المجلة الثقافية الجزائرية

ريبيكا كوانغ.. حين تنتصر الكاتبة للنص قبل المنصّة

بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك

لم يكن اعلان “ريبيكا. إف. كوانغ” مجرّد انسحاب من مهرجان أدبي في مدينة تتباهى بقوتها الناعمة، بل كان إعادة تعريف قوية لدور الكاتب حين تتحوّل الكلمة عنده من فعل جمالي مؤثر، إلى موقف أخلاقي وإنساني أكثر تأثيرا، فقد أعلنت الروائية الأميركية ذات الأصول الصينية، تخلّيها عن المشاركة في مهرجان طيران الإمارات للآداب، المقرر عقده في يناير/ كانون الثاني المقبل؛ تقيدا بالاطار الاخلاقي الذي رسمته حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) ، احتجاجاً على ما عدّته الحركة، بل كل ذي ضمير حي، وكل من يتسم بوعي اخلاقي، تورّطاً إماراتياً مباشراً في الابادة الجماعية المفزعة المتواصلة على التراب السوداني، التي تتصدرها ميليشيات الدعم السريع المتمردة الارهابية.

 لقد تلقّت دعوة المشاركة، رتّبت جدولها، وتهيّأت للسفر. لكن ما إن صدرت دعوة المقاطعة من حركة( BDS) بعد الاتهامات الموجّهة للإمارات بشأن تسليح ميليشيات الدعم السريع الارهابية، حتى توقّفت الكاتبة، وأعادت النظر، واتخذت قرارًا أقلّ ما يُقال عنه إنه قرار «لا يفعله إلا من يملك بصيرة النص قبل رغبة الظهور».

 الكاتبة “ريبيكا إف. كوانغ” التي صنعت لنفسها مكانة صلبة عبر «حرب الخشخاش» و«بابل» و«الوجه الأصفر»، لم تتردّد أو ترمش لها عين، في أن تنقل المعركة من صفحات الكتب إلى واقعٍ ينزف. كتبت للمنظمين رسالة مقتضبة وحاسمة: لم تعد قادرة على السفر إلى دبي. القرار ليس مزاجاً، بل امتثالٌ كما قالت للتوجيه الأخلاقي القادم من الضحايا أنفسهم، واحترامٌ لطبيعة المقاطعة، بوصفها فعلاً تضامنياً و “استجابة للأحداث الجارية في السودان”.

 وعندما كتبت للمنظمين: لن أسافر إلى دبي. لم يكن ذلك لأسباب فنية، ولا لضيق الوقت، لم تنسحب لأن جدولها مزدحم، أو لأن الدعوة لم تعجبها، بل لسبب واحد: أنّ المهرجان أصبح رغماً عنه جزءاً من مشهد تُلطّخه السياسات الوضيعة لبلد يملك برجاً بطول السماء.. ولا يملك ذرة حياء وهو يمدّ السلاح لميليشيا إرهابية تحاصر المدن ، وتدفن الأطفال والأبرياء تحت الركام.

ما يستوقف النظر حقا فيما اتصور ليس الانسحاب في ذاته، بل توقيته: كاتبة في ذروة مجدها، حاصلة على جوائز نيبولا وبلاكويل وكروفورد وغيرها، روائية في الثالثة والعشرين حين اجتاحت الأسواق ب-«حرب الخشخاش» التي كتبتها بعد سنة من العمل في الصين. وروائية تصدّرت «نيويورك تايمز»، وتتصدر قوائم الأكثر مبيعاً، تقف لتقول: «لن أكون جزءاً من مشهد ثقافي ملوّث بالدم». هذا النوع من القرارات لا يصدر إلا من كاتب يدرك أنّ الكتابة ليست حرفة، بل مسؤولية. وأنّ النص الذي لا تُسانده الأخلاق الكريمة يتحوّل إلى مجرد زينة لغوية ومحض هراء.

