شَرْحُ لطفي خيرالله
شَرْحٌ -VI-
1) [لاَ فَرْقَ]، فِي اُلنُّسْخَةِ اُلْمَطْبُوعَةِ “لاَ فَوْقَ”. وَهْيَ نُسْخَةُ دَارِ اُلْمَعَارِفِ.
2) [قُلْنَا لاَ فَرْقَ… دَاخِلٌ وَخَارِجٌ]، أَجَابَ اُلْغَزَالِيُّ بِأَنَّ هَذَا اُلْجَوَابَ لِلْفَلاَسِفَةِ لاَ يَضُرُّ فِي اُلْغَرَضِ اُلْمَقْصُودِ مِنْ تَشْبِيهِ اُلنِّهَايَةِ فِي اُلزَّمَانِ بِاُلنِّهَايَةِ فِي اُلْمِقْدَارِ، لِأَنَّهُ غَرَضٌ غَيْرُ مَوْقُوفٍ فَقَطْ عَلَى مَعْنَيَيْ “فَوْقُ” وَ”تَحْتُ”، بَلْ لِنَأْخُذْ لَفْظَيْنِ آخَرَيْنِ، لَفْظَ “اُلدَّاخِلُ”، وَ”اُلْخَارِجُ”، وَنَقُولُ لِلْعَالَمِ دَاخِلٌ وَخَارِجٌ.
3) [فَهَلْ خَارِجُ اُلْعَالَمِ… لاَ خَلاَءٌ وَلاَ مَلاَءٌ]، ثُمَّ إِنْ سَأَلْنَاكُمْ سُؤَالاً مُبْتَدَأً هَلْ خَارِجَ اُلْعَالَمِ شَيْءٌ مِنْ مَلاَءٍ، أَيْ جِسْمًا فِي مَكَانٍ، أَوْ مِنْ خَلاَءٍ، أَيْ مَكَانًا بِلاَ جِسْمٍ أَصْلاً، فَسَتَقُولُونَ لَيْسَ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ لاَ خَلاَءٌ وَلاَ مَلاَءٌ.
4) [وَإِنْ عَنَيْتُمْ بِاُلْخَارِجِ… فَلاَ خَارِجَ لَهُ]، هَذَا مِنْ كَلاَمِ اُلْفَلاَسِفَةِ مُخَاطِبِينَ لِلسَّائِلِ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِاُلْخَارِجِ سَطْحَ اُلْفَلَكِ الأَقْصَى اُلْمُحِيطَ بِاُلْكُلِّ، أَقْرَرْنَا بِأَنَّ لِلْعَالَمِ خَارِجًا، وَإِنْ عَنَيْتَ غَيْرَ اُلسَّطْحِ، مِنْ مَلاَءٍ أَوْ خَلاَءٍ، فَلاَ خَارِجَ لِلْعَالَمِ.
5) [فَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ… قِيلَ لاَ خَارِجَ لِلْعَالَمِ]، كَذَلِكَ نَحْنُ، أَعْنِي اُلْغَزَالِيَّ وَمُثْبِتِيَّ اُلْحُدُوثِ، فَإِنَّا نُنْزِلُ “قَبْلُ” مِنَ اُلزَّمَانِ مَنْزِلَةَ “اُلْخَارِجِ” مِنَ اُلْعَالَمِ عِنْدَكُمْ، فَإِنْ قِيلَ هَلْ لِوُجُودِ اُلْعَالَمِ “قَبْلُ” كَمَا قِيلَ هَلْ لِلْعَالَمِ خَارِجٌ، قُلْنَا إِنْ قُصِدَ بِهِ هَلْ لِلْعَالَمِ طَرَفٌ مِنْهُ اِبْتَدَأَ، قُلْنَا نَعَمْ، كَمَا لِلْعَالَمِ خَارِجٌ عَلَى تَفْسِيرِ أَنَّهُ اُلسَّطْحُ الَّذِي يَنْتَهِي عِنْدَهُ اُلْعَالَمُ. وَمَعْنَى اُلْمُنْقَطَعِ اُلسَّطْحِيِّ، اُلسَّطْحُ الَّذِي يَنْقَطِعُ بِهِ اُلْعَالَمُ، وَيَنْتَهِي عِنْدَهُ. وَإِنْ قُصِدَ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ، فَلاَ “قَبْلُ” لِلْعَالَمِ عِنْدَنَا، كَمَا لاَ خَارِجَ عِنْدَكُمْ مَتَى قُصِدَ بِهِ سِوَى اُلْمُنْقَطَعِ اُلسَّطْحِيِّ.
6) [فَإِنْ قُلْتُمْ لاَ يُعْقَلُ مَبْدَأُ… هُوَ طَرَفُهُ لاَ غَيْرَ]، وَكُلُّ شَيْءٍ قَدْ تَنْتَصِرُونَ بِهِ لِدَفْعِ مَطْلُوبِنَا، فَهْوَ يَنَالُ مِنْ مَطْلُوبِكُمْ فِي تَنَاهِي اُلْعَالَمِ، وَكُلُّ تَأْوِيلٍ تَتَّخِذُونَهُ لِإِثْبَاتِ مَطْلُوبِكُمْ، فَهْوَ يَصِحُّ كَذَلِكَ فِي إِثْبَاتِ مَطْلُوبِنَا.
-VII قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “بَقِيَ أَنْ نَقُولَ للهِ وُجُودٌ وَلاَ عَالِمَ مَعَهُ، وَهَذَا اُلْقَوْلُ أَيْضًا لاَ يُوجِبُ إِثْبَاتَ شَيْءٍ آخَرَ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا عَمَلُ اُلْوَهْمِ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِاُلزَّمَانِ وَاُلْمَكَانِ1، فَإِنَّ اُلْخَصْمَ وَإِنِ اِعْتَقَدَ قِدَمَ اُلْجِسْمِ يُذْعِنُ وَهْمُهُ لِتَقْدِيرِ حُدُوثِهِ، وَنَحْنُ وَإِنْ اِعْتَقَدْنَا حُدُوثَهُ رُبَّمَا أَذْعَنَ وَهْمُنَا لِتَقْدِيرِ قِدَمِهِ، هَذَا فِي اُلْجِسْمِ2. فَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى اُلزَّمَانِ لَمْ يَقْدِرِ اُلْخَصْمُ عَلَى تَقْدِيرِ حُدُوثِ زَمَانٍ لاَ “قَبْلُ” لَهُ، وَخِلاَفُ اُلْمُعْتَقَدِ يُمْكِنُ وَضْعُهُ فِي اُلْوَهْمِ تَقْدِيرًا وَفَرْضًا، وَهَذَا مِمَّا لاَ يُمْكِنُ وَضْعُهُ فِي اُلْوَهْمِ، كَمَا فِي اُلْمَكَانِ، فَإِنَّ مَنْ يَعْتَقِدُ تَنَاهِي اُلْجِسْمَ وَمَنْ لاَ يَعْتَقِدُ، كُلُّ وَاحِدٍ يَعْجِزُ عَنْ تَقْدِيرِ جِسْمٍ لَيْسَ وَرَاءَهُ لاَ خَلاَءٌ وَلاَ مَلاَءٌ، بَلْ لاَ يُذْعِنُ اُلْوَهْمُ لِقَبُولِ ذَلِكَ3، وَلَكِنْ قِيلَ : صَرِيحُ اُلْعَقْلِ إِذَا لَمْ يَمْنَعْ وُجُودَ جِسْمٍ مُتَنَاهٍ بِحُكْمِ اُلدَّلِيلِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى اُلْوَهْمِ، فَكَذَلِكَ صَرِيحُ اُلْعَقْلِ لاَ يَمْنَعُ وُجُودَ مُفْتَتَحٍ لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ قَصَّرَ اُلْوَهْمُ عَنْهُ فَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، لِأَنَّ اُلْوَهْمَ لَمَّا لَمْ يَأْلَفْ جِسْمًا مُتَنَاهِيًا إِلاَّ وَبِجَنْبِهِ جِسْمٌ آخَرُ، أَوْ هَوْاءٌ تَخَيَّلَهُ خَلاَءً، لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ فِي اُلْغَالِبِ، فَكَذَلِكَ لَمْ يَأْلَفِ اُلْوَهْمُ حَادِثًا إِلاَّ بَعْدَ شَيْءٍ آخَرَ، فَكَاعَ عَنْ تَقْدِيرِ حَادِثٍ لَيْسَ لَهُ “قَبْلُ”، هُوَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ قَدِ انْقَضَى، فَهَذَا هُوَ سَبَبُ اُلْغَلَطِ4، وَاُلْمُقَاوَمَةُ حَاصِلَةٌ بِهَذِهِ اُلْمُعَارَضَةِ5.”
شَرْحٌ -VII-
1) [بَقِيَ أَنْ نَقُولَ… بِاُلزَّمَانِ وَاُلْمَكَانِ]، يُرِيدُ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اُلْحُدُوثَ هُوَ مُنْفَكٌّ عَنْ إِثْبَاتِ اُلزَّمَانِ، وَأَنَّ قَوْلَنَا “كَانَ الله وَلاَ عَالَمَ”، “ثُمَّ كَانَ الله وَمَعَهُ اُلْعَالَمُ” لاَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَْيْءٌ ثَالِثٌ وَهْوَ اُلْقَبْلُ اُلْحَقِيقِيُّ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ، هُوَ أَنَّ مَا لاَ يَكُونُ مِنْ عَمَلِ اُلْوَهْمِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ بِاُلْوَهْمِ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْمُعْتَقَدِ، أَمَّا مَا هُوَ مِنْ عَمَلِ اُلْوَهْمِ خَالِصًا، فَلاَ يُمْكِنُ تَقْدِيرُ خِلاَفِهِ. وَلَمَّا كَانَ تَخَيُّلُ قَبْلٍ بِلاَ قَبْلٍ، أَوْمَكَانٍ بِلاَ مَكَانٍ وَرَاءَهُ مُتَعَذِّرًا فِي اُلْوَهْمِ، صَحَّ أَنَّ عَمَلَهُ إِنَّمَا هُوَ مَخْصُوصٌ بِهِمَا.
2) [فَإِنَّ اُلْخَصْمَ… هَذَا فِي اُلْجِسْمِ]، أَمَّا إِذَا قِيلَ “اُلْجِسْمُ قَدِيمٌ” عَلَى اِعْتِقَادِ اُلْفَيْلَسُوفِ، فَإِنَّ وَهْمَهُ قَدْ لاَ يَنْفُرُ مِنْ تَصَوُّرِهِ حَادِثًا خِلاَفًا لاِعْتِقَادِهِ، وَإِذَا قِيلَ “اُلْجِسْمُ حَادِثٌ” فَإِنَّ وَهْمَنَا قَدْ لاَ يَنْفُرُ مِنْ تَصَوُّرِهِ قَدِيمًا خِلاَفًا لاِعْتِقَادِنَا.
