• محمد حامد الجحدلي*
ــ العبر التاريخية:
لعلَّ السؤال الذي سجله التاريخ، لأمراء وخلفاء الدولة الأموية، عقب زوال دولتهم، كان له الصدى الواسع سياسيا، ففيه الكثير من العبر التاريخية، لتأتي الإجابة على ألسنة الأمراء والخلفاء أنفسهم، أكثر مرارة من ذاتية السؤال، (شُغلنا بلذَّاتنا. !! )،أنه التاريخ ..!!، ويكفي الحروب الأهلية التي اجتاحت بلادهم ، وتلك مأساة وفاجعة تاريخية، لتأتي حزم مأساوية أكثر ضراوة ، من العوامل والأسباب أدت لذلك السقوط المذل ، وهذا لا يعفي مؤسس الدولة الأموية ، معاوية بن أبي سفيان ، وما كان يتمتع به من مكانة في الجاهلية والإسلام ، حيث كان سببا مؤثرا ، ودورا بارزا لما حرص عليه من بث روح الفرقة والشقاق ، بين أفراد الأسرة الأموية ، وإصراره المعلن والمتشدد بحصر الخلافة في داخل البيت الأموي ، عطفا على الصراع الذي وُجد ، بين الفرعين المتنازعين ( الفرع السفياني والفرع المرواني ) وكأن الأحداث تتسابق معلنة نهاية ، الحقبة التاريخية من عمر الدولة الأموية ، وحقا للخليفة معاوية أن يخرج عن سياسة أسلافه ، وسابقة تاريخية ساهمت هي الأخرى ، في هز أركان دولته ، بإعلانه توريث الخلافة مستخدما العنف والتنكيل بكل من يخالفه الرأي.
ــ الأحداث المؤسفة:
وتستمر الأحداث المؤسفة تباعا ، بالرغم من الدهاء والحنكة ، التي تمتع واتصف بها معاوية ، وإن جاءت محاولات عبدالملك بن مروان متأخرة كثيرا ، لتوحيد الدولة الأموية ، تحت لواء الإسلام براية واحدة ، وبنفس الروح والتوجه ، جاءت بداية عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز ، كفاتحة أمل جديد ، إلاَّ أنه سرعان ما غادر موقعة من مركز السلطة ، عازفا عن الاستمرار في الحكم ، لكثرة الصراعات التي كانت قائمة ، قبل عهده ولم يستطع أن يقف نزيف الدم والاقتتال ، الذي كان سائدا آنذاك ، لتتعرض الدولة الأموية لنكسة خطيرة ، تركت آثارها السلبية وسط صراع قائم بين هشام بن عبدالملك ، وأخيه الوليد بن عبدالملك ولي عهده ، لينتهي الصراع بين الشقيقين بخلع الوليد ، عن ولاية العهد وهو ما عجَّل بسقوط دولة الخلافة الأموية ، لتنطوي صفحة من صفحات التاريخ الإسلامي، نتيجة تلك العوامل المؤثرة، والأحداث المتسارعة، فالتوسع في الفتوحات الإسلامية التي تمت في بداية عهدها، كانت نتيجة لذلك الانصهار الحضاري، بين القبائل العربية والشعوب الإسلامية مع اختلاف لغاتها وثقافاتها، كأهم المكتسبات لنشر ثقافية اللغة العربية ، وعن زوال مُلك بني أمية ، وتأمل التداعيات السياسية التي أدت لانهيار وسقوط الدولة الأموية ، كأهم العبر والدروس التاريخية ، التي يجب أن تدرَّس في محكَّات الأحداث السياسية والعسكرية في التاريخ المعاصر.
