بغداد أحمد بلية
مقدمة: يبدو جليا أن وتيرة الإنتاج الفيلمي السينمائي في الجزائر بدأت تعرف انتعاشا ملحوظا مع بداية الألفية الثالثة، وما ساعدها في ذلك كثرة المشاريع الثقافية الدولية التي أعطت أهمية بالغة للإنتاج السينمائي، مقارنة مع فترات سابقة كان لا يتجاوز الإبداع السينمائي فيها العمل أو العملين في السنة، بيد أن المشكلة الرئيسية التي أعاقت الوجود الفعلي للسينما الجزائرية والتعريف بها، كانت بلا ريب ندرة قاعات العرض السينمائي، وكنا نتعرف على الإنتاجات الجديدة عبر قنوات تلفزيونية فرنسية، ففيلم الملكة الأخيرة لعديلة بن ديمراد عرفه المشاهد الجزائري حين بث في القناة التلفزيونية إي. أر. ت أفلام ، ولم يشاهده عبر القنوات التلفزيونية الجزائرية الخاصة أو العمومية، وهذا حال الكثير من الأفلام الجديدة التي لا يتعرف عليها الجمهور الجزائري إلا من خلال وسائط الاتصال الحديثة وليس عبر قاعات السينما الجزائرية.
حين نقول السينما الجزائرية فإننا أمام مصطلح متعدد الدلالات، فقد يدل على مجموعة الأفلام المنسوبة لبلد معين، وفي حالة السينما الجزائرية نجد الأفلام المنتجة في الجزائر وكذا مجموعة الأفلام المنتجة بنظام الإنتاج المشترك، ويمكننا أن نضيف إليها مجموعة الأفلام التي يخرجها جزائريون يعيشون في الغربة بإنتاج أجنبي أو مشترك، ويقرر المخرج أن ينسب الفيلم إلى البلد الأصلي.
نظام الإنتاج المشترك:
كان ولا زال نظام الإنتاج المشترك أحد الوسائل الهامة للتعريف بالسينما في الجزائر، وقد تفطن للأمر بعض السينمائيين أمثال موسى حداد ومحمد زينات وبعض المهتمين بالشأن السينمائي حين أنشئوا شركة أفلام القصبة للإنتاج السينمائي مباشرة بعد استقلال الجزائر، والتي تمكنت من إنتاج عدة أفلام أجنبية وجزائرية بنظام الإنتاج المشترك، ومنها ما تحصل على جوائز عالمية مثل فيلم “معركة الجزائر” من إخراج جيلو بنتكرفو ومن إنتاج شركة أفلام القصبة الجزائرية وشركة إيغور فيلم الإيطالية، وقد تحصل الفيلم باسم الجزائر على الأسد الذهبي من مهرجان البندقية سنة 1966، ففي حالة الإنتاج المشترك يترك الاختيار للمخرج لتعيين البلد الذي ينتسب له الفيلم، وهذه الحالة شاهدناها مع فيلم آخر هو “زد” للمخرج الفرنسي كوستا غافراس، والإنتاج كان للديوان الوطني للتجارة والصناعة السينماتوغرافية وهي شركة عمومية جزائرية أنشأت سن 1969، والمنتج الثاني للفيلم شركة ريغان فيلم التابعة للممثل جاك بيران الفرنسي، وقد تحصل الفيلم على جائزة الأوسكار في أمريكا عن أحسن فيلم أجنبي سنة 1970.
ومع أن الكثير من المخرجين الجزائريين كان يعارض فكرة الإنتاج المشترك ويعتبرها عائقا في إنتاج وتمويل الأفلام الجزائرية، إلا أن النظام فتح المجال للسينما الجزائرية أن تغزو أسواقا جديدة في أوروبا من خلال التعامل مع شركات إنتاج وتوزيع الأفلام في أوروبا.