3) [فَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى اُلزَّمَانِ… لِقَبُولِ ذَلِكَ]، إِذَنْ فَفِي اُلزَّمَانِ اِعْتِقَادُ اُلْخَصْمِ أَنَّهُ لاَ أَوَّلَ لَهُ، وَهْوَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَخَيَّل خِلاَفَهُ، بِأَنْ يُقَدِّرَ حُدُوثَ زَمَانٍ لاَ قَبْلَ لَهُ، كَمَا فِي اُلْمَكَانِ فَإِنَّ مَنْ يَعْتَقِدُ بِلاَ تَنَاهِيهِ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَهَّمَ لَهُ نِهَايَةً لَيْسَ وَرَاءَهَا شَيْءٌ آخَرُ.
4) [وَلَكِنْ قِيلَ… هُوَ سَبَبُ اُلْغَلَطِ]، فَكَمَا قَدْ دُفِعَ عِنْدَكُمْ غَلَطُ اُلْوَهْمِ فِي اُلْمَكَانِ بِمَا قَدْ صَحَّ فِي صَرِيحِ اُلْعَقْلِ وَاُلْبُرْهَانِ اِمْتِنَاعُ وُجُودِ جِسْمٍ غَيْرِ مُتَنَاهٍ، وَإِنْ كَانَ اُلْوَهْمُ لَيْسَ يَنْفَكُّ عَنْ إِثْبَاتِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْلَفْ جِسْمًا مُتَنَاهِيًا إِلاَّ وَبِجَنْبِهِ جِسْمٌ آخَرُ، كَذَلِكَ فَاُقْبَلُوا أَنَّ صَرِيحَ اُلْعَقْلِ قَدْ يَدْفَعُ غَلَطَ اُلْوَهْمِ فِي اُلزَّمَانِ بِأَنَّ كُلَّ حَادِثٍ فَقَبْلَهُ شَيْءٌ لاَ مَحَالَةَ، لِمَا قَدْ أَلِفَ أَنَّ كُلَّ مُفْتَتَحٍ فَقَبْلَهُ شَيْءٌ، وَجَوِّزُوا لِلزَّمَانِ أَوَّلاً بِلاَ قَبْلٍ.
5) [وَاُلْمُقَاوَمَةُ حَاصِلَةٌ بِهَذِهِ اُلْمُعَارَضَةِ]، إِذْ مَعْنَى اُلْمُعَارَضَةِ فِي عِلْمِ اُلْمُنَاظَرَةِ هُوَ أَنْ يَأْتِيَ اُلْمُنَاظِرُ بِدَلِيلٍ يَلْزَمُ مِنْهُ نَقِيضُ مَا يَلْزَمُ مِنْ دَلِيلِ اُلْخَصْمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِدَلِيلِ اُلْخَصْمِ. فَهْيَ نَقْضٌ لِلْحُكْمِ بِلاَ نَقْضٍ لِدَلِيلِهِ.
اُلصِّيغَةُ الثَّانِيَةُ1 لِلدَّلِيلِ اُلثَّانِي
-I قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “لاَ شَكَّ فِي أَنَّ الله عِنْدَكُمْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ اُلْعَالَمَ قَبْلَ خَلْقِهِ بِقَدْرِ سَنَةٍ وَمِائَةِ سَنَةٍ وَأَلْفِ سَنَةٍ وَمَا لاَنِهَايَةَ لَهُ2، وَأَنَّ هَذِهِ اُلتَّقْدِيرَاتِ مُتَفَاوِتَةٌ فِي اُلْمِقْدَارِ وَاُلْكَمِّيَةِ3، فَلاَ بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ شَيْءٍ قَبْلَ وُجُودِ اُلْعَالَمِ مُمْتَدٍّ مُقَدَّرٍ بَعْضُهُ أَمَدُّ وَأَطْوَلُ مِنْ اُلْبَعْض4ِ.
فَإِنْ قُلْتُمْ لاَ يُمْكِنُ إِطْلاَقُ لَفْظِ “اُلسِّنِينَ” إِلاَّ بَعْدَ حُدُوثِ اُلْفَلَكِ وَدَوَرَانِهِ5، فَلِنَتْرُكْ لَفْظَ “اُلسِّنِينَ” وَلِنُورِدْ صِيغَةً أُخْرَى فَنَقُولُ إِذَا قَدَّرْنَا أَنَّ اُلْعَالَمَ مِنْ أَوَّلِ وُجُودِهِ قَدْ دَارَ فَلَكُهُ إِلَى الآنَ أَلْفَ دَوْرَةٍ مَثَلاً6، فَهَلْ كَانَ الله سُبْحَانَهُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ قَبْلَهُ عَالَمًا ثَانِيًا مِثْلَهُ بِحَيْثُ يَنْتَهِي إِلَى زَمَانِنَا هَذَا بِأَلْفٍ وَمِائَةِ دَوْرَةٍ7. فَإِنْ قُلْتُمْ لاَ، فَكَأَنَّهُ اِنْقَلَبَ اُلْقَدِيمُ مِنَ اُلْعَجْزِ إِلَى اُلْقُدْرَةِ، أَوِ اُلْعَالَمُ مِنَ الاِسْتِحَالَةِ إِلَى الإِمْكَانِ8. وَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ وَلاَ بُدَّ مِنْهُ، فَهَلْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ عَالَمًا ثَالِثًا بِحَيْثُ يَنْتَهِي إِلَى زَمَانِنَا بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْ دَوْرَةٍ، وَلاَ بُدَّ مِنْ نَعَمْ9. فَنَقُولُ هَذَا اُلْعَالَمُ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ بِحَسَبِ تَرْتِيبِنَا فِي اُلتَّقْدِيرِ ثَالِثًا، وَإِنْ كَانَ هُوَ الأَسْبَقَ، فَهَلْ أَمْكَنَ خَلْقُهُ مَعَ اُلْعَالَمِ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ ثَانِيًا وَكَانَ يَنْتَهِي إِلَيْنَا بِأَلْفٍ10 وَمِائَتَيْ دَوْرَةٍ، وَالآخَرُ بِأَلْفٍ وَمِائَةِ دَوْرَةٍ، وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي مَسَافَةِ اُلْحَرَكَةِ وَسُرْعَتِهَا11. فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ، فَهْوَ مُحَالٌ، إِذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَتَسَاوَى حَرَكَتَانِ فِي اُلسُّرْعَةِ وَاُلْبُطْءِ، ثُمَّ تَنْتَهِيَانِ إِلَى وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَالأَعْدَادُ مُتَفَاوِتَةٌ12. وَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّ اُلْعَالَمَ اُلثَّالِثَ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْنَا بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْ دَوْرَةٍ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُخْلَقَ مَعَ اُلْعَالَمِ اُلثَّانِي الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْنَا بِأَلْفٍ وَمِائَةِ دَوْرَةٍ13، بَلْ لاَ بُدَّ أَنْ يَخْلُقَهُ قَبْلَهُ بِمِقْدَارٍ يُسَاوِي اُلْمِقْدَارَ الَّذِي تَقَدَّمَ بِهِ اُلْعَالَمُ اُلثَّانِي عَلَى اُلْعَالَمِ الأَوَّلِ وَسَمَّيْنَاهُ الأَوَّلَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى وَهْمِنَا إِذَا اِرْتَقَيْنَا مِنْ وَقْتِنَا إِلَيْهِ فِي اُلتَّقْدِيرِ14، فَيَكُونُ قُدِّرَ إِمْكَانٌ هُوَ ضِعْفُ إِمْكَانٍ آخَرَ، وَلاَ بُدَّ مِنْ إِمْكَانٍ آخَرَ هُوَ ضِعْفُ اُلْكُلِّ15. فَهَذَا الإِمْكَانُ اُلْمُقَدَّرُ بِاُلْكَمِّيَةِ الَّذِي بَعْضُهُ أَطْولُ مِنْ بَعْضٍ بِمِقْدَارٍ مَعْلُومٍ لاَ حَقِيقَةَ لَهُ إِلاَّ اُلزَّمَانُ16، فَلَيْسَتْ هَذِهِ اُلْكَمِّيَاتُ اُلْمُقَدَّرَةُ صِفَةَ ذَاتِ اُلْبَارِئِ تَعَالَى عَنِ اُلتَّقْدِيرِ، وَلاَ صِفَةَ عَدَمِ اُلْعَالَمِ إِذِ اُلْعَدَمُ لَيْسَ شَيْئًا حَتَّى يُقَدَّرَ بِمَقَادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ17، وَاُلْكَمِّيَةُ صِفَةٌ فَتَسْتَدْعِي ذَا كَمِّيَةٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ اُلْحَرَكَةَ، وَاُلْكَمِّيَةُ إِلاَّ اُلزَّمَانَ الَّذِي هُوَ قَدْرُ اُلْحَرَكَةِ18. فَإِذَنْ قَبْلَ اُلْعَالَمِ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ذُو كَمِّيَةٍ مُتَفَاوِتَةٍ وَهْوَ اُلزَّمَانُ، فَقَبْلَ اُلْعَالَمِ عِنْدَكُمْ زَمَانٌ19.
شَرْحٌ -I-
1) [اُلصِّيغَةُ الثَّانِيَةُ]، هَذِهِ اُلصِّيغَةُ اُلثَّانِيَةُ مِنَ اُلدَّلِيلِ اُلثَّانِي عَلَى قِدَمِ اُلْعَالَمِ إِنَّمَا تَقُومُ عَلَى إِلْزَامِ أَصْحَابِ اُلْحُدُوثِ بِاُلْقَوْلِ بِقِدَمِهِ، لِأَنَّهُ لاَزِمٌ مِنْ نَفْسِ مَا يَتَقَلَّدُونَهُ هُمْ مِنْ أُصُولٍ. وَأَوَّلُ هَذِهِ الأُصُولِ وَأَثْبَتُهَا عِنْدَهُمْ أَنَّ اللهَ ذُو قُدْرَةٍ غَيْرِ مُقَيَّدَةٍ، وَأَنَّهُ يَقْوَى عَلَى أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ شَيْءٍ سِوَى مَا كَانَ مُمْتَنِعًا فِي ذَاتِهِ. فَمَثَلاً هُوَ لاَ يَجْعَلُ اُلشَّيْءَ مَوْجُودًا وَغَيْرَ مَوْجُودٍ مَعًا، لِأَنَّ ذَاكَ مُحَالٌ فِي نَفْسِهِ، فَلاَ يُعَدُّ هَذَا قَيْدًا لِقُدْرَتِهِ، وَلاَ يُوصَفُ لِأَجْلِهِ بِاُلْعَاجِزِ أَصْلاً.
