المجلة الثقافية الجزائرية

زحف الضوء

 د.عطيات أبو العينين

كان الفجر بطيئًا في قدومه، كأنه هو الآخر يزحف على ركبتيه بين الدخان والأنقاض. ومن خلف التلال المدمّرة، لم تشرق الشمس بلونها الذهبي المعتاد، بل بلون رماديّ يشبه رماد البيوت التي سقطت في الليل الماضي. تمرّ الريح على الخيام الهزيلة، تفتحها وتغلقها كصفحات كتابٍ منسيّ، وكل خيمة تحكي حكاية وجعها بصمتٍ موجع.

في أقصى المخيم، وعند طرفٍ وعرٍ تفوح منه رائحة الغبار والبارود، يفتح “مازن” عينيه على ضوءٍ خافتٍ يتسلل من ثقبٍ صغير في سقف خيمتهم المهترئة. لم يكن الضوء ساطعًا، لكنه كان كافيًا ليوقظ فيه شيئًا أعمق من اليقظة كأنه يناديه باسمه، يدعوه أن يتحرك، أن يزحف، أن يبدأ نهارًا جديدًا من الصراع مع الحياة.

مدّ يديه أمامه، تحسس الأرض الخشنة المليئة بالحجارة الصغيرة، ثم دفع جسده إلى الأمام بخطى غير مرئية. كل حركة تصدر أنينًا خافتًا من بين شفتيه، لكنه لم يتوقف. يعرف أنه إذا توقف مرةً واحدة، لن ينهض بعدها أبدًا.

في الخارج، أمه “سلمى” تكدّس بعض الأغطية على إخوتِه الثلاثة الصغار. وجهها شاحب كرمادٍ دافئ، لكن عينيها متوقدتان بإصرارٍ أموميّ عجيب. حين رأت “مازن” يزحف نحو باب الخيمة، قالت وهي تضع يدها على صدرها:

– “إلى أين يا “مازن”؟ لم تهدأ الطائرات بعد.”

فأجابها بصوتٍ ناعمٍ لكنه ثابت:

– “الضوء لا ينتظر، يا أمي. يجب أن أسبق العتمة.”

كانت تعلم أنه يقصد الماء تلك الرحلة اليومية التي يخوضها زحفًا خلف عربة المياه، وسط الركام، تحت أصوات المدافع. لكنها لم تستطع منعه؛ فكل مرة يخرج فيها، يعود وفي عينيه ضوءٌ جديد، كأن الزحف نفسه صار صلاةً تُبقيه حيًّا.

هكذا، خرج “مازن” من الخيمة يزحف ببطءٍ نحو الأفق الرمادي، والضوء يتبعه كظلٍّ حنونٍ على ظهر طفلٍ لم يملك قدمين، لكنه امتلك قلبًا يزحف بالحياة كلها إلى الأمام. لم يكن مازن يشبه بقية الأطفال منذ ولادته. جاء إلى الدنيا ضعيف الساقين، كأن الأرض ثقلت عليه قبل أن يخطو نحوها. كانت قدماه ملتفتين قليلًا، وركبتاه هشّتين، لكن في عينيه ضوءًا لا ينطفئ – ضوء يشبه الفجر حين يولد من قلب العتمة.

   وجهه نحيل، تحدّه وجنتان شاحبتان من قلة الطعام، وشعره أسود يلتصق بجبينه حين يتصبب عرقًا وهو يزحف. يزحف كثيرًا على التراب، على الحصى، بين شظايا الزجاج المكسور من نوافذ البيوت المقصوفة.

يداه نحيلتان، لكنهما صلبتان كجذع شجرة رفضت أن تموت رغم الجفاف. حين تنظر إليه، تشعر أنه لا يتحرك بيديه فقط، بل بكل إرادة الكون المعلقة في طفلٍ لم ييأس.

في الخيمة، كانت أمه “سلمى” — امرأةً شاحبة القسمات، تتحدث بصوتٍ خافت يشبه صلاةً تُقال في السر.

هي الأخرى تجرحها الحرب من كل صوب، لكنّها لا تسقط. أما الأب، فقد تاه مع أول موجة نزوح، لا يُعرف أهو تحت الأنقاض أم في طريقٍ آخر من طرق الغياب. وإخوته الثلاثة الصغار كانوا يلتفون حولها كالعصافير الجائعة، ينظرون إلى “مازن” كأنه أملهم الوحيد في هذا العراء.

كانوا يعيشون في مخيمٍ من الخيام الممزقة على أطراف المدينة التي أكلها القصف. السماء لا تهدأ تئنّ كل ليلة، تصرخ كأنها تنزف من ألمها. صوت الطائرات لا يفارق الأفق، والناس ينامون نصف نومٍ، ونصف خوف. التراب أحمر من كثرة ما اختلط بدماء البشر، والماء نادر كالمعجزة.

في صباحٍ تشرّب بالغبار، نهض “مازن” من على فراشه المتهريء. قالت له أمه:

– “ابقَ اليوم في الخيمة يا “مازن”، القصف عاد أشد.”

لكنّه هزّ رأسه مبتسمًا وقال:

– “الماء لا ينتظر يا أمي، وأنا وعدتُ إخوتي أن أملأ الدلو قبل الظهر.”

ثم أخذ دلوه المعدني، وزحف نحو الطريق الترابي الذي تمرّ منه عربة المياه. كل خطوة كانت جرحًا في كفّه، وكل دفعة للأمام صراعًا مع الحصى الذي يمزّق جلده. لكنه لم يتوقف. يزحف كمن يلاحق معنى الوجود نفسه.

على جانبي الطريق، ينام الركام كجثث حجرية، بينه ألعاب محطمة، وكتب نصف محترقة، وصور عائلات لم يعد أحد يعرف أصحابها. كانت تمرّ بجواره نساء يحملن بقايا الخبز وأطفالًا في بطانيات مثقوبة.

كلهم يهربون من شيءٍ لا يُرى، كأن الموت في كل مكان ولا مكان له.

حين وصل “مازن” إلى العربة، كانت الشمس قاسية والهواء ملوثًا برائحة الدخان. تسلّق زاحفًا حتى صنبور المياه، فتحه بيد مرتجفة، وبدأ يملأ الدلو. قطرات الماء المتناثرة على وجهه تبدو كدموعٍ باردة في عالمٍ بلا رحمة. ابتسم رغم الألم، كأنه وجد لحظة نقاء وسط فوضى العالم.

في طريق العودة، دوّى انفجار قريب. اهتزّت الأرض من تحته، وسقط الدلو، تدحرجت المياه على التراب المتشقق. نظر إلى الماء المسكوب بعينين غارقتين في الدهشة، ثم زحف من جديد، يجمع ما تبقّى من الماءٍ براحتيه الصغيرتين، كأنّه يجمع حياةً تفرّ منه.

عاد إلى الخيمة مغبرًّا، متعبًا، لكن مبتسمًا. حين رآه إخوته، ركضوا نحوه يصفقون كأنهم يحتفلون بعودة بطل. جلست أمه على الأرض، احتضنته، ودموعها تبلّل شعره.

قالت بصوتٍ مرتجف:

– “لماذا تصرّ على هذا يا مازن؟”

أجابها بهدوءٍ يفوق عمره:

– “لأن الماء مثلي يا أمي… لا بد أن يزحف حتى يصل.”

ومنذ ذلك اليوم، صار الناس في المخيم يعرفونه باسم “زحف الضوء” الطفل الذي لم يمشِ قط، لكنه علّمهم جميعًا كيف يقفون من جديد.

***