ــ كرامة الأمة:
تجنبا لتكرار أحداث مماثلة، لازالت أمتنا العربية حُبلى بصور واقعية على الأرض، يمكن أن يجد لها المحلل والمؤرخ حلولا ناجعة، حفاظا على كرامة الأمة العربية والإسلامية ، فدولة بحجم الدولة الأموية ، التي تساقطت أركانها بأسباب جوهرية وفاعلة ، جرت أحداثها وتداعيت أسبابها من داخل البيت الأموي الحاكم ، ليأتي دور المحاسبة السياسية والتاريخية ، بدءً بمؤسس الدولة الأموية ، الذي كان سببا مباشرا لذلك السقوط ، حينما انتزع السلطة بالقوة من الولاية الراشدة ، وشريط الأحداث لازال عالقا في أذهان وفكر وهاجس رجال وعلماء الأمة الإسلامية ، فقصة الحسن بن علي وتنازله عن الحكم ، لصالح معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد ، بالرغم من الموقف البطولي للحسين بن علي ، في ظروف سياسية حالكة وبالغة الصعوبة ، بعدم الموافقة على تنازل شقيقه الحسن ، الذي كان حريصا على عدم إراقة دماء المسلمين ، والحفاظ على طاقات أبناء الأمة الإسلامية ، لمرحلة قد تكون الأهم في مواجهة أعداء الأمة، فسقوط الدولة الأموية ، مسألة فرضتها أدوات البحث والسرد التاريخي ، في مجمل العوامل التي أدت لذلك السقوط والانهيار السريع ، كعامل ضمن العوامل والمؤثرة نظرا للتوترات والأحداث السياسية التي جرت ، خصوصا في نهايات عمر الدولة الأموية في سنواتها الأخيرة.
ــ التآكل والاندثار:
ومن المتعارف عليه تاريخيا ، أن الكائنات البشرية والدول والأفراد ، تمر بها أدوار متعددة بين القوة والضعف والتآكل ومن ثم الاندثار ، وقد تسوء حالتها لعوامل متعددة ليصل بها الأمر للفناء والقضاء عليها كليا، متى ما تكالبت مجموعة من العوامل والظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية ، التي يستثمرها الطرف الآخر في اقتناص الفرصة ، للظفر به والانقضاض عليه بغرض الإطاحة بمكتسباته المادية والمعنوية، ففي سياق هذا البحث والمُعَنْوَن (سقوط الدولة الأموية الأسباب وتداعيات الأحداث) ، ونحن بصدد تناول أبرز أحداثه وعوامله الداخلية والخارجية ، التي سارعت لإنهاء حكم الدولة الأموية ، بغض النظر عن المآثر التي خلدها التاريخ باسمها ، بما فيها التوسع في الفتوحات الإسلامية التي تمت في عهدها ، والتي امتدت من أواسط القارة الآسيوية شرقا ، إلى المحيط الأطلسي بمحاذاة مشارف أوروبا غربا (1).
وكانت من نتائج ذلك الانتشار والتوسع السريع، أن أتاحت الفرصة للقبائل العربية، وعملت على تشجيعهم للهجرة من الجزيرة العربية، إلى العديد من البلدان الإسلامية التي تم فتحها، حيث استقرت القبائل العربية في تلك البلدان، ودخل سكانها في دين الله أفواجا.
ــ الانصهار العربي:
فنتج عن هذا الانصهار العربي مع تلك الشعوب، نشر اللغة العربية في أنحاء البلاد المفتوحة باعتبارها لغة القرآن الكريم، وتم تعريب الدواوين وضرب النقود العربية الإسلامية، كما أن لـ (عبدالملك بن مروان) جهود إصلاحية، كان لها تأثيرا في إتقان العربية، حتى أصبحت العربية لغة الثقافة والإدارة (2).
وقد نقل المسعودي أن بعض شيوخ بني أمية وأمراءها، سُئلت عقب زوال الحكم عن دولتهم، لينتقل إلى دولة بني العباس في صورة مغايرة لما كان عليه الحال: \”ما كان سبب زوال دولتكم؟ فقال البعض منهم: إنا شُغلنا بلذاتنا عن تفقد ما كان تفقده يلزمنا، فظلمنا رعيتنا، فيئسوا من إنصافنا، وتمنوا رحيلنا، وتحمل على أهل خراجنا فتخلوا عنا، وخربت ضياعنا، فخلت بيوت أموالنا، ووثقنا بوزرائنا، فآثروا مرافقهم على منافعنا، وأمضوا أموراً دوننا أخفوا علمها عنا، وتأخر عطاء جندنا، فزالت طاعتهم لنا، واستدعاهم أعادينا فتضافروا معهم على حربنا، وطلبنا أعداؤنا فعجزنا عنهم لقلة أنصارنا، وكان استتار الإخبار عنا من أكد أسباب زوال ملكنا\” (3).