2) [لاَ شَكَّ فِي أَنَّ الله … وَمَا لاَنِهَايَةَ لَهُ]، هَذَا خِطَابُ اُلْفَلاَسِفَةِ لِخُصُومِهِمْ بِأَنَّ مِنْ أَصْلِكُمْ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ بِقُدْرَةٍ لاَ يُقَيِّدُهَا إِلاَّ اُلْمُمْتَنِعُ، أَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وُكُلَّ مَا اللهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ فَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ. كَذَلِكَ فَأَنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ بِأَنَّ اُلْبَارِئَ قَدْ خَلَقَ اُلْعَالَمَ فِي وَقْتٍ، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ اُلْوَقْتِ إِلَى الآنَ مَحْصُورٌ بَيْنَ نِهَايَتَيْنِ، فَهْوَ مُتَنَاهٍ فِي اُلْمُدَّةِ. وَلَكِنْ مِنَ اُلْبَيِّنِ أَنَّ اُلْعَقْلَ لَوْ تَصَوَّرَ مُدَّةَ اُلْعَالَمِ أَطْوَلَ مِمَّا كَانَتْ بِاُلْفِعْلِ، أَوْ أَقْصَرَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِاُلْمُمْتَنِعِ فِي نَفْسِهِ. إِذَنْ فاُللهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ اُلْعَالَمَ قَبْلَ خَلْقِهِ بِاُلْفِعْلِ بِمُدَّةٍ مَا، ثُمَّ بِمُدَّةٍ أُخْرَى أَطْوَلَ مِنَ اُلأُولَى اُلْمَفْرُوضَةِ، ثُمَّ بِمُدَّةٍ أُخْرَى أَطْوَلَ مِنَ اُلثَّانِيَةِ إِلَى مَا لاَ نِهَايَةَ فِي اُلطُّولِ. وَقَدْ تَكُونُ اُلْمُدَّةُ الأُولَى اُلْمَفْرُوضَةُ سَنَةً، وَاُلثَّانِيَةُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَاُلثَّالِثَةُ أَلْفَ سَنَةٍ، إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ مِنْ مَقَادِيرِ اُلسَّنَوَاتِ.

لِذَلِكَ فَاُلْمُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ الأَوَّلِ وَالآنَ أَطْوَلُ مِنَ اُلْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ اِبْتِدَاءِ اُلْعَالَمِ بِاُلْفِعْلِ وَالآنَ، وَتَزِيدُ عَلَيْهَا بِسَنَةٍ. وَاُلْمُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ اُلثَّانِي وَالآنَ تَزِيدُ عَلَيْهَا بِمِائَةِ سَنَةٍ، وَتَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ اُلأوَّلِ بِتِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَاُلْمُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ اُلثَّالِثِ وَالآنَ تَزِيدُ عَلَيْهَا بِأَلْفِ سَنَةٍ، وَتَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ اُلأَوَّلِ بِتِسْعِ مِائَةٍ وَتِسْعٍ وَتِسْعِينَ، وَتَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ اُلثَّانِي بِتِسْعِ مِائَةٍ. إِلَى غَيْرِهِ.
3) [وَأَنَّ هَذِهِ اُلتَّقْدِيرَاتُ مُتَفَاوِتَةٌ فِي اُلْمِقْدَارِ وَاُلْكَمِّيَةِ]، وَظَاهِرٌ أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ إِنَّمَا هِيَ مَقَادِيرُ وَكَمِّيَاتٌ، لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى نِسَبٍ يُفْهَمُ مِنْهَا اُلْمُطَابَقَةُ وَاُلْمُسَاوَاةُ وَاُلتَّفَاوُتُ، أَيِ اُلْمُقَايَسَةَ بِاُلأَعْظَمِ، وَاُلأَصْغَرِ.
4) [فَلاَ بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ… وَأَطْوَلُ مِنْ اُلْبَعْض]، وَكَمَا تَعْلَمُ فَإِنَّ اُلْكَمَّ عَرَضٌ، وَاُلْعَرَضُ لاَ يَقُومُ بِذَاتِهِ بَلْ بِمَوْضُوعٍ، وَلاَ يُوجَدُ إِلاَّ بِوُجُودِ مَوْضُوعٍ. لِذَلِكَ فَإِنَّ اُلْكَمَّ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ شَيْءٍ ذِي كَمٍّ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ، أَيْ عَلَى اُلْكَمِّ، بِاُلطَّبْعِ، وَهْوَ اُلنَّوْعُ اُلأَوَّلُ مِنْ أَنْوَاعِ اُلتَّقَدُّمِ. فَإِذْ كُنَّا قَبْلَ اُلْعَالَمِ بِاُلْفِعْلِ قَدْ أَثْبَتْنَا مَقَادِيرَ مُخْتَلِفَةَ اُلنِّسَبِ، كَأَلْفِ سَنَةٍ أَطْوَلُ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَنِسْبَتُهَا إِلَيْهَا عَشَرَةُ أَمْثَالٍ، فَهَلُمَّ جَرَّا. فَوَاجِبٌ إِذَنْ أَنْ نُثْبِتَ أَيْضًا شَيْئًا تَعْرِضُ لَهُ هَذِهِ اُلْمَقَادِيرُ، بِوَسَاطَتِهَا إِنَّمَا يُقَالُ إِنَّ بَعْضَهُ أَطْوَلُ مِنْ بَعْضٍ، أَوْ أَقْصَرُ، أَوْ مُسَاوٍ. وَهَذَا اُلشَّيْءِ إِنَّمَا هُوَ اِمْتِدَادٌ مَا، وَهْوَ اُلزَّمَانُ.
5) [فَإِنْ قُلْتُمْ لاَ… وَدَوَرَانِه]، وَقَدْ يَتَمَسَّكُ مُعْتَرِضٌ مَا بِأَنَّهُ وَإِنْ كُنَّا نُقِرُّ بِأَنَّ خَلْقَ اُلْعَالَمِ كَانَ جَائِزًا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ خَلْقِهِ بِمُدَّةٍ، فَإِنَّا لاَ نُجَوِّزُ أَنْ تَكُونَ اُلْمُدَّةُ تُوصَفُ بِاُلسَّنَةِ وَاُلسَّنَوَاتِ. لِأَنَّ اُلسَّنَةَ إِنَّمَا هِيَ دَوْرَةُ فَلَكِ هَذَا اُلْعَالَمِ، بِثَلاَثِمِئَةٍ وَخَمْسٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا وَرُبْعِ يَوْمٍ. فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ نُطْلِقَهَا عَلَى مَا قَبْلَ اُلْعَالَمِ.
6) [فَلِنَتْرُكْ لَفْظَ “اُلسِّنِينَ… أَلْفَ دَوْرَةٍ مَثَلاً]، فَأَجَابَ اُلْفَلاَسِفَةُ فَلِنَتْرُكْ هَذِهِ اُللَّفْظَةَ لَفْظَةَ اُلسَّنَةِ، وَلِنَصُغِ اُلْكَلاَمَ صَوْغًا آخَرَ. إِذِ اُلْعَالَمُ عَلَى زَعْمِكُمْ لَهُ بِدَايَةٌ، وَطَرَفٌ يَنْتَهِي عِنْدَهُ الآنَ. وَأَوَّلَ مَا خُلِقَ إِلَى الآنَ فَقَدْ دَارَ فَلَكُهُ دَوْرَاتٍ مُتَّصِلَةٍ، وَهْيَ مُتَنَاهِيَةُ اُلْعَدَدِ لاَمَحَالَةَ، لِأَنَّ وُجُودَهُ مُتَنَاهِي اُلطَّرَفَيْنِ. وَلِنَفْرِضْ أَنَّ عِدَّتَهَا هِيَ أَلْفُ دَوْرَةٍ.
7) [فَهَلْ كَانَ الله سُبْحَانَهُ قَادِرًا… بِأَلْفٍ وَمِائَةِ دَوْرَةٍ]، فَاُلسُّؤَالُ عَلَيْكُمْ، إِنَّ اُلْعَالَمَ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا فِي نَفْسِهِ أَنْ يُخْلَقَ قَبْلَ خَلْقِهِ، عَالَمٌ آخَرُ مِثْلُهُ، وَإِمَّا أَنْ لاَ يُمْكِنَ. فَإِنْ أَمْكَنَ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى خَلْقِهِ أَوْ غَيْرَ قَادِرٍ. فَإِنْ قَدِرَ، فَلِنَفْرِضْ أَنَّهُ لَوْ خَلَقَهُ كَانَ قَدْ دَارَ فَلَكُهُ، مِنْ خَلْقِهِ إِيَّاهُ إِلَى اُلْيَوْمِ أَلْفًا وَمِائَةَ دَوْرَةٍ.
8) [فَإِنْ قُلْتُمْ لاَ… الاِسْتِحَالَةِ إِلَى الإِمْكَانِ]، وَمَا كَانَ يُمْكِنُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا بِـلاَ، لِأَنَّ اِمْتِنَاعَ هَذَا اُلْخَلْقِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ جَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ مُمْكِنًا، فَيَلْزَمُ أَنَّ اُلْبَارِئَ سُبْحَانَهُ كَانَ عَاجِزًا، وَمَا صَارَ قَادِرًا إِلاَّ حِينَ خَلَقَ هَذَا اُلْعَالَمَ اُلْمَوْجُودَ، وَهَذَا مُحَالٌ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ اِمْتِنَاعِهِ فِي نَفْسِهِ، فَيَلْزَمُ أَنَّ اُلْمُمْتَنِعَ فِي ذَاتِهِ قَدِ اِنْقَلَبَ مُمْكِنًا حَتَّى خُلِقَ حِينَ خُلِقَ، وَهَذَا أَيْضًا مُحَالٌ. وَفِي اُلنُّسْخَةِ اُلْمَطْبُوعَةِ تَرْتِيبُ اُلْجُمْلَةِ هَكَذَا “أَوِاُلْعَالَمُ مِنَ الإِمْكَانِ إِلَى الاِسْتِحَالَةِ.” وَهْوَ خَطَأٌ.
