بقلم: سمير عباس*
1) مقدمة:
يجد كثير من الناس متعة في ارتياد المقاهي الشعبية، فهي أماكن عامة بسيطة توفر مشروبات بأسعار زهيدة، تحظى باستقطاب فئات واسعة من أفراد المجتمع من أجل الاجتماع مع الأصدقاء و زملاء العمل أو الدراسة لاحتساء كوب قهوة أو شاي أو غير ذلك، و بساطة هذه الأماكن و عدم الحاجة إلى كثير من التكلف فيها في الكلام أو السلوكات يشعر المرء بحرية تبعث على الإحساس بالراحة والانبساط، ففيها بإمكان الزبون التقاط عبارات مضحكة مرحة أو مشاهد بصرية حيوية، وهذا ما يسبب اعتياد الكثيرين على المواظبة على الجلوس بها بشكل منتظم، طلبا لبعض من الابتعاد عن منغصات الحياة اليومية ومتاعبها، و لعل هذه الملامح العامة للمقهى الشعبي هي ما يؤهله لأن يكون مصدرا مهما لتداول المعلومة وإنتاجها أيضا، فتكون بهذا الشكل هدفا مهما لمحترفي صناعة المعلومة وتداولها.
2) سيميوزيس التواصل:
يمثل مفهوم السيميوزيس لدى شارل ساندرس بيرس بشكل مبسط إحالة مجموعة من العلامات إحداها على أخرى بشكل متسلسل، فتحيل مثلا علامة المحفظة على علامة التلميذ التي تحيل بدورها على علامة المعلم لتحيل الأخيرة على علامة المدرسة، و تتم كل إحالة وفق وجهة نظر متلقي العلامة، وبالعودة لموضوع المقهى الشعبية حيث تمثل المعلومة عنصرا حيويا في بنائها واستمراريتها يصير الزبون أو العامل بالمقهى بمثابة علامة تحيل على المعلومة، إذ أن تداول المعلومة لا يتم عادة بشكل عشوائي بل يتم وفق سيميوزيس أي سيرورات إحالية بين العلامات( الأفراد) منظمة بشكل مذهل، حيث يصير كل فرد بمثابة علامة على المعلومة في نظر باقي الأفراد ضمن حيز المقهى، و يتم تداول المعلومة ضمن مسارات أحادية من فرد إلى فرد، أو ضمن مسارات متفرعة من فرد إلى فردين فأكثر، وتنوع أشكال المسارات السيميوزية تحدده طبيعة المعلومة و حساسيتها، فتداول معلومة من قبيل حدوث حادث مرور يكون عادة قابلا للتداول وفق مسارات متفرعة، بينما يتطلب تداول خبر خيانة زوجية مسارات أحادية في كثير من الأحيان، و يبدو أن تنوع هذه المسارات يوضح سبب اعتبار الأفراد المتداولين للمعلومة بمثابة علامات بدل المعلومة في حد ذاتها، ففي التواضع الاجتماعي لا يعد غريبا استشعار حساسية معلومة معينة لدى رؤية شخصين مجتمعين في زاوية بعيدة بالمقهى يتحدثان بصوت خافت و بمظهر جاد، و هذا المنظر مثال على المسار الأحادي، كما لا يعد غريبا استشعار المعلومة المبتذلة لدى رؤية اجتماع أكثر من فردين في قلب المقهى يتحدثون بصوت مسموع قد يرافقه الضحك بين حين و حين.
تحظى معلومات كثيرة بالأهمية و ضرورة التداول بين جماعات معينة دون غيرها، على الرغم من أن هذا التداول لا يقتصر على الجانب الفردي أو الجزئي من هذه الجماعات، فيتم تداولها وفق مسارات التداول آنفة الذكر ضمن حدود أفراد الجماعة كلهم، فعلى سبيل المثال يتداول سائقو سيارات الأجرة خبر وجود رادار متنقل يراقب سرعة السيارات المتنقلة عبر خط مروري ما، من جهة أخرى تحظى معلومات أخرى بضرورة التداول بين أفراد جماعتين فأكثر دون غيرها من الجماعات، و من مثل هذه المعلومات خبر تحرش سائق حافلة لنقل الطلبة الجامعيين بالطالبات، فهذا خبر جماعة الطلبة الجامعيين و جماعة سائقي هذه الحافلات و مالكيها و جماعة موظفي الخدمات الجامعية، وفي سبيل محاولة فهم تشكل الجماعات الاجتماعية و تداول المعلومة بين أفرادها ضمن حيز المقهى الشعبية، قد تكون مقاربة بنية هذه الجماعات وفق العلاقات الأيقونية والمؤشرية والرمزية مفيدة وذات جدوى في هذا الشأن.