سينما المهجر بين الانتساب إلى الوطن الأصلي ومحاولة إيجاد أسواق غربية للعرض:
كان جليا مع بداية التسعينات من القرن العشرين أن السينما الجزائرية ستعرف أزمة حادة في الإنتاج، وذلك لغياب الآليات التي ستمكنها من الانتعاش، فكان الخيار الأمثل في نظر الكثير منهم البحث عن آفاق جديدة خارج البلاد، فكانت هجرة البعض قسرية وبعضهم اختارها طواعية، وبعد بروز مؤشرات الانتعاش مع العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، عاد معظم أولئك السينمائيين إلى الديار، في محاولة لبعث السينما الجزائرية من جديد، مع أن الكثير منهم استطاع أن يثبت جدارته على المستوى الأوروبي، ودفع هذا بالكثير من السينمائيين المهاجرين ذوي الأصول الجزائرية إلى الاقتراب من منابع أصولهم للمساهمة في الإبداع السينمائي، بطريقتهم الخاصة الجامعة بين بيئتهم الغربية المستقبلة وربطها بمجتمعهم الأصلي، مما أنتج فكرا هجينا في كثير من الأحيان، وكان الدافع في بعض الأحيان قويا لإبداء الرأي و تحديد موقف السينمائي الجزائري المهاجر فيما مرت به البلاد من أزمات، وهكذا صور مرزاق علواش “العالم الآخر “2001، فكانت الأحداث تروى بمنظور البطلة الفرنسية القادمة إلى الجزائر للبحث عن خطيبها، فالمنظور الثنائي جعل التحليل يميل إلى الذاتية أكثر، مما جعل المشاهد يتيه في فهم الظواهر السياسية ومدى تعالقها مع أبطال الفيلم .
وحاول مرزاق علواش الاقتراب أكثر من المجتمع الجزائري وهو يعيش المنفى الإرادي، فالاهتمام بمصير ومستقبل المدينة التي أنجبته والبلد الذي عاش ماضيه في كنفه ظل يسكنه، فتوالت الأفلام متتابعة، ومنها ” باب الواب ” 2005 و”حراقة ” 2009 و”نورمال –عادي “2011 و ” التائب “2012 و ” سطوح ” 2013 ، أو “تحقيق في الجنة ” 2017 وأيضا “ريح رباني” 2018 و كذلك “العائلة” 2020 أو ” ما كان والو ” 2022 و هي أفلام تحاول رصد حاضر المجتمع الجزائري، ومحاولة نقد مظاهره السلبية الخفية، وقد أنتجت هذه الأفلام بإنتاج مشترك جزائري فرنسي، مما مكنها من العرض في القاعات الفرنسية والأوروبية، فكانت مرآة للمجتمع الجزائري وصورة حية للسينما الجزائرية من منظور سينما المهجر أو سينما المهاجرين.
من بين السينمائيين المشهورين على الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط نجد المخرج عكاشة تويتة، صاحب فيلم ” المضحى بهم ” 1983 و “صرخة الرجال” 1991 الذي ارتبط بمجتمعه الجزائري عبر قصص أبطاله، وكان أكثر ذكاء حين اعتمد على روايات ثلاث للأديب الجزائري ياسمينة خضراء، في فيلمه “موريتوري “2007، ولكن المخرج مثل الكاتب يعمقان من فوضى تحليل الظواهر السياسية التي عرفتها الجزائر في مرحلة التسعينات حين يربطانها بمصير محافظ شرطة والخلافات الدفينة بين صناع القرار في البلاد، ويظل الفيلم من أروع الأعمال السينمائية المصورة لمرحلة الإرهاب في الجزائر، مع تصنيفه طبعا ضمن الأفلام البوليسية .
و يبقى كمال دهان المهاجر ببلجيكا في فضاء مواضيع الهجرة ومتاعب المهاجرين في بيئتهم المستقبلة، وصراعهم ومقاومتهم للأفكار المسبقة القابعة في الضمائر، لذلك يبقى المهاجر في خانة ما أسماه المخرج “المشبوهون” 2003، بالرغم من كفاءاتهم العالية مثلما حدث لبطل الفيلم الذي يعرض اختراعه المبهر في ألمانيا و في النهاية يعود إلى الجزائر.
في حين يركز رشيد بن حاج المقيم بإيطاليا على حنينه للوطن مع فيلمه “عطور الجزائر” 2010 ، من خلال ما تكتشفه بطلته كريمة الباريسية من مناظر مثيرة بعد عودتها للجزائر لزيارة والدها ، و قد تمكن رشيد بن حاج من تصوير فيلم قبله “الخبز الحافي” 2005 المقتبس من رواية محمد شكري.
ولكن المخرج الجزائري الأكثر شهرة على المستوى الأوروبي كان بلا شك رشيد بوشارب الذي مثل فرنسا في كثير من المهرجانات العالمية، ولكنه اختار وطنه الأصلي الجزائر في نسبة فيلمه “خارج عن القانون ” 2010 ، ومع أن الفيلم إنتاج مشترك مع شركات إنتاج فرنسية إلا أن المخرج هو الوحيد الذي يحدد نسبة الفيلم إلى البلد الذي يختاره، مع الحفاظ على قانون الاشتراك في الإنتاج .