9) [وَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ… وَلاَ بُدَّ مِنْ نَعَمْ]، فَأَنْتُمْ إِذَنْ مُلْزَمُونَ بِأَنْ تَقُولُوا “نَعَمْ إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ قَبْلَهُ عَالَمًا ثَانِيًا مِثْلَهُ بِحَيْثُ يَنْتَهِي إِلَى زَمَانِنَا هَذَا بِأَلْفٍ وَمِائَةِ دَوْرَةٍ”.وَلِنَفْسِ هَذَا اُلسَّبَبِ فَأَنْتُمْ مُلْزَمُونَ أَيْضًا بِأَنْ تُسَلِّمُوا بِقُدْرَتِهِ عَلَى خَلْقِهِ عَالَمًا ثَالِثًا بِحَيْثُ يَنْتَهِي إِلَى زَمَانِنَا بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْ دَوْرَةٍ.
10) [بِأَلْفٍ]، فِي اُلنُّسْخَةِ اُلْمَطْبُوعَةِ “بِأَلْفَيْ.”
11) [فَنَقُولُ هَذَا اُلْعَالَمُ… مَسَافَةِ اُلْحَرَكَةِ وَسُرْعَتِهَا]، ثُمَّ إِنَّا نَأْتِي عَلَيْكُمْ بِهَذَا اُلسُّؤَالِ اُلثَّانِي. لَقَدْ وَافَقْتُمُونَا بِحُكْمِ اُلضَّرُورَةِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ عَالَمٍ هُوَ ثَالِثٍ فِي اُلْفَرْضِ وَاُلتَّقْدِيرِ، وَلَكِنَّهُ سَابِقٌ بِحَسَبِ عَدَدِ اُلدَّوْرَاتِ. وَإِذْ أَنَّ عَدَدَ دَوْرَاتِهِ إِلَى الآنَ هِيَ أَلْفٌ وَمِائَتَا دَوْرَةٍ، وَعَدَدَ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ ثَانِيًا إِلَى الآنَ هِيَ أَلْفٌ وَمِائَةُ دَوْرَةٍ، وَكُلُّ دَوْرَةٍ فِي أَحَدِ اُلْعَالَمَيْنِ هِيَ مُسَاوِيَةٌ لِأُخْتِهَا فِي اُلْعَالَمِ الآخَرِ، مِنْ حَيْثُ اُلْمَسَافَةِ وَمِنْ حَيْثُ اُلسُّرْعَةِ، لِأَنَّ اُلْعَالَمَ اُلْمَفْرُوضَ دَائِمًا هُوَ مَفْرُوضٌ مُمَاثِلاً لِلْعَالَمِ اُلْمَوْجُودِ. إِذَنْ فَاُلْفَلَكُ اُلأَقْصَى فِي كُلِّ عَالَمٍ مَفْرُوضٍ هُوَ مِثْلُ اُلْفَلَكِ الأَقْصَى فِي اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ الآخَرِ. فَإِذْ كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اِبْتِدَاءُ اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ ثَالِثًا مَعَ اِبْتِدَاءِ اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ اُلثَّانِي. عَلَى مَعْنَى أَنَّ الاِمْتِدَادَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَهُ لِدَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلثَّانِي مِنْ أَوَّلِ اِبْتِدَائِهَا حَتَّى الآنَ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَسَعَ كُلَّ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلثَّالِثِ مِنْ أَوَّلِ اِبْتِدَائِهَا إِلَى الآنَ. وَلاَ يَقُولَنَّ أَحَدٌ إِنَّهُ سُؤَالٌ فِي أَمْرٍ بَيِّنٍ بِذَاتِهِ إِذْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَدَدُ دَوْرَاتِ اُلثَّالِثِ أَكْثَرَ مِنْ اُلثَّانِي، وَاُلْعَدَدُ الأَكْثَرُ هُوَ مِثْلُ الأَقَلِّ وَزِيَادَةٌ، وَاُلنِّهَايَةُ لَهُمَا مِنَ اُلطَّرَفِ الَّذِي يَلِينَا وَاحِدَةٌ، فَلاَ مَحَالَةَ فَإِنَّ اِبْتِدَاءَ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلثَّالِثِ هِيَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى اِبْتِدَاءِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلثَّانِي. لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ دَوْرَةُ اُلْعَالَمِ اُلثَّالِثِ اُلْوَاحِدَةُ أَسْرَعَ مِنْ دَوْرَةِ اُلْعَالَمِ اُلثَّانِي اُلْوَاحِدَةِ، لَجَازَ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ اِبْتِدَاءُ هَذَا اُلْعَالَمِ مُوَافِقًا لِابْتِدَاءِ اُلْعَالَمِ اُلثَّانِي، بَلْ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ اِبْتِدَاؤُهُ مُتَأَخِّرًا عَنِ اِبْتِدَائِهِ. لِذَلِكَ كَانَ الامْتِدَادُ اُلْمَذْكُورُ لِدَوْرَاتِ اُلْفَلَكِ هُوَ غَيْرَ اُلْعَدَدِ الَّذِي لَهَا، وَهْوَ إِنَّمَا بِاُلْقِيَاسِ إِلَيْهِ إِنَّمَا يُقَالُ إِنَّ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلثَّالِثِ قَدْ يَسَعُهَا هَذَا الاِمْتِدَادُ مِنْ طَرَفَيْهِ أَوْ لاَ يَسَعُهَا.
12) [فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ… وَالأَعْدَادُ مُتَفَاوِتَةٌ]، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ تَقُولُوا نَعَمْ إِنَّ اِبْتِدَاءَ اُلْعَالَمِ اُلثَّالِثِ يَجُوزُ أَنْ يُوَافِقَ اِبْتِدَاءَ اُلْعَالَمِ اُلثَّانِي، إِذْ أَنَّ عَدَدَ دَوْرَاتِهِ هِيَ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلثَّانِي. وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِسَائِرِ اُلشُّرُوطِ اُلْمُبَيَّنَةِ آنِفًا، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا حِينَ قَالَ “وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي مَسَافَةِ اُلْحَرَكَةِ وَسُرْعَتِهَا”.
13) [وَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّ اُلْعَالَمَ… إِلَيْنَا بِأَلْفٍ وَمِائَةِ دَوْرَةٍ]، وَلَنْ تَقُولُوا هَذَا بِحَسَبِ اِخْتِيَارِكُمْ، بَلْ بِحَسَبِ اُلضَّرُورَةِ اُلْمُلْزِمَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ مُنْذُ حِينٍ.
14) [بَلْ لاَ بُدَّ أَنْ يَخْلُقَهُ قَبْلَهُ… وَقْتِنَا إِلَيْهِ فِي اُلتَّقْدِيرِ]، لَقَدْ قُلْنَا إِنَّ هَذَا اُلْعَالَمَ لَهُ اِبْتِدَاءٌ، لِذَلِكَ كَانَ عَدَدُ دَوْرَاتِ فَلَكِهِ مَحْدُودًا مِنَ اُلْبِدَايَةِ إِلَى الآنَ. ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ اُلدَّوْرَاتِ يُمْكِنُ أَنْ نَتَوَهَّمَ لَهَا اِمْتِدَادًا يَسْتَوْعِبُهَا كُلَّهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا. وَاُلْعَالَمُ اُلْمَفْرُوضُ ثَانِيًا عَدَدُ دَوْرَاتِهِ يَزِيدُ عَلَى عَدَدِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ الأَوَّلِ بِمِائَةِ دَوْرَةٍ، لِذَلِكَ فَإِنَّ اِبْتِدَاءَهُ هُوَ قَبْلَ اِبْتِدَاءِ هَذَا اُلْعَالَمِ. وَكَذَلِكَ لِدَوْرَاتِهِ كُلِّهَا اِمْتِدَادٌ يَسْتَوْعِبُهَا كُلَّهَا. فَوَاجِبٌ إِذَنْ أَنَّ اِمْتِدَادَ اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ ثَانِيًا سَيَكُونُ فَائِتًا عَلَى اِمْتِدَادِ اُلْعَالَمِ الأَوَّلِ، وَأَنَّ نِسْبَةَ فَضْلِهِ عَلَيْهِ إِلَى الاِمْتِدَادِ الأَوَّلِ، هِيَ عَلَى نِسْبَةِ فَضْلِ عَدَدِ دَوْرَاتِهِ إِلَى دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ الأَوَّلِ. لَكِنَّ اُلْعَالَمَ اُلْمَفْرُوضَ ثَالِثًا الَّذِي عَدَدُ دَوْرَاتِهِ إِلَى الآنَ هُوَ أَلْفٌ وَمِائَتَا دَوْرَةٍ، فَإِنَّهُ يَتَقَدَّمُ عَلَى اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ اُلثَّانِي بِمِائَةِ دَوْرَةٍ، وَهْوَ بِعَيْنِهِ عَدَدُ اُلدَّوْرَاتِ الَّتِي يَتَقَدَّمُ بِهَا اُلْعَالَمُ الثَّانِي هَذَا اُلْعَالَمَ الأَوَّلَ، أَعْنِي مِائَةَ دَوْرَةٍ. وَهَذَا اُلْعَالَمُ سَمَّيْنَاهُ أَوَّلاً لاَ مِنْ جِهَةِ تَرْتِيبِهِ فِي اُلْخَلْقِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ تَرْتِيبِهِ فِي اُلْفَرْضِ وَاُلتَّقْدِيرِ.