3) الجماعات الأيقونية:
وفق تصنيف بيرس للعلامات تمثل الأيقونة علامة يشترك دالها و مدلولها في علاقة تشابه، و لهذا تكون الجماعة الأيقونية مجموعة أفراد (علامات) يحيل أحدهم على الآخرين وفق علاقة تشابه ضمن سيميوزيس متشابك متعدد المسارات، و علاقة التشابه تكون نفسها بين هؤلاء الأفراد و تكون من قبيل تماثل في المهنة كجماعة موظفي البلدية، أو تشابه في الهواية كجماعة ممارسي رياضة معينة، أو تشابه في سلوك يومي معين كالمتنقلين بواسطة حافلة نقل مسافرين ضمن خط مروري معين، و طبعا تمثل جماعة المتقاعدين عن العمل من المسنين مثالا بارزا للجماعات الأيقونية التي ترتاد المقهى الشعبية بشكل دائم.
تمثل المعلومات المتداولة بين أفراد هذه الجماعات معلومات متجانسة لحد بعيد ضمن حدود كل جماعة، و من المفيد هنا الإشارة إلى أن هذا التجانس في طبيعة هذه المعلومات لا يدفع للقول بمحدوديتها من الناحية الكمية و لا النوعية، فهي تبقى مفتوحة على تعدد كبير من حيث الكم و ثراء واسع من حيث النوع، فروتين الحياة اليومية الذي قد يوحي بمحدودية هذه المعلومات هو علامة مخادعة يستغلها كثير من الناس و الفئات البشرية في إحداث التضليل و التشتيت المتعمد تجاه الآخرين لأسباب عدة من أهمها حماية المعلومة من التداول خارج حدود الجماعة، و لعل جماعة المتقاعدين من العمال و الموظفين المسنين تشكل مثالا طريفا على هذا التنوع الذي يوحي بالمحدودية بخصوص كمية المعلومات و نوعها، و تتفاوت أهمية هذه المعلومات من الحديث عن مواقيت الصلاة مثلا، إلى الحديث عن حالات الوفيات و الجنازات و المآتم المصاحبة لها و ما يرافق هذه الحالات من تدفق كبير في المعلومات في بعض الأحيان، و بطبيعة الحال يصاحب هذا التدفق في المعلومات مسارات سيميوزية حيوية في تداولها داخل المقهى.
4) الجماعات القرينية:
تمثل القرينة أي المؤشر علامة يتعلق دالها بمدلولها بعلاقة علية يكون فيها الدال معلولا للمدلول الذي يمثل علته، كارتباط علامة الدخان بوجود نار، وهكذا يكون تشكل الجماعة القرينية خاضعا لمبدأ العلية، بل إن مبدأ العلية يمثل فوق ذلك منظما لتجمع أفراد هذه الجماعات بالمقهى في مواعيد متنوعة و غير متوقعة في أحايين كثيرة، و بهذا فهو ينظم أيضا تداول المعلومات و تجددها بشكل دائم، ومن أمثلة هذه الجماعات جماعة الحرفيين من سباكين و بنائين و كهربائيين مع زبائنهم، حيث إن الزبون عادة عندما يواجه حاجة لسباك فهو يسأل عنه في المقهى خاصة وأن كثيرا من هؤلاء الحرفيين يعملون بشكل متنقل و لا يكونون بمحلاتهم هذا إن كانت لهم محلات أصلا، فيكون الزبون علامة قرينية تحيل على علامة قرينية هي الحرفي كعلة لقدومه للمقهى من جهة و كعلة لتلبية حاجته من جهة أخرى. و يتضمن الاحتكاك بين أفراد هذه الجماعة أشكالا مختلفة، فقد يتكلم الزبائن فيما بينهم عن مدى جودة الخدمات التي يقدمها حرفي معين مقارنة بالأسعار التي يحددها لها، إضافة عن مدى التزامه بالمواعيد و أخلاق المهنة، كما قد يتكلم الحرفيون بدورهم عن جمال بناء المنازل التي يقطن بها زبائنهم و التي يقصدونها بحكم المهنة، كما قد يتكلمون عن مدى نفوذ زبون معين في إدارات بعينها و عن مدى استعداده لتقديم الوساطة لهم في حال ما إذا احتاجوا لوساطته، كما قد يتناقلون فيما بينهم أخبار معاناة زبون آخر من سوء تصرفات ابنه الشاب، و يبدو أن هذه الجماعة تتميز عن الجماعة الأيقونية في تداول معلومات محلية وثيقة الارتباط بحيوات مختلف فئات المجتمع تتفاوت من حيث أهميتها وحساسيتها وتنوعها بحسب حيوية نشاط الحرفي في أداء مهنته.