إن مسيرة رشيد بوشارب بدأت بفيلم “شاب ” 1991 ، وهو تكرار لموضوع العودة إلى الوطن الأصلي عند المغتربين الجزائريين تتخلله قصة عاطفية مثيرة، و لم يتمكن رشيد بوشارب آنذاك من التجديد في الشكل و المضمون فالبطل في النهاية يسعى إلى العودة إلى بلد الغربة رافضا بذلك العيش في وطنه، ثم توالت الأعمال “العصا الحمراء” 1985 بشكل تصاعدي ينم عن نضج فكري واضح لدى المخرج، ومحاولة منه للتعرض إلى المسائل الحساسة والعالقة و هكذا أثار فيلمه ” غبار الحياة ” 1995 نقاشا حادا في الأوساط الصحفية الفرنسية ، نظرا لطرحه العلاقة التاريخية بين المهاجرين العرب والفضاء الفرنسي ، ثم انتقل إلى المواضيع ذات البعد الإنساني ومنها قضية استعباد الأفارقة بأمريكا بفيلم “السنغال الصغيرة” 2001، ثم حاول رشيد بوشارب رصد الأفكار العالقة في أذهان الغربيين عن حقيقة الإرهاب الدولي من خلال ” نهر لندن ” 2005 ، و من أفلامه أيضا نذكر ” طريق العدو ” 2014 و ” شرطي بلفيل 2018 وأيضا ” إخواننا ” 2022 .
و لكن يبدو أن رشيد بوشارب ظل مشغولا بتاريخ مزعج، تاريخ يربط فرنسا الحديثة بماضي مستعمراتها القديمة، ومنها الجزائر والمغرب وتونس أي بشمال إفريقيا، فكان موضوع المجندين العرب و الأفارقة في الجيش الفرنسي أساس قصة فيلم “بلديون ” 2006، نفض به المخرج الغبار عن ماض أريد له النسيان، لتبقى التهم أبدا موجهة إلى المهاجرين المغاربة في سياقها الاجتماعي والسياسي، ورفع الفيلم غبار النسيان عن أجيال دافعت عن فرنسا، ولقيت مصيرا بائسا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية .
كان نجاح فيلم “بلديون” دافعا قويا للمخرج للخوض في المسائل الأكثر أهمية، ومنها علاقات وصراعات المناضلين الجزائريين في الحركة الوطنية داخل فرنسا، ومساهماتهم في تحرير وطنهم قبل وأثناء اندلاع حرب التحرير الجزائرية فكان فيلمه المتميز “خارج عن القانون” 2010 .
هذه العودة إلى تاريخ الثورة التحريرية، بينت أن الراهن الجزائري لا زال مرتبطا بماض لم ينل حظه من التحليل التاريخي الموضوعي، بعرض مختلف الرؤى حتى المتناقضة منها لفهم الحدث التاريخي، فكانت الأحادية تسيطر على الجانبين الجزائري و الفرنسي، وكل منهما ينظر إلى التاريخ بمنظار خاص، ولعل السينمائيين المغتربين هم الذين حاولوا الجمع بين الرأيين على غرار ما قام به عكاشة تويتة مع “المضحى بهم” 1983 أو مهدي شارف بفيلمه “خراطيش غولواز” الذي صور علاقات فئات كثيرة في المجتمع الجزائري أثناء حرب التحرير وقبيل الاستقلال.
كتب مهدي شارف روايته الأولى “شاي في حرم أرشي أحمد” سنة 1983 ثم حولها إلى فيلم سينمائي أخرجه سنة 1985 بعدما نصحه المخرج كوستاغافراس بفعل ذلك، فلقي الفيلم نجاحا كبيرا في فرنسا، مع أنه يصور الحياة الصعبة لفئات من المهاجرين الجزائرين، أثناء و بعد ثورة التحرير الجزائرية، وفي 2001 يخرج فيلمه الثاني “بنت كلثوم” قبل أن يخرج فيلمه “خرطيش غولواز” 2007 عن الأحداث التي سبقت استقلال الجزائر في مدينة مغنية التي ولد فيها المخرج مهدي شارف.