15) [فَيَكُونُ قُدِّرَ إِمْكَانٌ… هُوَ ضِعْفُ اُلْكُلِّ] ، يُرِيدُ بِالإِمْكَانِ الاِمْتِدَادَ اُلْمُتَصَوَّرَ لِدَوْرَاتِ اُلْفَلَكِ كُلِّهَا لِكُلِّ عَالَمٍ عَالَمٍ. وَلَفْظَةُ “الإِمْكَانِ” هِيَ الَّتِي اِسْتَعْمَلَهَا اِبْنُ سِينَا فِي إِلاَهِيَّاتِ اُلشِّفَاءِ حِينَ مُنَاقَضَتِهِ لِأَصْحَابِ اُلْحُدُوثِ، وَاسْتَعْمَلَهَا أَيْضًا لِإِثْبَاتِ اُلزَّمَانِ وَبَيَانِ مَا حَقِيقَتُهُ، فِي سَمَّاعِ اُلشِّفَاءِ، وَفِي طَبِيعِيَّاتِ “اُلنَّجَاةُ”. إِذَنْ فَلِيَكُنْ أ ب اِمْتِدَادَ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ الأَوَّلِ الَّتِي عَدَدُهَا أَلْفٌ. وَلِيَكُنْ أ ج اِمْتِدَادَ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ ثَانِيًا الَّتِي عَدَدُهَا أَلْفٌ وَمِائَةُ دَوْرَةٍ. وَلِيَكُنْ أ د اِمْتِدَادَ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ اُلثَّالِثِ الَّتِي عَدَدُهَا أَلْفٌ وَمِائَتَا دَوْرَةٍ. وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ نِسْبَةَ فَضْلِ اِمْتِدَادِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلثَّانِي عَلَى اِمْتِدَادِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ الأَوَّلِ، وَهْــوَ ب ج، إِلَى اِمْتِدَادِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ الأَوَّلِ، كَنِسْبَةِ فَضْلِ عَدَدِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلثَّانِي عَلَى دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ الأَوَّلِ، إِلَى دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ الأَوَّلِ، أَعْنِي كَنِسْبَةِ مِائَةٍ إِلَى أَلْفٍ. كَذَلِكَ نِسْبَةُ ب د الَّذِي هُوَ مَجْمُوعُ ب ج وَ ج د، إِلَى أ ب، كَنِسْبَةِ مِائَتَيْنِ إِلَى أَلْفٍ. فَيَلْزَمُ أَنَّ نِسْبَةَ اُلْبَاقِي ج د بَعْدَ نُقْصَـانِ ب ج من ب د، إِلَى أ ب، كَنِسْبَةِ اُلْبَاقِي مِائَةِ دَوْرَةٍ بَعْدَ نُقْصَانِ مِائَةٍ مِنْ مِائَتَيْ دَوْرَةٍ إِلَى أَلْفِ دَوْرَةٍ. وَهَذِهِ اُلنِّسْبَةُ بِعَيْنِهَا هِيَ مِثْلُ نِسْبَةِ اِمْتِدَادِ ب ج إِلَى اِمْتِدَادِ أ ب. إِذَنْ فَنِسْبَةُ اِمْتِدَادِ ج د إِلَى اِمْتِدَادِ أ ب كَنِسْبَةِ اِمْتِدَادِ ب ج إِلَى اِمْتِدَادِ أ ب بِعَيْنِهِ. إِذَنْ فَامْتِدَادُ ج د هُوَ مُسَاوٍ لِامْتِدَادِ ب ج، بِمَا بَانَ فِي اُلشَّكْلِ اُلتَّاسِعِ مِنَ اُلْمَقَالَةِ اُلْخَامِسَةِ مِنْ “أُصُولُ أُقْلِيدِسْ”. إِذَنْ فَامْتِدَادُ ب د الَّذِي هُوَ مَجْمُوعُ اِمْتِدَادَي ب ج و ج د، أَوْ كَمَا يَقُولُ اُلْغَزَالِيُّ، فَالإِمْكَانُ اُلْمُتَعَلِّقُ بِمِائَتَيْ دَوْرَةٍ الَّتِي يَفْضُلُ بِهَا اُلْعَالَمُ اُلْمَفْرُوضُ ثَالِثًا عَلَى اُلْعَالَمِ الأَوَّلِ، هُوَ ضِعْفُ الإِمْكَانِ اُلْمُتَعَلِّقِ بِمِائَةِ دَوْرَةٍ الَّتِي بِهَا يَفْضُلُ اُلْعَالَمُ اُلثَّانِي اُلْمَفْرُوضُ عَلَى الأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ “وَلاَ بُدَّ مِنْ إِمْكَانٍ آخَرَ هُوَ ضِعْفُ اُلْكُلِّ” فَمَعْنَاهُ أَنَّ اُلذَّهَابَ فِي هَذِهِ الإِمْكَانَاتِ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ مِنْ جِهَةِ اُلصُّعُودِ هُوَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ وَثَابِتٌ. لِذَلِكَ فَكَمَا كَانَ هُنَاكَ إِمْكَانُ ب د هُوَ ضِعْفُ إِمْكَانِ ب ج، و ب د هُوْ كُلٌّ مُجْتَمِعٌ من ب ج وَ ج د، كَذَلِكَ فَهُنَاكَ إِمْكَانٌ آخَرٌ هُوَ ضِعْفُ ب د، وَإِمْكَانٌ آخَرٌ هُوَ ضِعْفُ هَذَا اُلضِّعْفِ، إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ.

أ ب، اِمْتِدَادُ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ الأَوَّلِ.
ب ج، فَضْلُ اِمْتِدَادِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلثَّانِي عَلَى اِمْتِدَادِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ الأَوَّلِ
ج د، فَضْلُ اِمْتِدَادِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلثَّالِثِ عَلَى اِمْتِدَادِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلثَّانِي
ب د، مَجْمُوعُ فَضْلِ اِمْتِدَادِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلثَّانِي عَلَى اِمْتِدَادِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ الأَوَّلِ وَ فَضْلِ اِمْتِدَادِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلثَّالِثِ عَلَى اِمْتِدَادِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلثَّانِي. وَأَيْضًا هُوَ فَضْلُ اِمْتِدَادِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ اُلثَّالِثِ عَلَى اِمْتِدَادِ دَوْرَاتِ اُلْعَالَمِ الأَوَّلِ.
16) [فَهَذَا الإِمْكَانُ اُلْمُقَدَّرُ… إِلاَّ اُلزَّمَانُ]، إِذَنْ فَهُنَاكَ شَيْءٌ سَمَّيْنَاهُ اِمْتِدَادًا أَوْ سَمَّيْنَاهُ إِمْكَانًا، إِنَّمَا تَعْرِضُ لَهُ اُلنِّسَبُ اُلْكَمِّيَةُ مِنْ طُولٍ وَقِصَرٍ، وَضِعْفٍ وَنِصْفٍ، فَهَلُمَّ جَرَّا. وَاُلْكَمُّ عَرَضٌ لاَ يَقُومُ إِلاَّ بِمَوْضُوعٍ ثَابِتٍ. إِذَنْ فَهَذَا الإِمْكَانُ هُوَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ، وَما ذَلِكَ إِلاَّ اُلزَّمَانُ.
17) [فَلَيْسَتْ هَذِهِ اُلْكَمِّيَاتُ… بِمَقَادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ]، وَإِنَّمَا حَصَرْنَا هَذَا اُلإِمْكَانَ فِي اُلزَّمَانِ فَقَطْ لِأَنَّ كُلَّ اُلأَشْيَاءِ الأُخْرَى الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ وَاحِدٌ مِنْهَا هُوَ هَذَا الإِمْكَانَ بِعَيْنِهِ وَاضِحٌ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ ذَاكَ فِيهِ أَصْلاً. وَقَدْ نُجْمِلُهَا فِي ثَلاَثَةِ أَشْيَاءَ وَهْيَ، إِمَّا اُلْعَالَمُ اُلْمَوْجُودُ، وَإِمَّا اُلْبَارِئُ تَعَالَى، وَإِمَّا نَفْسُ اُلْعَدَمِ اُلْمُتَقَدِّمِ عَلَى اُلْوُجُودِ. وَبَيِّنٌ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ اُلْعَالَمَ اُلْمَوْجُودَ، لِأَنَّ هَذَا الإِمْكَانَ إِنَّمَا هُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى وُجُودِ اُلْعَالَمِ. وَلاَ اُلْبَارِئُ، لِأَنَّ ذَاتَهُ تَعَالَى مُتَنَزِّهَةٌ عَنِ اُلْكَمِّ، وَهَذَا الإِمْكَانُ مِمَّا يَعْرِضُ لَهُ اُلتَّقْدِيرُ. وَلاَ اُلْعَدَمُ اُلسَّابِقُ، لِأَنَّ اُلْعَدَمَ لاَ شَيْءٌ، وَاُلتَّقْدِيرُ هُوَ عَرَضٌ لاَ يَقُومُ إِلاَّ بِشَيْءٍ. فَبَقِيَ أَنَّهُ هُوَ اُلزَّمَانُ.
18) [وَاُلْكَمِّيَةُ صِفَةٌ… هُوَ قَدْرُ اُلْحَرَكَةِ]، وَاُلْكَمِّيَةُ هِيَ عَارِضَةٌ لِشَيْءٍ ضَرُورَةً، وَهْيَ إِنَّمَا مِنْ جِهَةِ مَا هِيَ عَارِضَةٌ لِلشَّيْءِ هِيَ زَمَانٌ، لِذَلِكَ فَإِنَّ مَعْرُوضَهَا الأَوَّلَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلاَّ اُلْحَرَكَةَ، وَاُلزَّمَانُ إِنَّمَا هُوَ قَدْرُ اُلْحَرَكَةِ.
19) [فَإِذَنْ قَبْلَ اُلْعَالَمِ… عِنْدَكُمْ زَمَانٌ]، إِذَنْ فَقَبْلَ اُلْعَالَمِ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ حَادِثًا، هُنَاكَ زَمَانٌ لاَ مَحَالَةَ، وَهْوَ لَكَذَلِكَ لَيْسَ عِنْدَنَا فَقَطْ، بَلْ عِنْدَكُمْ أَيْضًا، وَإِذْ قُلْنَا عِنْدَكُمْ، فَلَيْسَ عَلَى مَعْنَى أَنَّكَمْ تُصَرِّحُونَ بِهِ قَوْلاً، بَلْ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الأَصْلَ الَّذِي تَتَقَلَّدُونَهُ وَهْوَ أَنَّ اللهَ قُدْرَتُهُ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ، فَإِنَّ اُلْقِيَاسَ اُلْمُبْتَدِئَ مِنْهُ إِنَّمَا يُفْضِي ضَرُورَةً إِلَى هَذَا اُلْحُكْمِ اُلْمَذْكُورِ.