 ولم يكن بيانها مجرّد اعتذار بروتوكولي تقدمت به، فقد طلبت “ريبيكا إف. كوانغ” حذف اسمها من كل البرامج والمواد الترويجية، لم تهاجم، لم تزايد، ولم تُصدر بياناً مفرطاً في الانفعال.أغلقت الباب بهدوء، وتركت خلفها ضوءاً كاشفاً: أنّ الإمارات التي تُنفق الملايين على المهرجانات، لا تستطيع شراء ضمير كاتبة واحدة. وكانت كوانغ بذلك تعيد تعريف دور الكاتب حين تصبح الكتابة امتداداً للضمير الإنساني، لا امتداداً لسجاد الاستقبال الأحمر، وتكشف في الوقت ذاته عن هشاشة البنية الأخلاقية للمشهد الثقافي: مسارح فخمة وضمير غائب.

هذا الموقف البطولي، يأتي في لحظة هي الأكثر دموية في السودان منذ اندلاع الحرب بين قوات الجيش الحكومية وميليشيات الدعم السريع الارهابية المتمردة. حرب دفع ثمنها السودا؟ نيين الأبرياء، وأنتجت أكبر موجة نزوح وجوع يشهدها العالم، وفق تقديرات المنظمات الإنسانية، اتهامات الأمم المتحدة للإمارات بتسليح الميليشيا لم تعد مجرّد كلام صحافي؛ بل باتت جزءاً من ملف رفِع إلى محكمة العدل الدولية. كل ذلك كان كافياً ليدفع حركة المقاطعة إلى توسيع نطاقها ليشمل الإمارات، ما جعل قرار “ريبيكا. إف. كوانغ” جزءاً من موجة لا يمكن تجاهلها.

 ريبيكا، التي بنت فضاءات روائية تتقاطع مع التاريخ الصيني الدموي، كانت تعرف بالخبرة السردية أن الحروب لا تقوم بذاتها، بل تحتاج إلى رعاة. والرعاة، في حالة السودان، ليسوا مجهولين. الاتهامات الأممية، التقارير الغربية، الملفات المرفوعة إلى محكمة العدل الدولية كلّها تشير إلى جهة واحدة تُرسل السلاح وتُرسل معه تبريرات جاهزة عن «الاستقرار» و«التوازن الإقليمي».

 ولأن كوانغ هي من قدّمت «بابل» بوصفها عملاً روائياً عن السلطة والعنف وعلاقات القوة ، فقد بدت هنا وكأنها تُطبّق الدرس نفسه خارج صفحات الرواية: حين يتحوّل العنف إلى بنية سياسية متجدّدة، ويغدو ابن زايد المثال الفجّ لِمَن يُعيد إنتاج القوّة بوصفها حقاً إلهياً، ويحوّل ميليشيا الدعم السريع الارهابية إلى أدوات يحركها ويمولها ويدعمها بالأوباش والسلاح، والدعم اللوجستي، يصبح على الكاتب أن يختار: إمّا أن يقف على رصيف المهرجانات، أو يقف في صفّ البشر الذين يُسحقون تحت هذا التحالف السام بين مشروع هيمنة، وميليشيا لا تجيد إلا الفوضى والتطهير العرقي.

 إنّ ما فعلته كوانغ يُعيدنا إلى جوهر الفعل الأدبي: أن يقف الكاتب في المنطقة التي يختبر فيها ضميره، لا تلك التي تُصفّق فيها للجوائز. وأن يضع قدميه ولو مرة في صفّ الشعوب حين تُسحق بأيدي من يملك السلاح ويملك المنصّات معاً.

الإمارات قد تنجح في شراء الولاءات السياسية، لكنها فشلت فشلا ذريعا أمام كاتبة عمرها تسعة وعشرون عاماً، لأنها ببساطة لا تباع، وكوانغ لم تنتصر للسودان بوصفه «قضية سياسية» وحسب، بل بوصفه امتحانًا للضمير الكتابي. فثمة أعمال تُكتب بالحبر، وثمة أعمال تُكتب بالموقف،وكان موقفها واعلانها واضحا: هذا المشهد الثقافي ملوّث، وهذه الإمارات ليست بريئة.