……………………………….
(1) تاريخ خليفة بن خياط ت 240هـ، تحقيق أكرم العمري، بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثانية، 1405ه.
(2) التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي، د. عبدالعزيز الدوري، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثالثة، بيروت 1986، ص 56.
(3) المسعودي، مروج الذهب، ج 3، ص 361.
ــ الشعوب المجاورة:
وبعد وفاة هشام بن عبد الملك في عام (125 هـ 743م)، أضاع الأمويون ملكهم ، وكان منظر الوليد الثاني يدعو للشفقة ، عوضا عن الحروب الأهلية التي اجتاحت بلادهم ، وحطمت هيبتهم عند الناس والأمم المجاورة ، وحاول مروان الثاني لتفادي الوضع ، إضافة إلى الآثار الدينية والمعنوية ، كما أن هناك أسبابا عامة تكمن في التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، نتيجة التوسع في الفتوحات والاحتكاكات مع الشعوب المجاورة عسكرياً وحضارياً، والواقع أن سقوط دولة الخلافة الأموية، لا يمكن أن يُعزى إلى حادث فرد فقط، وإنما هناك جملة أسباب أدت إلى هذه النهاية المبكرة والغير محسوبة من قبل أصحاب البيت الأموي (1).
وترجع طموحات الأسرة الأموية وسعيهم للوصول إلى السلطة إلى عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وإن معاوية بن أبي سفيان ، وهو من الفرع السفياني في الأسرة الأموية استطاع بجهوده الشخصية، أن يصل إلى الحكم في عام (41 هـ) بدعم مادي ومعنوي لم يأته من أسرته، وإنما أتاه من جبهة شامية قبلية متماسكة وقفت وراءه ، لذلك لم يكن لهذه الأسرة دور بارز في إدارة الدولة في عهده لا من الناحية الإدارية ، أو من الناحية العسكرية ، نلاحظ ذلك من خلال استعراض أسماء ولاة وقادة معاوية الذين استعان بهم، إلا أن معاوية لم يجاف أسرته جفاءً تاماً، بل استعان بأفراد منها واضعاً نصب عينيه هدفين: ــ
الهدف الأول: الاستعانة بالأكفاء منهم.
الهدف الثاني: الحيلولة دون ازدياد سلطانهم ونفوذهم.
ــ أهل الحجاز:
ولعل أبرز وصايا معاوية بن أبي سفيان، موصيًا ابنه يزيد: \” انظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم وتعاهد من غاب (2).
وعمد معاوية بن أبي سفيان، إلى بث الفرقة بين أفراد الأسرة الأموية، والإيقاع بين أبرز رجالاتها، الذين قد يشكلون خطراً على سياسته؛ بهدف الحد من طموحاتهم، ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التخبطات السياسة، إلى ضعف الفرع السفياني، ليستخلص الفرع المرواني الأمر لصالحه.
ويعارض الناس والية العهد، التي ابتدعها معاوية بن أبي سفيان، فإنه احتج عليهم وناظرهم بقوله إنما هو الملك يؤتيه الله من يشاء، ثم يوضح ذلك بصراحة أكثر فيقول \” إن أمر يزيد قضاء من القضاء، وليس للعباد الخيرة من أمرهم \”.
ــ الدعابة السياسية:
ورأى عبدالرحمن بن أبي بكر أن معاوية، قد خرج عن سياسة أسلافه، وجعل الخلافة وراثية، معتبرا معاوية لا يسعى لخير المسلمين (بحسب تعبيره) وإنما يريد أن يجعلها هرقلية (3).
