المجلة الثقافية الجزائرية

سليل قسنطينة في رحابِ بيت المقدس:حكاية الحارس الأمين على إرث إبي مدين الغوث

طالبة الدكتوراه إيمان حمدان

 

     يعتبر وقف أبو مدين الغوث من أهم أوقاف الجزائريين في بيت المقدس خاصة، والمغاربة عامة، وقد وقَفَها أبو مدين شُعَيْب بن مًحمد بن أبي مَدين شُعيب عام (720هـ/1320م)، ووقَفَ معها قريةَ عَيْن كارِم، ما عدا جامعَها ومَقبرتها والطريق، وهذا كله كان وقَفَ للمغاربة في بيت المقدس.

      وتعاقب على تولي الوقف في إدارته وجمع إيراده وتحديد نفقاته عدد من سادات المغاربة المعروف لهم بالتقوى والنزاهة وكان من بينهم الحارس الأمين محمد بن أحمد عارف القسنطيني (ت1296هـ/1879م) الذي لم يكتفِ بإدارة الأوراق والسجلات، بل جعلَ من جسده درعًا لحماية حقوق الوقف.

       ففي السجل الشرعي الخاص ببيت المقدس رقم 345 صفحة 193، وثيقة قدم الحاج محمد عارف القسنطيني محاسبة شاملة عن إيراد وقف سيدي أبي مدين الغوث ومصاريفه عن سنة 1278هـ، وبمعرفة وحضور مجموعة من سادات المغاربة المقيمين في بيت المقدس والحاج يوسف افندي الخالدي كاتب الأوقاف، فشمل الإيراد على جميع أجور المنازل التي تقع في محلة المغاربة وتعود لوقف أبي مدين، وأجرة الفرن في حارة المغاربة، وأجرة الطاحونة في حارة المغاربة، وأجرة الدكاكين بمحلة السلسلة، وأجرة خمسة منازل في محلة اليهود، وأجرة منزل بمحلة الواد، وإجمالي حاصلات قرية عين كارم لتلك السنة التي قدرت ب4000 قطعة فضية ليكون إجمالي مجموع إيراد الوقف لسنة 1278 هـ، ب3128313 قطعة فضية.

       أما النفقات التي تخص الوقف فقد شملت على إطعاميات لفقراء المغاربة المجاورين للقدس الشريف في المولد النبوي والعيدين، بالإضافة لثمن أثواب وقمصان بوقت الشتاء لفقراء المغاربة بزاوية أبي مدين الغوث، ومن النفقات ما خصصه ثمن لزيت يستخدم لتنوير الزاوية والمقام، وقام بتخصص جزء من النفقات لتوزيع حُصر وقناديل وحبال وأباريق على فقراء المغاربة، بالإضافة لتخصيص مصاريف وخدمات لشيوخ قرية عين كارم التابعة للوقف، ولم يقتصر توزيع الطعام على فقراء المغاربة المقيمين في بيت المقدس وإنما كان يتم توزيع الطعام على القادمين لبيت المقدس للزيارة من المغاربة، ومن النفقات أيضا ما خصص لترميم وتعمير وتخشيب وتبليط ما تضرروتهدم من أملاك الوقف.

      ونستشعر بين طيّات السجلات الشرعية واحد تلو الآخر على مدى حرصه على تثبيت كل ذراع وشبر من أرض الوقف لضمان بقائها وفقًا محبسًا لا ينال منه الزمان ولا تمتد إليه يد الضياع بالمقارنة مع من سبقه من المتوليين على وقف سيدي أبي مدين الغوث ، حيث انصب جلّ اهتمامه على التحديد الدقيق لأعيان الأوقاف وبحضور مجموعة من سادات المغاربة وبحضور مجموعة من وجهاء بيت المقدس ليكون سندًا بيده وحُجةً قاطعةً .