-II قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “الاِعْتِرَاضُ، إِنَّ كُلَّ هَذَا مِنْ عَمَلِ اُلْوَهْمِ1 وَأَقْرَبُ طَرِيقٍ فِي دَفْعِهِ اُلْمُقَابَلَةُ لِلزَّمَانِ بِاُلْمَكَانِ2، فَإِنَّا نَقُولُ هَلْ كَانَ فِي قُدْرَةِ اللهِ أَنْ يَخْلُقَ اُلْفَلَكَ الأَعْلَى فِي سُمْكٍ أَكْبَرَ مِمَّا خَلَقَهُ بِذِرِاعٍ. فَإِنْ قَالُوا لاَ، فَهْوَ تَعْجِيزٌ، وَإِنْ قَالُوا نَعَمْ، فَبِذِرَاعَيْنِ، وَثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ، وَكَذَلِكَ يُرْتَقَى إِلَى غَيْرَ نِهَايَةٍ3. فَنَقُولُ فِي هَذَا إِثْبَاتُ بُعْدٍ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ لَهُ مِقْدَارٌ وَكَمِّيَةٌ، إِذَ الأَكْبَرُ بِذِرَاعَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ مَا يَشْغُلُ مَكَانًا أَكْبَرَ مِنْ مَكَانٍ يَشْغُلُهُ الأَكْبَرُ بِذِرَاعٍ، فَوَرَاءَ اُلْعَالَمِ بِحُكْمِ هَذَا كَمِّيَةٌ، فَتَسْتَدْعِي ذَا كَمٍّ وَهْوَ اُلْجِسْمُ أَوِ اُلْخَلاَءُ، فَوَرَاءَ اُلْعَالَمِ خَلاَءٌ أَوْ مَلاَءٌ. فَمَا اُلْجَوَابُ عَنْهُ4. وَكَذَلِكَ هَلْ كَانَ الله قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ كُرَةَ اُلْعَالَمِ أَصْغَرَ مِمَّا خَلَقَهَا بِذِرَاعٍ ثُمَّ بِذِرَاعَيْنِ. وَهَلْ بَيْنَ اُلتَّقْدِيرَيْنِ تَفَاوُتٌ فِيمَا يَنْتَفِي مِنَ اُلْمَلاَءِ5 وَاُلشُّغْلِ لِلأَحْيَازِ، إِذِ اُلْمَلاَءُ اُلْمُنْتَفِي عِنْدَ نُقْصَانِ ذِرَاعَيْنِ أَكْثَرُ مِمَّا يَنْتَفِي عِنْدَ نُقْصَانِ ذِرَاعٍ فَيَكُونُ اُلْخَلاَءُ مِقْدَارًا، وَاُلْخَلاَءُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَكُونُ مِقْدَارًا6. وَجَوَابُنَا فِي تَخْيِيلِ اُلْوَهْمِ تَقْدِيرَ الإِمْكَانَاتِ اُلزَّمَانِيَّةِ قَبْلَ وُجُودِ اُلْعَالَمِ كَجَوَابِكُمْ فِي تَخْيِيلِ اُلْوَهْمِ تَقديرَ الإِمْكَانَاتِ اُلْمَكَانِيَّةِ وَرَاءَ وُجُودِ اُلْعَالَمِ وَلاَ فَرْقَ7.
شَرْحٌ -II-
1) [الاِعْتِرَاضُ… عَمَلِ اُلْوَهْمِ]، وَاعْتِرَاضُ اُلْغَزَالِيِّ أَنَّ هَذِهِ الإِمْكَانَاتِ اُلْمُقَدَّرَةَ الَّتِي أَثْبَتُّمُوهَا، وَقُلْتُمْ إِنَّهَا هِيَ اُلزَّمَانُ إِنَّمَا هِيَ وَهْمٌ مَحْضٌ. وَهَذَا اُلتَّأْكِيدُ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَفْهُومًا، لِأَنَّ اُلْخَيَالَ أَوِ اُلْوَهْمَ قَدْ يَدْخُلُ فِي بِنَاءِ اُلْمَعَانِي اُلصَّحِيحَةِ، إِذَا كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى شَيْءٍ حَقِيقِيٍّ مَوْجُودٍ، كَحَالِهِ مَعَ اُلْعَقْلِ الَّذِي لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُحَصِّلَ اُلصُّوَرَ اُلْمَعْقُولَةَ لِلْمَحْسُوسَاتِ اُلْمَوْجُودَةِ إِلاَّ بِوَسَاطَةِ اُلْخَيَالِ.
2) [وَأَقْرَبُ طَرِيقٍ… لِلزَّمَانِ بِاُلْمَكَانِ]، وَهُنَاكَ طَرِِيقٌ لاَ نَحْتَمِلُ فِيهِ عَنَاءَ اُلْبَحْثِ لِدَفْعِ الإِلْزَامِ الَّذِي أَلْزَمْتُمُونَا إِيَّاهُ، وَهْوَ مُشَابَهَةُ اُلزَّمَانِ مِنْ هَذِهِ اُلْجِهَةِ بِاُلْمَكَانِ.
3) [فَإِنَّا نَقُولُ هَلْ… إِلَى غَيْرَ نِهَايَةٍ]، وَنَبْدَؤُهُ مِنْ ذَا : إِنَّ اُلْفَلَكَ اُلأَعْلَى اُلْمُحِيطَ بِاُلْعَالَمِ، وَهْوَ فَلَكُ اُلثَّوَابِتِ قَبْلَ بَطْلَيْمُوسْ، أَوِ اُلْفَلَكُ اُلْغَيْرُ مُكَوْكَبِ عِنْدَهُ، إِنَّمَا هُوَ مَعْلُومٌ قَدْرُ سَمْكِهِ. وَإِذْ أَنَّ اُلْفَلَكَ هُوَ جِسْمٌ كُرِّيٌّ يُحِيطُ بِهِ سَطْحَانِ مُتَوَازِيَانِ مَرْكَزُهُمَا مَرْكَزُ اُلْعَالَمِ، فَسَمْكُ اُلْفَلَكِ هُوَ اُلْبُعْدُ الَّذِي بَيْنَ ذَيْنِكَ اُلسَّطْحَيْنِ اُلْمُسَمَّى قَدِيمًا ثِخَنًا. فَسُؤَالُ اُلْغَزَالِيِّ لِلْفَلاَسِفَةِ هَلْ كَانَ اللهُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ هَذَا اُلسَّمْكَ أَكْبَرَ مِمَّا خَلَقَهُ بِذِرَاعٍ، ثُمَّ بِذِرَاعَيْنِ، ثُمَّ بِثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ، وَكَذَلِكَ يُرْتَقَى إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ. وَهُمْ لاَ بُدَّ أَنْ يُجِيبُوا بِنَعَمْ، لِأَنَّ “لاَ” إِنَّمَا تُوجِبُ وَصْفَ اُلْبَارِئِ تَعَالَى بِاُلْعَجْزِ، لِأَنَّ عِنْدَهُمْ كَمَا هُوَ عِنْدَنَا، كُلُّ مَا لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ مَقْدُورَاتِهِ قَطْعًا.

4) [فَنَقُولُ فِي هَذَا إِثْبَاتُ… فَمَا اُلْجَوَابُ عَنْهُ]، لَكِنْ هَذِهِ اُلزِّيَادَةُ اُلْجِسْمِيَّةُ اُلْمَفْرُوضَةُ عَلَى مِقْدَارِ اُلْعَالَمِ، بِمِقْدَارِ ذِرَاعٍ أَوْ أَكْثَرَ، إِنَّمَا تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ بِاُلْفِعْلِ مَكَانًا يَسَعُ هَذِهِ اُلزِّيَادَةَ. وَلَمَّا كَانَ اُلإِمْكَانُ فِي اُلزِّيَادَةِ اُلْجِسْمِيَّةِ غَيْرَ مَحْدُودٍ، إِذَنْ فَاُلإِمْكَانُ اُلْمُحِيطُ بِهَذَا اُلْعَالَمِ هُوَ غَيْرُ مُتَنَاهٍ، وَهْوُ كَمِّيَةٌ ذَاتُ أَجْزَاءٍ. فَوَرَاءَ اُلْعَالَمِ خَلاَءٌ أَوْ مَلاَءٌ. وَتَصْوِيرُ مَعْنَى اُلْكَلاَمِ قَدْ يَكُونُ بِهَذَا اُلْمِثَالِ، إِذْ لَوْ غَرَسْنَا فَسِيلَةً فِي بَيْتٍ قَصِيرِ الاِرْتِفَاعِ، ذَي سَقْفٍ رَقِيقٍ هَشٍّ، ثُمَّ إِنَّهَا بَعْدَ زَمَانٍ صَارَتْ شَجَرَةً وَزَادَ طُولُهَا، فَإِنَّ تِلْكَ اُلزَّيَادَةَ فِي مِقْدَارِ اُلشَّجَرَةِ سَوْفَ تَقْتَضِي حَتْمًا مَكَانًا تَشْغَلُهُ وَلَيْسَ لَهَا مِنْ غِنًى أَلْبَتَّةَ عَنْهُ. وَاُلدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ مَا نَرَاهُ مِنْ خَرْقِهَا لِلسَّقْفِ، وَاِمْتِدَادِهَا إِلَى وَرَائِهِ.
وَقَوْلُهُ فَمَا اُلْجَوَابُ عَنْهُ، فَفِي مَعْنَى أَنَّ هَذَا عِنْدَكُمْ إِنَّمَا هُوَ مُحَالٌ. لِأَنَّ هَذَا اُلْبُعْدَ الَّذِي يَزِيدُ بِزِيَادَةِ اُلْجِسْمِ فِي اُلْفَرْضِ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَلاَءً، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَلاَءً. فَإِنْ كَانَ مَلاَءً، فَهْوَ جِسْمٌ بِاُلْفِعْلِ غَيْرُ مُتَنَاهٍ، وَقَدْ مَنَعْتُمْ ذَلِكَ فِي اُلطَّبِيعِيَّاتِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَلاَءً، وَاُلْخَلاَءُ لاَ شَيْءٌ، وَاُلتَّقْدِيرُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِضَ لِلْعَدَمِ. لَكِنَّ هَذَا اُلْمَعْنَى اُلْمُتَوَهَّمَ هُوَ مِمَّا يَعْرِضُ لَهُ اُلتَّقْدِيرُ، فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَلاَءً. وَإِذِ اِمْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مَلاَءً أَوْ خَلاَءً، فَلاَ جَرَمَ أَنَّكُمْ تَقْضُونَ فِيهِ بِأَنَّهُ فَقَطْ إِنَّمَا هُوَ مِنْ صُنْعِ اُلْوَهْمِ، وَأَنَّ لِلْعَالَمِ نِهَايَةً فِي اُلْمِقْدَارِ لاَ مَحَالَةَ.
5) [فِيمَا يَنْتَفِي مِنَ اُلْمَلاَءِ]، فِي اُلنُّسْخَةِ اُلْمَطْبُوعَةِ مَوْجُودٌ “اُلْخَلاَءِ”، وَهْوَ خَطَأٌ، بَلِ اُلصَّوَابُ “اُلْمَلاَءِ”.