وهي محاولة من المخرج مهدي شارف للجمع بين المواضيع ذات الصلة بالمهاجر الجزائري وعلاقته بوطنه أو المواضيع التي تصور البيئة المستقبلة بتناقضاتها واختلافها الجوهري مع المجتمع الأصلي، وفي نفس الوقت قام المخرج مهدي شارف وغيره من المخرجين المغتربين باقتحام عالم السينما في البيئة المستقبلة والإثبات أن المخرجين ذوي الأصول المغاربية لهم كفاءات فنية كبيرة يجب الاعتراف بهم كمبدعين كاملي الوصف والانتساب الفني.
على خطى رشيد بوشارب ومهدي شارف نجد عبد الكريم بهلول وهو مهاجر مثلهما في فرنسا يحفر في تاريخ ظل منسيا في تراكم الأحداث بعد استقلال البلاد، فالراهن آنذاك تحول إلى ماض مجهول، أحداث مهمة عرفها المجتمع الجزائري في الستينيات من القرن العشرين تلقفها عبد الكريم بهلول ليصنع منها قصة “اغتيال الشمس ” 2004، ثم عرج على فترة السبعينيات مع فيلمه “السفر إلى العاصمة” في محاولة لإعادة بناء الماضي بمنظور ذاتي، وفي فيلمه الأخير “جنية” 2019 يعود إلى المجتمع الجزائري وممارساته وطقوسه الغريبة والعجيبة، والفيلم محاولة لوصف شخصيات متناقضة أثرت فيها الأحداث المتتابعة بعد الاستقلال، وحولتها إلى كائنات مستقبلة تتأثر بالأحداث دون فهم ونقاش.
بدأ عبد الكريم بهلول مساره الإخراجي بعدة أفلام ترصد حياة المهاجرين وشخصيات ذات أصول مغاربية تعيش في المجتمع الفرنسي وتحاول التأقلم معه وذلك بداية مع فيله الأول “شاي بالنعناع” 1984 وأيضا نذكر فيله “الأخوات هملت” 1996 أو ” ليلة القدر ” 1997 .
ويصر بعض السينمائيين الجدد ممن يعيشون في أوروبا أو كندا على العيش داخل وطنهم الأصلي عبر أعمالهم الخيالية، بالرغم من غربتهم بأجسادهم، و بالرغم أيضا من انعدام تجارة وصناعة سينمائية واضحة المعالم داخل الجزائر، ومع ذلك فإنهم يقتحمون مجال الإنتاج المشترك لضمان توزيع أفلامهم في القاعات السينمائية الأوروبية، ولكن مواضيعهم ذات صلة مباشرة بالمجتمع الجزائري، وهذا ما يجعل تلك الأفلام تتسم بالجرأة في معالجة الأحداث وتصوير الأوضاع الراهنة للمجتمع الجزائري ومن المخرجين الأكثر جرأة نذير مخناش بأفلامه الثلاثة “حريم السيدة عصمان” 1999 وبعده ” تحيا الجزائر ” 2004ثم ” دليس بالوما ” 2007، وهي أفلام صدمت المشاهد الجزائري نظرا لميل المخرج إلى الفئات الشاذة من المجتمع، وحرية المخرج المطلقة في تصوير المشاهد السينمائية المثيرة.
وعلى خطى مخناش يسير لياس سالم، بحيث يعطى أهمية للمواضيع الواقعية بداية مع فيلمه القصير “بنات العم” 2003، ثم مع فيلمه الخيالي الطويل “مسخرة” 2009، ولكنه تناول الأحداث بطابع الكوميديا الاجتماعية التي عهدناها عند محمود زموري، مع فارق بسيط هو أن لياس سالم يركز على مواضيع ذات الصلة المباشرة بالمجتمع الجزائري عكس محمود زموري الذي يربط بين عالم المغتربين و علاقتهم بأوطانهم الأصلية، وهناك مخرج جزائري مغترب يفضل المعالجة الكوميدية على الطريقة الزمورية وهو جمال بن صالح مع فيلمه “حدث ذات مرة بالواد ” 2005 .
ويمكن القول إن جميع السينمائيين الجزائريين المغتربين لم يستطيعوا تجاوز أزمة الانتماء، فمعظم مواضيعهم تصور معاناتهم في البلدان المستقبلة، وبخاصة الأجيال الأخيرة المولودة في أوروبا، وهذا ما جسده المخرج ناصر بختي في فيلمه الخيالي “ظلال الليل” إذ يختار سويسرا موقع أحداث فيلمه، ولكن التماثل في الأحداث بين ما يعانيه المغتربون يشبه إلى حد بعيد ما يحدث في فرنسا أو إيطاليا أو بلجيكا .