تصرف معاوية بذكاء حين أخذ بتهيئة الأمور لمصلحته الشخصية ثم لولده يزيد من بعده ، وأن يتصالح مع المعارضة أمام طوفان السياسة التي واكبت تلك الأحداث المؤسفة ، إلاَّ إنه اقتنع بمجاراة الأحداث حين أدرك أن الوقت قد تجاوزه ، وإن كان مستعداً للتحرك لو أمهله القدر ، ومع هذا فقد نجح معاوية بن أبي سفيان ، في امتصاص تلك الأزمة السياسية، واستطاع أن يتجاوزها ، بما عُرف عنه من حنكة ودهاء ودعابة سياسية ، أوصلته ليتولي ابنه يزيد ولاية العهد ، وأن يتولى الخلافة من بعده ، ومن أقوال الكثير من الفقهاء : ( أن ولاية العهد لا تنافى حق الأمة في الاختيار،
وأن التكليف لولاية العهد يتناسب مع من يصلح للخلافة، لتبايعه الأمة بعد ذلك برضاها، فإن بايعته انعقدت له الإمامة، وإن رفضت بيعته أو بايعت غيره ليسقط الترشيح السابق له وكأنه لم يكن . وبهذا تبقى الأمة هي صاحبة القول الفصل في اختيار الحاكم ) (3).
……………………………….
(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 6، ص 562.
(2) المرجع السابق، ج 5، ص 323.
(3) ابن الأثير، الكامل، ج 3، ص 506.
ــ مات مسموماً:
وبهذا تبقى الأمة هي صاحبة القول الفصل في اختيار الحاكم) (1).
اتسم موقف مروان بن الحكم من خلافة معاوية الثاني بالسلبية، إذ لم يكن راضياً عن تسلمه الحكم، إلا أن مدة خلافته القصيرة لم تتح له إبداء سلبيته، وترجح بعض الروايات أن معاوية الثاني مات مسموماً، بتدبير من الفئة المعارضة لآل حرب من الأسرة الأموية ، وحانت الفرصة لمروان بن الحكم بأن يتسلم السلطة نتيجة مقررات مؤتمر الجابية ، حين قرروا المجتمعون أن يضعوا حدًا لذلك ، وأن يخلف مروان كل من خالد بن يزيد بن معاوية، ثم عمرو بن سعيد بن العاص، ونجح مروان أن يحصر السلطة في أبنائه وإزاحة المرشحين من أمامه ، وأخذ البيعة لابنيه عبد الملك ثم عبد العزيز، ولكنه ذهب ضحية هذا التصرف(2).
ــ الخلاف الأول:
كان أول خلاف جدي ينشأ بين أفراد الأسرة الأموية بعد استلام الفرع المرواني للخلافة، وقد تفاقم بعد ذلك وظهرت آثاره للعلن، ويعتبر خلاف عبد الملك بن مروان مع عمرو بن سعيد، الذي امتنع عن بيعة الأول، من أشد ما وقع من خلاف داخل الأسرة الأموية في تلك الفترة، وقد أدى إلى إراقة دم عمرو على يد عبد الملك تلا ذلك سلسلة من الأحداث المؤسفة، وقد قضى مقتله على آمال خالد بن يزيد في الخلافة، وثبت بشكل قاطع حكم الفرع المرواني ، وفتح الباب مشرعاً لنزاعات كثيرة شهدها العصر الأموي ، بيد أن هذا الخلاف لم تؤثر على مسيرة الدولة (3).
وكان لشخصية عبد الملك بن مروان أثر كبير، في إعادة توحيد العالم الإسلامي تحت رايته، لكن الأحقاد ظلت كامنة في النفوس، ونجح عبد الملك بن مروان في حصر الخلافة في أولاده بعد وفاة أخيه عبد العزيز، فبايع لابنيه الوليد وسليمان بولاية العهد.
وحدد الوليد سياسته تجاه الأسرة الأموية ضمن اتجاهين:
الأول: تعيين عمر بن عبد العزيز والياً على المدينة، كما عين أخاه عبد الله والياً على مصر، وولى أخاه مسلمة قيادة الجيوش على الجبهة البيزنطية.