6) [وَكَذَلِكَ هَلْ كَانَ الله قَادِرًا… فَكَيْفَ يَكُونُ مِقْدَارًا]، وَكَمَا بَانَ الأَمْرُ بِفَرْضِ زِيَادَةٍ مُطَّرِدَةٍ عَلَى سَمْكِ اُلْعَالَمِ اُلْمَوْجُودِ، كَذَلِكَ هُوَ يَبِينُ أَيْضًا بِفَرْضِ نُقْصَانٍ مُطَّرِدٍ فِي هَذَا اُلسَّمْكِ. لِأَنَّهُ فِي قُدْرَةِ الإِلاَهِ تَعَالَى أَنْ يَخْلُقَ عَالَمًا أَصْغَرَ مِنْ هَذَا بِذِرَاعٍ، ثُمَّ بِذِرَاعَيْنِ، وَهَكَذَا. فَكَانَ سَيَكُونُ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ اُلأَخِيرِ مَكَانٌ كَانَ يَشْغَلُهُ اُلْجُزْءُ مِنْ جِسْمِ اُلْعَالَمِ اُلْمَوْجُودِ اُلَّذِي يَفْضُلُ بِهِ هَذَا اُلْعَالَمُ عَلَى اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ الأَخِيرِ. وَإِذْ أَنَّ هَذَا اُلْجِسْمُ هُوَ مُقَدَّرٌ، كَذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا اُلْمَكَانَ إِنَّمَا يَلْحَقُهُ اُلتَّقْدِيرُ اُلتَّابِعُ لِتَقْدِيرِ اُلْجُزْءِ اُلْجِسْمِيِّ. فَإِذَنْ كَانَ سَيَكُونُ هُنَاكَ خَلاَءٌ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ اُلْمَفْرُوضِ الأَخِيرِ، ويَكُونُ مِقْدَارًا، وَاُلْخَلاَءُ إِذْ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَلاَ يَكُونُ مِقْدَارًا. وَاُلْغَزَالِيُّ لَمْ يَذْكُرِ اُلْمَلاَءَ، لِأَنَّ اُلْمَلاَءَ هُوَ جِسْمٌ، وَمَا يَنْتَفِي مِنَ اُلْعَالَمِ بِمِقْدَارِ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ، فَهَلُمَّ جَرَّا، فَهْوَ جِسْمٌ، فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى جِسْمٌ فِي اُلْحَيْزِ الَّذِي كَانِ فِيهِ بَعْدَ اِنْتِفَائِهِ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ جِسْمَانِ قَدْ كَانَا مُتَدَاخِلَيْنِ، وَهْوَ مُحَالٌ. وَقَوْلُهُ “وَهَلْ بَيْنَ اُلتَّقْدِيرَيْنِ تَفَاوُتٌ فِيمَا يَنْتَفِي مِنَ اُلْمَلاَءِ وَاُلشُّغْلِ لِلأَحْيَازِ، إِذِ اُلْمَلاَءُ اُلْمُنْتَفِي عِنْدَ نُقْصَانِ ذِرَاعَيْنِ أَكْثَرُ مِمَّا يَنْتَفِي عِنْدَ نُقْصَانِ ذِرَاعٍ” يُرِيدُ أَنَّ اُلْمَقَادِيرَ اُلْمُتَوَهَّمَةَ مَنْقُوصَةً مِنَ اُلْعَالَمِ اُلأَوَّلِ هِيَ ذَاتُ نِسَبٍ بَيْنَهَا، وَهَذِهِ اُلْمَقَادِيرُ إِنَّمَا يَتْبَعُ تَوَهُّمَهَا تَوَهَّمُ أَحْيَازٍ تَكُونُ مَوْجُودَةً فِيهَا شَاغِلَةً لَهَا. وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اُلأَحْيَازُ بِنَفْسِهَا إِنَّمَا هِيَ مَلاَءٌ، لِلاِمْتِنَاعِ اُلْمَذْكُورِ. إِذَنْ فَهْيَ خَلاَءٌ. وَلاَ بُدَّ أَنَّهُ بِقَدْرِ مَا يَنْقُصُ مِنْ مَلاَءٍ، فَإِنَّمَا يَظْهَرُ مِنْ خَلاَءٍ. وَلَكِنْ مَا بَيْنَ اُلْمَقَادِيرِ اُلْمَنْقُوصَةِ اُلْمَفْرُوضَةِ إِنَّمَا هُنَاكَ نِسَبٌ مِنْ كِبَرٍ وَصِغَرٍ، فَهَلُمَّ جَرَّا. فَيَتْبَعُ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ أَنَّ اُلْخَلاَءَ أَيْضًا هُوَ ذُو أَجْزَاءٍ ذَاتِ نِسَبٍ بَيْنَهَا. إِذَنْ فَاُلْخَلاَءُ هُوَ مِقْدَارٌ، وَاُلْمِقْدَارُ إِنَّمَا هُوَ عَرَضٌ يَقُومُ بِمَوْجُودٍ، فَهْوَ مَوْجُودٌ. لَكِنَّ اُلْخَلاَءَ هُوَ عَدَمٌ، هَذَا خَلْفٌ. لِذَلِكَ كَانَ حُكْمُكُمْ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ لاَ يُمْكِنُ أَصْلاً أَنْ يَكُونَ أَصْغَرَ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ بِاُلْفِعْلِ.

7) [وَجَوَابُنَا فِي تَخْيِيلِ اُلْوَهْمِ… وَلاَ فَرْقَ]، كَذَلِكَ أَيَّتُهَا اُلْفَلاَسِفَةُ، فَكَمَا صَرَفْتُمْ هَذِهِ اُلْحُجَّةَ اُلظَّاهِرَةَ بِوُجُودِ إِمْكَانَاتٍ مُقَدَّرَةٍ لاَ مُتَنَاهِيَةٍ قَدْ تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ مَلاَءٌ أَوْ خَلاَءٌ، إِلَى اُلْوَهْمِ اُلصِّرْفِ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّ طَرِيقَ اُلْعَقْلِ إِنَّمَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ مُتَنَاهِيًا، فَإِنَّا نَحْنُ أَيْضًا إِنَّمَا نَصْرِفُ دَلِيلَكُمْ هَذَا بِوُجُودِ إِمْكَانَاتٍ مُقَدَّرَةٍ لاَ مُتَنَاهِيَةٍ قَبْلَ وَقْتِ اُلْعَالَمِ إِلَى اُلْوَهْمِ اُلصِّرْفِ، وَنَتَمَسَّكُ كَتَمَسُّكِكُمْ فِي اُلْمَكَانِ، بِأَنَّ اُلزَّمَانَ ذُو نِهَايَةٍ ضَرُورَةً. وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ اُلْمَكَانِ وَاُلزَّمَانِ مِنْ جِهَةِ صُورَةِ اُلْحُجَّةِ اُلْمُوهِمَةِ فِيهِمَا، لِأَنَّ مَنْزِلَةَ اُلْحَوَادِثِ اُلْمَفْرُوضَةِ إِلَى الإِمْكَانِ اُلْمَفْرُوضِ فِي اُلزَّمَانِ مُشَابِهَةٌ لِمَنْزِلَةِ اُلأَجْسَامِ اُلْمَفْرُوضَةِ إِلَى الإِمْكَانِ اُلْمَفْرُوضِ فِي اُلْمَكَانِ، إِذْ أَنَّ اُلإِمْكَانَ فِي كِلَيْهِمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ اُلْوِعَاءِ اُلْمُسْتَوْعِبِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
-III قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “فَإِنْ قِيلَ نَحْنُ لاَ نَقُولُ إِنَّ مَا لَيْسَ بِمُمْكِنٍ فَهْوَ مَقْدُورٌ، وَكَوْنُ اُلْعَالَمِ أَكْبَرَ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ أَوْ أَصْغَرَ مِنْهُ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ، فَلاَ يَكُونُ مَقْدُورًا1”.
شَرْحٌ -III-
1) [فَإِنْ قِيلَ نَحْنُ… فَلاَ يَكُونُ مَقْدُورًا]، وَاُلْفَلاَسِفَةُ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا عَلَى مَا قِيلَ بِأَنَّ اللهَ لاَ يُقَالُ عَاجِزٌ عَنِ اُلْمُمْتَنِعِ، بَلْ إِنْ كَانَ اُلشَّيْءُ فِي نَفْسِهِ مُمْكِنًا، فَهْوَ مَقْدُورٌ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ فَلَيْسَ بِمَقْدُورٍ، إِذَنْ فَلاَ يَلْحَقُ اُلْبَارِئُ مِنْهُ صِفَةُ اُلْعَجْزِ أَلْبَتَّةَ. وَاِمْتِنَاعُ اُلشَّيْءِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِذَاتِهِ بِلاَ بُرْهَانٍ، مِثْلَ اُلْجَمْعِ بَيْنَ اُلسَّوَادِ وَاُلْبَيَاضِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَعْرِفَتُهُ لاَ تُدْرَكُ إِلاَّ بِدَلِيلٍ، لِذَلِكَ فَقَدْ لاَ يَمْنَعُهُ اُلْعَقْلُ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ. وَكَوْنُ اُلْعَالَمِ أَكْبَرَ مِنْهُ أَوْ أَصْغَرَ، هُوَ مِنْ هَذَا اُلْبَابِ، أَعْنِي مِنْ بَابِ اُلْمُمْتَنِعِ فِي نَفْسِهِ الَّّذِي لاَ يُعْرَفُ إِلاَّ بِبُرْهَانٍ، وَقَدْ كُنَّا جِئْنَا بِهِ. إِذَنْ فَأَنْتَ إِنَّمَا بَنَيْتَ حُجَّتَكَ عَلَى أَنَّا قَدْ أَقْرَرْنَا لَكَ بِأَنَّ ذَلِكَ اُلأَمْرَ هُوَ مَقْدُورٌ، تَوَقِّيًا مِنْ نِسْبَةِ اُلْعَجْزِ لِلْبَارِئِ تَعَالَى. لَكِنْ نَحْنُ لاَ نُقِرُّ مَا أَقْرَرْتَنَا إِيَّاهُ، لِأَنَّ مَنْعَنَا لَهُ إِنَّمَا هُوَ مَنْعٌ لِشَيْءٍ مُسْتَحِيلٍ فِي نَفْسِهِ، فَلاَ يَلْحَقُهُ مِنْهُ إِذَنْ أَيُّ نَقْصٍ أَصْلاً.