5) الجماعات الرمزية:
يمثل الرمز علامة يرتبط دالها بمدلولها بحكم تواضع و اتفاق الناس في المجتمع فحسب، وهي حالة مفردات اللسان في دلالتها على الأشياء في الواقع، و تكون الجماعة الرمزية وفق هذا التصور مشكلة من أفراد متقاربين في توجهاتهم الثقافية سواء أكانت دينية أم سياسية أم علمية أم فنية، حيث إن هذا التقارب الثقافي يجعلهم مؤهلين لإصدار أحكام القيمة ذاتها تجاه أحداث أو سلوكات اجتماعية معينة، و بحكم طريقة تشكل هذه الجماعة فهي لا تظهر بشكل ملموس إلا استجابة لحالات طارئة في شكل ردود أفعال متنوعة بحسب تنوع هذه الجماعات الرمزية ممثلة بأفرادها الحاضرين بالمقهى، وعلى سبيل التمثيل يتسبب تلفظ شاب بكلام بذيء سببا لإبداء مجموعة من الأفراد استهجانهم واستنكارهم للتلفظ بهذا الكلام، بينما قد تقوم جماعة أخرى من الأفراد بالدفاع عن مقبولية سلوك هذا الشاب لأسباب متنوعة كحداثة سنه التي تستدعي التسامح معه أو شيوع التلفظ بهذه الألفاظ بين أفراد المجتمع بشكل كبير، وغالبا ما تنشأ أحاديث جانبية بين أفراد كل جماعة بسبب تلفظ هذا الشاب بهذا الكلام، فيتكلم فرد عن نسب هذا الشاب و مدى انسجامه مع أخلاق أبويه وإخوته، أو يتكلم شخص آخر عن الشباب الذين يصادقهم هذا الشاب و يؤثرون على سماحة أخلاقه، بينما قد يأخذ شخص أخر في الكلام عن مغامراته الطائشة في الماضي.
يخضع تشكل الجماعات الرمزية لمؤثرات متنوعة من قبيل المستوى التعليمي و الخبرة بالمجتمع و سلوكاته إضافة إلى الملكات الذهنية لدى الناس، وتنوع هذه المؤثرات يتسبب في تقارب وجهات النظر بشأن أمور حياتية معينة بين الأفراد ما يسمح بانتمائهم لجماعة رمزية معينة، كما يتسبب في تنافر وجهات النظر هذه ما يؤدي لانتمائهم لجماعات رمزية مختلفة إحداها عن الأخرى، و يحدث غالبا أن يتفق أفراد بعينهم على وجهات نظر معينة في حين أنهم لا يتفقون بخصوص وجهات نظر أخرى، فينتمون هكذا من جانب لجماعة رمزية واحدة و في الوقت ذاته ومن جانب آخر ينتمون لجماعات رمزية مختلفة، و يشكل هذا التنوع في حالات التوافق والاختلاف مصدرا ثريا لتنوع ردود أفعالهم الثقافية اليومية ضمن حدود المقهى الشعبية إضافة لتنوع وكثرة المعلومات التي يتداولونها فيما بينهم مرافقة لردود أفعالهم هذه.
6) خاتمة:
لئن سمح هذا البحث بإيضاح سبل تشكل المعلومة وتداولها في المقاهي الشعبية التي تمثل فضاءات مهمة لتجمع الأفراد في المجتمعات المتخلفة، حيث إن المجتمعات المتقدمة قد عوضتها بفضاءات عديدة أخرى أكثر تخصصا وانسجاما مع فئات الاجتماعية المتنوعة، فيبدو أن نتائجه- أي هذا البحث- ربما تبقى قابلة للاستثمار في دراسة حياة المعلومات في فضاءات أخرى للتجمعات البشرية، وهي دراسة ربما مهدت سبيل الاستفادة من هذه المعلومات و أشكال تداولها في ميادين أخرى تعتمد المعلومة وحياتها موضوعا لعملها و استمرار نشاطها.
*طالب دكتوراه في الأدب العربي الحديث جامعة عنابة الجزائر