الثاني: النزاع الذي قام بينه وبين أخيه سليمان بسبب موقف أخيه من آل المهلب، فقد رفض الوليد مناصرة أخيه منعاً لقيام مراكز قوى تكون نتائجها وخيمة وغير متوقعة، لا يمكن تدارك أخطارها فيما بعد، قد تؤدي في النهاية لزوال دولة بني أمية، وقد كان الوليد بن عبدالملك، يعامل عمر بن عبدالعزيز، بنفس المعاملة التي كان يتمتع بها، إبان فترة عبدالملك بن مروان، لهذا ولاه إمارة المدينة، بعد عزله هشام بن إسماعيل المخزومي (4).
ــ نكسة الأندلس:
تولى سليمان بن عبدالملك السلطة وعزل جميع ولاة الوليد وقادته، وعين رجالاً يثق بهم ، وشهد عهده صراع القيادة السياسية مع العسكرية، وتعرضت الدولة لنكسة خطيرة في الأندلس تمثلت بمقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير في عام (97 هـ 716م) تركت آثار سلبية مهدت لانفصال الأندلس، وولي سليمان ابن عمه عمر بن عبد العزيز ولياً للعهد من بعده، على أن يخلفه يزيد بن عبد الملك، ووجد هذا التوجه معارضة شديدة من هشام بن عبد الملك وبعض أفراد الأسرة الأموية ، كما عارض العباس بن الوليد سياسة الانفتاح التي انتهجها عمر بن عبدالعزيز ، وحصل جفاء بين الرجلين تطور إلى جبهة معارضة تنامت بمرور الوقت، حتى قرر المعارضون أخيراً التخلص من الخليفة سليمان بن عبدالملك (5).
…………….
(1) زيدان، عبدالكريم، أصول الدعوة: ص 211؛ البياني، منير، حميد، الدولة القانونية والنظام السياسي: ص 468.
(2) ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، ج 6، ص 48.
(3) الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 8، ص 9.
(4) خليفة بن خياط: تاريخ، ص 311.
(5) الذهبي، محمد بن أحمد، بن عثمان، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، ج 5، الطبعة الثانية، 1422هـ، 2001م.
ــ سقوط الخلافة:
وبرز في عهد هشام بن عبد الملك تيار معارض تزعمه ابن أخيه وولي عهده الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ودار صراع بين هشام بن عبدالملك وولي عهده الوليد ، فقرر الأول خلع الثاني من ولاية العهد وتولية ابنة مسلمة، إلا أن الوليد أبى أن يخلع نفسه، وفر من وجه عمه الذي ضايقه، واستمر خارج دمشق حتى وفاة هشام، وبوفاة هشام بن عبد الملك وتسلم الوليد بن يزيد، الوليد الثاني، الحكم، دخلت الأسرة الأموية في صراع جديد اتسم بالحدة أحياناً، وشكل منطلقاً لسلسلة طويلة من الأحداث المتصارعة، أدت إلى سقوط دولة الخلافة الأموية، كانت علاقة الوليد الثاني بأبناء عمه هشام عدائية؛ فقد نعتوه بنعوت قاسية، وكفروه ورموه بالزندقة، ونظموا حملة عدائية ضده، وراحوا يجسمون أخطاءه وهفواته، ويتقولون عليه، حتى حملوا الناس على الفتك به (1).
ــ الصراع القبلي:
شهدت الساحة الأموية في عهد هشام بن عبدالملك ، تدهوراً خطيراً في العلاقات بين أفراد الأسرة الأموية، كما شهدت تدهوراً خطيراً في الأوضاع الداخلية، تجلت في تنامي الصراع القبلي التي كانت السند الأساسي لبني أمية، بالإضافة إلى بروز صراع الولاة والحكام على السلطة في الأقاليم، ولا شك بأن الانقلاب الداخلي الذي حصل على حكم الوليد الثاني، ، كانت نتيجة صراعات موجودة قبل عهده واستمرت بعد تسلمه الحكم، ويعتبر مقتله نذيراً بانهيار الدولة الأموية، وقد تم على أيدي رجال من بني أمية، وجماعة من قضاعة واليمنية من أهل دمشق ، فأضحى الحكم الأموي بعد هذه الحادثة ، يعتمد على جماعات متفرقة ليس لها مصلحة تجمعها (2) .