     ومن الأمثلة الشاهدة على ذلك الوثيقة التالية من السجل الشرعي رقم 346 صفحة 7″ وحضر للشهادة أعضاء مجلس الناصرة ومنهم الشيخ أحمد بن المرحوم الشيخ مصطفى الزعبي، ومحمد أغا بن اسماعيل الهواري والشيخ حسن أفندي المهتدي واسماعيل بن محمد أبو عزيزة من أهالي الناصرة الطاعنين في السن بأن السبع دكاكين مع الدار الكائنة بمدينة الناصرة الواقعات في وسط سوق الخواجات ،أما الدار المرفقة بجوار دار جريس وسقف السبع دكاكين من الخشب وأربع واجهات كل واحدة منهم من الحجر، وهي أوقاف أوقفها الحاج أحمد المغربي المشهور بالغماري وهو ملحق لأوقاف سيدي أبي مدين الغوث ،وبأن المتوليين السابقين على الوقف كانوا يحضرون بأنفسهم لمدينة الناصرة ليأخذوا أجار المحلات وفي بعض الاحيان يوكلوا بالآجار عبد الله فاهوم من أهالي الناصرة، وبعد شهادة الشهود طلب محمد عارف بأن يتم تحرير وتسطير وتسجيل ذلك ليكون سندًا بيده في حين الاحتياج له وحجة قاطعة لديه وتم ما طلب وتم تسجيله سنة 1279هـ”. سجل شرعي رقم 346 صفحة 7 لسنة 1279هـ .

     ومن خلال الوثيقة السابقة نلاحظ بأنه كان حريصًا بشكل كبير على أملاكِ الوقف من الضياعِ وهذا يدلُ على الوعي الإداري الذي تمتع به ، ومن الامثلة الأخرى التي تدل على الإدارة الحكيمة للوقف، بأنه طلب من الشيخ حسن بن المرحوم السيد عبد الله حلاوة محاسبة شرعية عن ما قبضه وتناوله من إيرادات وقف سيدي أبي مدين الغوث وما صرفه على الزاوية وعلى بقية أماكن وقف الريف وذلك في مدة وكالته في زمن الشيخ أبو القاسم وكانت ومدتها أحدى عشرة سنة وفي مدة وكالته عن الشيخ محمد عارف والتي تقدر بثلاث سنوات لتكون سنوات وكالته بأربعِ عشرة سنة . السجل الشرعي رقم 345 صفحة 201/202.

       ومن الامثلة الأخرى على مدى اهتمامه في توثيق أملاك الوقف ما جاء في السجل الشرعي رقم 345 صفحة 20، حيث قدم للمحكمة الشرعية كتاب وقف سيدي أبي مدين المؤرخ ب920هـ والذي ينص على ما يلي ” قرية عين كارم وجميع أراضيها وكرومها وأشجارها ومزروعاتها المفتلحة والغير مفتلحة وعيونها ونزازها وصخورها وصلدها تابعة لوقف سيدي أبي مدين ” ليثبت بأن قرية عين كارم كاملة تعود للوقف ولا يجوز لأي أحد من المنتفعين من أراضيها بأن يتملكها أو يورثها؛ لأن أراضي الوقف لا تورث .

       الشيخ محمد أفندي عارف قسنطيني المغربي من الشخصيات الجزائرية التي سطرت أروع الأمثلة في النزاهة والتقوى وحرصه الشديد على تأديت الأمانة، فإدارة الوقف ليست إدارة مالية وعقارية، بل هي ولاية على” نية الواقف” وصون لصدقة جارية يُراد بها نفع المسلمين، ليضمن استمراره وتحقيق مقاصده الشرعية والتنموية ولا يراد به الربح الشخصي، فالقاعدة الفقهية تقول: ” شرط الواقف كنص الشارع” ، أي يجب تنفيذه بدقة، وألا يصرف درهم واحد من غلة الوقف من غير المصارف التي حددها الواقف .

بقلم : طالبة الدكتوراه إيمان حمدان

الجنسية : فلسطينية

الجامعة: الجزائر 2

التخصص: دكتوراه في التاريخ الحديث