وبعيدا عن أوروبا يلقى مهدي بن بو بكر المقيم في كندا نفس مصير المغتربين الجزائريين بأوروبا، وهذا ما يجسده فيلمه الأول القصير “مولوتوف” إذ يصطدم بطل فيلمه بمواقف مشينة نابعة عن تمييز عنصري صارخ في مجتمع كندي جديد ولكنه عالق بالأفكار السلبية .
ولم يحد المخرج الجزائري رابح زيماش عامر المغترب في فرنسا عمن سبقه من المخرجين المقيمين في نفس البلد ، فقد تناول في فيلمه “بلاد رقم واحد” عودة المهاجرين إلى الجزائر ، وكانت الطريقة وثائقية أقرب إلى سينما الحقيقة . .
ويختار محمد سوداني المغترب بسويسرا اكتشاف خبايا وطنه في عمقها الفضائي، فالصحراء الجزائرية في شساعتها ليست جامدة مثلما يبدو للكثيرين، فهي تحوي من عجائب وغرائب الأشياء ما يبهر كل زائر لها ، وبطبيعة الحال يختار محمد سوداني شخصيات أجنبية وتحديدا سويسرية تقيم وتثمن مظاهر الحياة الصحراوية في تلك الغرابة واللامعتاد، وكأن فيلم “هاتف عمومي” يلمح أن أهل البلد سيبقون أبدا عاجزين عن إدراك تميزهم وتفردهم، ولن تلاحظها إلا العيون الأجنبية.
تجربة الإنتاج والإخراج عند سينمائي الهجرة:
وتبقى التيمة المسيطرة على أعمال السينمائيين المغتربين تصوير حالة القلق الناجمة عن المقارنة الدائمة بين البيئة الفرنسية و نقيضها في الجزائر، مما ينتج عنه موقف الرفض الدفين للمجتمع الأصلي و إظهار عيوبه، وبهذا يقع كثير من السينمائيين المغتربين في ورطة الانتقاد المجاني للواقع الجزائري، ويفقدون القدرة على التحليل خارج تأثير الفكر الغربي، فيصبح النقد موجها، فهو في حقيقته نابع من مقارنة عقيمة بين مجتمعين مختلفين وثقافتين متباينتين.
ويمكن القول إن الكثير من السينمائيين الجزائريين المغتربين لم يستطيعوا تجاوز أزمة الانتماء، فمعظم مواضيعهم تصور معاناتهم في البلدان المستقبلة، وبخاصة الأجيال الأخيرة المولودة في أوروبا، وبهذا تظل مشكلة الاعتراف بهم كمبدعين قائمة في البلدان المستقبلة أو البلد الأصلي، ففي الجزائر ينظر بعض نقاد السينما إلى أن سينما المهجر لا تنتمي بالضرورة إلى السينما الجزائرية، وهذا موقف فيه الكثير من الإجحاف، فحين نرى مخرجا عالميا مثل رشيد بوشارب المولود في الفاتح من سبتمبر 1953 بباريس يصر على تمثيله للسينما الجزائرية في العديد من أعماله السينمائية، فهذا دليل صريح على إصراره على انتمائه إلى أصوله الثقافية، وهو في ذلك يواجه الصعوبات الكثيرة لإثبات قدراته الفنية الابداعية في فرنسا وفي أوروبا مثل جميع المخرجين ذوي أصول مغاربية.
وبهذا كان الحل الأنسب للقضاء على عوائق الإنتاج والإخراج أن رشيد بوشارب أنشأ شركته الخاصة للإنتاج السينمائي وذلك في سنة 1989 مع شركة 3 ب للإنتاج و في سنة 1997 ينشأ شركته الثانية تادرات فيلم، وبهذا تجاوز رشيد بوشارب العواقب الصعبة التي يواجهها معظم مخرجي المهجر، فمصادر الإنتاج تعيقهم في تجسيد مشاريعهم السينمائية، وفي كثير من الأحيان تحد من حرية أفكارهم إذ تتحكم شركات الإنتاج في المواضيع المطروحة مما يجعل المخرج تحت سطوة المنتج، وبهذا يمكن اعتبار تجربة المخرج رشيد بوشارب تجربة رائدة في سينما المهجر، وبالتالي تصبح فكرة إنشاء شركات إنتاج أوروبية جزائرية ضرورية لتمكين المخرجين من تحقيق مشاريعهم .