ــ مسرح الأحداث:
وازدادت الأوضاع تدهوراً في عهد يزيد الثالث، واشتدت الصراعات الدامية على السلطة ، وعمت الفتن كافة الأطراف المتصارعة ، وظهر على مسرح الأحداث السياسية مغامرون ، يريدون أن يحققوا لأنفسهم مكاسب مادية ، في ظل ظروف وصراعات قاسية جدا ، وقد شعر كل من مروان بن محمد حاكم الجزيرة وأرمينيا، والعباس بن الوليد بهذه الوطأة وحاولا ردع يزيد، وكانت وفاة يزيد الثالث وبيعة أخيه إبراهيم، التي لم تتم بالإجماع، من المشاكل الخطيرة التي حلت ببني أمية في بلاد الشام، في الوقت الذي بدا الوهن يظهر جلياً على جسد الدولة وقد أدت البيعة المزعومة إلى مضاعفات كثيرة وخطيرة ، وانتزاع السلطة من أيدي الأمويين (3) .
ــ الأخطار الخارجية:
أدرك مروان بن محمد خطر النزاع على السلطة ، بعد وفاة يزيد الثالث كشخصية لها دور مميز في الحياة السياسية ، ونتيجة لتفاقم الأوضاع الداخلية ، واشتداد الأخطار الخارجية في الولايات ، قرر مروان تهيئة الأمور لصالحه ، لكنه واجه عدة حركات معادية في بلاد الشام ، تزعمها أفراد من أسرته أمثال سليمان بن هشام بن عبد الملك ، وقد وجد مروان نفسه عاجزاً عن التصدي لقوة العباسيين الزاحفة من الشرق الذين تمكنوا من القضاء على دولة الخلافة الأموية ، لأنها لم تمتلك الغطاء العقائدي الذي يقيها خطر التمزق ، علما بأن عمر بن عبد العزيز سعى لتأمين هذا الغطاء ولم يكتب له النجاح (4).
…………….
(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 7، ص 182 ــ 189.
(2) ابن كثير: البداية والنهاية، ج 9، ص 378.
(3) الطبري، مرجع سابق، ج 4، ص 222.
(4) اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص .339
ــ بذور الانشقاق:
درج الخلفاء على تولية العهد اثنين يلي أحدهما الآخر، لهذا كانت ولاية العهد من الأسباب التي أدت إلى بذور الانشقاق في البيت الأموي ، وذلك تفادياً لنشوب الصراعات بعد وفاة الخليفة ، مما أدت إلى المنافسة بين أفراد الأسرة الأموية ، فما أن يتم تولي الأول للخلافة حتى يتم خلع الآخر، وإحلال أحد أبنائه مكانه، وأول من سن هذه السنة مروان بن الحكم ؛ عندما ولى عهده ابنيه عبد الملك ثم عبد العزيز ، ضارباً عرض الحائط مقررات مؤتمر الجابية ، التي أدت لتولي خالد بن يزيد العهد ، ثم عمرو بن سعيد بن العاص من بعده ، ونتيجة لذلك أن خرج عمرو بن سعيد على عبد الملك (1).
ــ تطور الأحداث:
نهج عبد الملك نهج والده ، في خلع أخيه عبد العزيز وتولية ابنه الوليد ثم سليمان من بعده ، ولم يمنعه ذلك من المضي في نهج السلوك نفسه الذي زرع العداوة بين الأخوين ، ولما ولي الوليد بن عبد الملك الخلافة عمل على خلع أخيه سليمان من ولاية العهد ، وجعلها في ابنه عبد العزيز منتهجاً النهج نفسه الذي سلكه والده من قبل ، وكتب بذلك إلى الأمصار، فأجابه الحجاج بن يوسف الثقفي، والي العراق، وقتيبة بن مسلم، والى خراسان، ومحمد بن القاسم، والي السند ، وهكذا تطورت الأحداث السياسية، تطوراً خطيراً حتى باتت تشكل خطراً جدياً على كيان الدولة الأموية (2).
