكاتب الروائي الروسي مكسيم غوركي، لا سيما في واقعيتها الشعرية الملموسة وفي اسلوبها السردي، اما بعد قراءتي روايته “تلك المراة الوردة” فقد تأكد لدي ان يحيى غارق الى أذنيه في عالم غوركي الواقعي الشاعري ذاته، اما في روايته “راكب الريح” ، فقد برز تأثره ب “الف ليلة وليلة” ، جليا واضحا، لا سيما فيما يتعلق بالسرد الغرائبي الخرافي المتخيل، وبما يتطلبه من أدوات مثل السحر والترحل في دنيا الخيال، والقرينة وما اليها من أدوات ورد استعمالها في” الف ليلة وليلة” ، بالضبط كما ورد في القصة او الحكاية الشعبية تحديدا. بالمناسبة نجيب محفوظ ذاته تأثر في روايتيه “الف ليلة وليلة” و”الحرافيش” ، بألف ليلة وليلة ، لا سيما فيما يتعلق بالأدوات التي تأثر بها يحيى يخلف ذاته.
هل من سبب؟
ضمن محاولة تهدف الى تفكيك هذه الظاهرة، نشير الى انها قد تعزى الى العديد من الأسباب، لعل أبرزها، ان الرواية كفن قائم بذاته، هي في الاساس واحد من الفنون الأوروبية التي حذا الكاتب العربي حذوها وتأثر بها، اما فيما يتعلق بتأثر هذا الكاتب بألف ليلة وليلة، فقد جاء على ما يظهر ضمن محاولة لتأصيل هذه الرواية وللاغتراف من منهلها العذب، ونقصد به الف ليلة وليلة، غير ان هذا يبقى ضمن رواية تذكر في العمق والمعنى، ضمن الدائرة ذاتها ب “رواية تذكر برواية”.
بغض النظر عما تمتع به الكتاب المذكورون، مع التفاوت الطبيعي الملموس في قدراتهم الروائية السردية، يمكننا القول ان كتابنا العرب أرادوا، اضافة الى طرقهم باب الرواية المستورد الجديد في أدبنا المعاصر، عندما حاولوا، بإخلاص واقعي وملموس، طرق ابواب الرواية التخيلية، وتقديم اجتهاداتهم الجدية والجادة في خدمة واقعهم، لم يجدوا مساحة للمزيد من التخييل سوى ان يتذكروا ما سبق وتمت لهم قراءته من الإنتاج الأدبي الروائي في ذاكرتهم اولا، وثانيا فيما سبق وانتجه كتاب غربيون اخرون، امتلكوا ناصية ذلك العالم الجميل، عالم التخييل الروائي الجامح والهادف الى خدمة الواقع، وذلك عبر تصويرهم ما يمكن ان يحدث، وليس ما سبق وحدث، وهذه لعمري هي حالة الابداع الادبي في عمقها القصي البعيد، كما افترضها الفيلسوف الاغريقي العريق أرسطو طاليس في كتابه الخالد عن “فن الشعر”، او البويطقا.