مناهج ترقية السينما الجزائرية والتعريف بها:
عرفت السينما الجزائرية تراجعا كبيرا منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي ، و ازداد الأمر سوءا مع بداية التسعينيات، مما اضطر العاملين بالحقل السينمائي إلى البحث عن سبل جديدة في إنتاج إبداعاتهم السينمائية، فلجأ الكثير منهم إلى التمويل الأجنبي، والتعامل بنظام الإنتاج المشترك، كي يحقق لهم فرصا بديلة لعرض أفلامهم، ومع بداية الألفية الثالثة طرحت على الساحة السينمائية بعض الخطوات الهامة لتمويل وإنتاج أعمال سينمائية جزائرية، بعيدا عن الإنتاج المشترك، ومع ذلك لم تحقق الحركة السينمائية الجزائرية الغاية المرجوة بتطوير الإنتاج السينمائي والتعريف به لدى الجمهور المحلي أولا ثم الأجنبي .
إن المحاولات العديدة لإشراك المنتجين الأجانب في الأعمال السينمائية هدفه الأساسي إيجاد فضاءات جديدة للعرض السينمائي، والمتمثلة أساسا في قاعات السينما في البلدان الأوروبية نظرا لوجود جالية مغاربية هامة بها، وبهذا تأخذ الخطوة أهميتها في التعريف والإشهار بالأعمال الإبداعية السينمائية الجزائرية بالخارج، فعدد قاعات السينما في الجزائر قليل جدا لا يساعد على تحقيق تجارة سينمائية مثل دول الشمال.
والخطوة الثانية التي أهملها العاملون في الحقل السينمائي الجزائري هو التعريف بالمنتوج الفيلمي داخل الجزائر وفي الدول المجاورة وبخاصة الدول العربية، وكان العائق بالنسبة لتلك الدول اللهجة الجزائرية الصعبة بزعم الكثير منهم، مع أن المشاهد الجزائري يتقن العديد من اللهجات العربية، ومع ذلك شاهدنا فيلم “الملكة الأخيرة” لعديلة بن ديمراد الناطق باللهجة الجزائرية في إحدى القنوات العربية مترجما في الحاشية السينمائية إلى اللغة العربية الفصحى ، وهي طريقة ناجعة وفعالة في جعل المشاهد العربي يتابع الأعمال الإبداعية السينمائية، أما الجانب الفني فالسينمائيون الجزائريون يتحكمون فيه جيدا، وبهذا تصبح الترجمة حلا للفيلم الجزائري والمغاربي، وإذا رجعنا إلى المشاهد الجزائري نجده غير مطلع على الحركة السينمائية في بلاده نتيجة غياب إعلامي عنها، والأجدر إنشاء قنوات تلفزيونية عامة و خاصة تبث الأفلام الجزائرية قديمها وجديدها، وهكذا تكون الخطوة الأولى في التعريف بالسينما الجزائرية داخل الوطن، ومن الجانب النقدي والإعلامي يلاحظ المهتمون بالشؤون السينمائية ضرورة وجود مجلات عن السينما الجزائرية كي يتمكن المشاهد المتبصر من نقد الأفلام الجزائرية ومتابعة مسار الحركة السينمائية في بلادنا .
خلاصة :
ما يمكننا أن نستخلصه من ظاهرة سينما الهجرة والمهاجرين أن نسبة الأعمال السينمائية فيها يمكن أن تعود للسينما الجزائرية أو للبلد المستقبل على السواء، ما دام السينمائيون ذاتهم يفضلون الانتماء إلى أوطانهم الأصلية ، بالرغم من الوسائل والإنتاج الأوروبي أو الأمريكي.
لهذا يجب على المهتمين بالشأن السينمائي التفكير الجيد في إقامة جسور بين الإنتاج السينمائي داخل الجزائر و خارجها، وإقامة علاقات بين المبدعين و المنتجين بين ضفتي البحر المتوسط، بغية فتح مسارات جديدة لإنتاج و توزيع الأفلام، مما سيساعد على تطوير الإنتاج السينمائي الجزائري وتعريفه في الغرب أولا وفي العالم.
وفيما يخص ترقية السينما داخل الوطن ، فالملاحظ عند الباحثين والمهتمين بالسينما النقص الفاحش في التعريف بالسينما الجزائرية، ولذا تغدو الخطوة الأساسية البحث عن آليات فعالة في التعريف والإشهار بالإبداعات الفيلمية الجزائرية ومنها إنشاء قنوات متخصصة في السينما وكذا مجلات إعلامية تتابع ماجد من إبداع في المجال السينمائي .