ــ فكرة الانتقام:
لم يعتبر سليمان بما طرأ من أحداث خطيرة بسبب تولية العهد اثنين، فولى عهده عمر بن عبد العزيز ثم يزيد بن عبد الملك من بعده، ولم يكونا على وفاق وحصل بينهما جفاء ، ولم يحاول عمر خلع يزيد متجنباً ذلك السلوك الخطر، مدركاً ما أصاب بني أمية نتيجة ذلك، وعاود يزيد بن عبد الملك السلوك نفسه، دون أن يعتبر بما وصلت إليه الدولة من التدهور، فولى عهده أخاه هشام، ثم ابنه الوليد، فأراد هشام أن يخلع الوليد بعد توليه الخلافة، لكن هشام توفى قبل أن ينفذ رغبته، فجاء الوليد الثاني تراوده فكرة الانتقام من أولئك الذين وافقوا هشام على خلعه، ومنهم بنو عمه وكبار أهل بيته (3).
ــ السلاح الإعلامي:
ارتكز الحكم الأموي منذ نشأته، على العصبية القبلية وغلب عليه الطابع العربي القومي ، ذلك أن ظروف الصراع القيسي – اليمني، الذي حمل العرب بذوره مع انطلاقهم من الجزيرة العربية، انعكس على شخصية الدولة، وألبسها تلك الملامح القومية، بالإضافة إلى ظروف الفتوحات وما نتج عنها من اختلاط بين السكان وتميز العنصر العربي، ويبدو أن الخلفاء الأمويين كانوا يستفزون هذه الخلافات، وأحياناً أخرى كانت تفرض عليهم نتيجة تطور الأوضاع السياسية ، لقد كان معاوية يعد خططه للسيطرة على الخلافة، يجتهد في استخدام مختلف الأسلحة العسكرية والنفسية والإعلامية والسياسية ، من أجل الظفر بمعركة الفوز، ولهذا فرضت عليه هذه المنهجية أن يتمسك بالعصبية القبلية، التي أخمدت بعد حروب الردة (4) .
…………….
(1) ابن عماد: شذرات الذهب، ج 1، ص 95
(2) المسعودي، مروج، ج 3، ص 106ــ 109.
(3) اليعقوبي، مرجع سابق، ص 260.
(4) عطوان، حسين: الشورى، في العصر الأموي، ص 51، الطبعة الأولى، دار الجليل، بيروت، 1990م.
ــ النزعة العصبية:
أن إحياء هذه الروح القبلية، كان في الوقت نفسه بعثاً للنظام الجاهلي القديم بما فيه من تناحر وتخاصم، ولقد وظف معاوية في سياسته الداخلية لعبة التحالف القبلي المتوازنة ببراعة من خلال مصاهرته لبني كلب، أقوى القبائل اليمنية في بلاد الشام، وانصرف الأمويون، بعد غياب معاوية الثاني، إلى إنقاذ خلافتهم المهددة بالسقوط ،وكانوا أسرى القوى القبلية التي امتلكت زمام الأمور مع انهيار الحكم المركزي ، وكان معاوية الأول الذي أوجد تلك المعادلة القبلية التي حققت له التوازن خلال عهده الطويل، يعيد في الوقت نفسه النزعة العصبية القديمة بصراعاتها التقليدية التي شاعت في العصر الجاهلي، لذلك حاول الأمويين التمسك بالخلافة حفاظا على دولتهم ، وحتى لا يسقط الحكم ويتهاون من بين أيديهم ، منعا من سقوط دولتهم وتُمحى من الوجود ، وهو ما حدث عكسه تماما ، وبالتالي تتعطل مصالحهم (1) .
…………….
(1) الدوري، عبدالعزي، مقدمة في تاريخ صدر الإسلام، دار الشروق، الطبعة الثالثة، بيروت، 1984.
*باحث وكاتب سعودي