-IV قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “وَهَذَا اُلْعُذْرُ بَاطِلٌ مِنْ ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا، أَنَّ هَذَا مُكَابَرَةٌ لِلْعَقْلِ، فَإِنَّ اُلْعَقْلَ فِي تَقْدِيرِ اُلْعَالَمِ أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ بِذِرَاعٍ لَيْسَ هُوَ كَتَقْدِيرِهِ اُلْجَمْعَ بَيْنَ اُلسَّوَادِ وَاُلْبَيَاضِ، وَاُلْوُجُودِ وَاُلْعَدَمِ، وَاُلْمُمْتَنِعُ هُوَ اُلْجَمْعُ بَيْنَ اُلنَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ، وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ اُلْمُحَالاَتُ كُلُّهَا، فَهْوَ تَحَكُّمٌ بَارِدٌ فَاسِدٌ1”.
شَرْحٌ -IV-
1) [وَهَذَا اُلْعُذْرُ بَاطِلٌ مِنْ ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ… فَهْوَ تَحَكُّمٌ بَارِدٌ فَاسِدٌ]، قَالَ اُلْغَزَالِيُّ بِأَنَّ هَذَا اُلْعُذْرَ الَّذِي لَكُمْ أَيُّهَا اُلْفَلاَسِفَةُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَسْبَابٍ ثَلاَثَةٍ. اُلسَّبَبُ الأَوَّلُ هُوَ أَنَّ حُكْمَكُمْ بِالإِحَالَةِ عَلَى إِمْكَانِ اِخْتِلاَفِ عِظَمِ اُلْعَالَمِ، إِنَّمَا هُوَ دَعْوَى بِاُللِّسَانِ وَتَجَنٍّ عَلَى اُلْعَقْلِ. لِأَنَّهُ لَوْ عَرَضَتْ لَهُ هَذِهِ اُلْقَضِيَّةُ لَمْ يَرَ فِيهَا الاِمْتِنَاعَ الَّذِي يَرَاهُ إِذَا أَحَبَّ أَنْ يُقَدِّرَ اُلْجَمْعَ بَيْنَ اُلسَّوَادِ وَاُلْبَيَاضِ، أَوِ اُلْوُجُودِ وَاُلْعَدَمِ. لِأَنَّ حَقِيقَةَ اُلْمُمْتَنِعِ هِيَ اُلْجَمْعُ بَيْنَ اُلنَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ. وَقَوْلُهُ” وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ اُلْمُحَالاَتُ كُلُّهَا” فَمَعْنَاهُ أَنَّ اُلشَّيْءَ اُلْمُحَالَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِنَفْسِهِ، كَاُلْجَمْعِ بَيْنَ اُلسَّوَادِ وَاُلْبَيَاضِ، وَإِمَّا أَنْ يَلْزَمَ مِنْهُ شَيْءٌ هُوَ مُحَالٌ مَعْرُوفٌ بِنَفْسِهِ. مِثَالُ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ اُلْهَنْدَسَةِ أَنَّ قُطْرَ اُلْمُرَبَّعِ لَوْ كَانَ لَهُ مَعَ ضِلْعِهِ مِقْدَارٌ مُشْتَرَكٌ، أَيْ مِقْدَارًا وَاحِدًا يُقَدِّرُهُ هُوَ، وَيُقَدِّرُ ضِلْعَهُ، لَكَانَتْ نِسْبَةُ مُرَبَّعِ اُلْقُطْرِ إِلَى مُرَبَّعِ اُلضِّلْعِ كَنِسْبَةِ عَدَدٍ مُرَبَّعٍ إِلَى عَدَدٍ مُرَبَّعٍ، بِمَا بَانَ فِي اُلشَّكْلِ اُلسَّابِعِ مِنَ اُلْمَقَالَةِ اُلْعَاشِرَةِ مِنْ أُصُولِ أُقْلِيدِسْ. وَلَكِنْ نِسْبَةُ مُرَبَّعِ اُلْقُطْرِ إِلَى مُرَبَّعِ اُلضِّلْعِ هِيَ كَنِسْبَةِ عَدَدِ اِثْنَيْنِ إِلَى اُلوَاحِدِ، بِمَا بَانَ فِي اُلشَّكْلِ اُلسَّابِع وَاُلأَرْبَعِينِ اُلْمُلَقَّبِ بِاُلْعَرُوسِ، مِنَ اُلْمَقَالَةِ اُلأُولَى مِنَ اُلأُصُولِ. وَوَاحِدٌ إِنَّمَا هُوَ مُرَبَّعٌ، لِأَنَّهُ ضَرْبُ وَاحِدٍ فِي وَاحِدٍ. إِذَنْ فَنِسْبَةُ الاِثْنَيْنِ إِلَى اُلْوَاحِدِ اُلْمُرَبَّعِ هِيَ كَنِسْبَةِ عَدَدٍ مُرَبَّعٍ إِلَى عَدَدٍ مُرَبَّعٍ. إِذَنْ فَالاِثْنَانِ هُوَ مُرَبَّعٌ، بِمَا بَانَ فِي اُلشَّكْلِ اُلثَّانِي وَاُلْعِشْرِينَ مِنَ اُلْمَقَالَةِ اُلثَّامِنَةِ مِنَ اُلأُصُولِ حَيْثُ قَدْ بُرْهِنَ بِأَنَّ كُلَّ عَدَدَيْنِ عَلَى نِسْبَةِ مُرَبَّعَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا مُرَبَّعٌ، فَالآخَرَ مُرَبَّعٌ. إِذَنْ فَالاِثْنَانِ مَعًا هُوَ مُرَبَّعٌ وَلَيْسَ بِمُرَبَّعٍ. وَهَذَا مُحَالٌ مَعْرُوفٌ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ اُلنَّفْيِ وَ الإِثْبَاتِ، وَكَانَ قَدْ لَزِمَ مِنْ مُحَالٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ، وَهْوَ اُلْقَوْلُ بِمُشَارَكَةِ اُلْقُطْرِ لِلضِّلْعِ. فَمَقْصُودُ اُلْغَزَالِيِّ إِذًا أَنَّ اُلْحُكْمَ بِجَوَازِ اِخْتِلاَفِ عِظَمِ اُلْعَالَمِ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ لاَ بِاُلاِمْتِنَاعِ اُلْمَعْرُوفِ بِنَفْسِهِ، وَهْوَ نَفْسُ اُلْجَمْعِ بَيْنَ اُلنَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ، وَلاَ بِاُلاِمْتِنَاعِ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَى اُلْمَعْرُوفِ بِنَفْسِهِ، فِي كُلِّ اُلأَحْوَالِ.
-V قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “اُلثَّانِي، أَنَّهُ إِذَا كَانَ اُلْعَالَمُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ مِنْهُ وَلاَ أَصْغَرَ، فَوُجُودُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ لاَ مُمْكِنٌ، وَاُلْوَاجِبُ مُسْتَغْنٍ عَنْ عِلَّةٍ، فَقُولُوا بِمَا قَالَهُ اُلدَّهْرِيُّونَ مِنْ نَفْيِ اُلصَّانِعِ وَنَفْيِ مُسَبِّبِ الأَسْبَابِ، وَلَيْسَ هَذَا مَذْهَبُكُمْ1.”
شَرْحٌ -V-
1) [اُلثَّانِي، أَنَّهُ إِذَا كَانَ اُلْعَالَمُ… وَلَيْسَ هَذَا مَذْهَبُكُمْ]، وَاُلسَّبَبُ اُلثَّانِي فِي عَدَمِ اِسْتِقَامَةِ عُذْرِكُمْ هُوَ أَنَّ حُكْمَكُمْ بِامْتِنَاعِ اِخْتِلاَفِ عِظَمِ اُلْعَالَمِ يُوجِبُ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ فِيمَا هُوَ عَلَيْهِ. وَإِذِ اُلْوُجُوبُ دَلِيلٌ عَلَى الاِسْتِغْنَاءِ، إِذَنْ فَاُلْعَالَمُ غَنِيٌّ بِذَاتِهِ. فَيَلْزَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَاعِلٌ مُبَايِنٌ لَهُ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ قَوْلُ اُلدَّهْرِيَّةِ اُلنَّافِيَةِ لِلصَّانِعِ، وَاُلْمُبْطِلَةِ لِمُسَبِّبِ الأَسْبَابِ. لَكِنَّ مَذْهَبَكُمْ أَنْتُمْ غَيْرُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى قَوْلِ أَرُسْطُو الَّذِي يُثْبِتُ مَبْدَأً أَوَّلاً غَيْرَ جِسْمَانِيٍّ هُوَ صُورَةُ اُلصُّوَرِ وَاُلْمُحَرِّكُ الَّذِي لاَ يَتَحَرَّكُ، أَوْ عَلَى قَوْلِ اِبْنِ سِينَا الَّذِي يَجْعَلُهُ مَبْدَأَ إِبْدَاعٍ وَفَيْضٍ لِلْعَالَمِ.
-VI قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “وَاُلثَّالِثُ، هُوَ أَنَّ هَذَا اُلْفَاسِدُ لاَ يُعْجِزُ اُلْخَصْمَ عَنْ مُقَابَلَتِهِ بِمِثْلِهِ1، فَنَقُولُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ وُجُودُ اُلْعَالَمِ قَبْلَ وُجُودِهِ مُمْكِنًا، بَلْ وَافَقَ اُلْوُجُودُ اُلإِمْكَانَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلاَ نُقْصَانٍ2. فَإِنْ قُلْتُمْ فَقَدِ انْتَقَلَ اُلْقَدِيمُ مِنَ اُلْعَجْزِ إِلَى اُلْقُدْرَةِ، قُلْنَا لاَ، لِأَنَّ اُلْوُجُودَ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا فَلَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا، وَامْتِنَاعُ حُصُولِ مَا لَيْسَ بِمُمْكِنٍ لاَ يَدُلُّ عَلَى اُلْعَجْزِ. وَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّهُ كَيْفَ كَانَ مُمْتَنِعًا فَصَارَ مُمْكِنًا، قُلْنَا وَلِمَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا فِي حَالٍ مُمْكِنًا فِي حَالٍ، كَمَا أَنَّ اُلشَّيْءَ إِذَا أُخِذَ مَعَ أَحَدِ اُلضِّدَّيْنِ اِمْتَنَعَ اِتِّصَافُهُ بِاُلآخَرِ، وَإِذَا أُخِذَ لاَ مَعَهُ أَمْكَنَ3. فَإِنْ قُلْتُمْ اُلأَحْوَالُ مُتَسَاوِيَةٌ4. قُلْنَا لَكُمْ وَاُلْمَقَادِيرُ مُتَسَاوِيَةٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ مِقْدَارٌ مُمْكِنًا، وَأَكْبَرُ مِنْهُ أَوْ أَصْغَرُ بِمِقْدَارِ ظُفْرٍ مُمْتَنِعًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَحِلْ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِلْ هَذَا5. فَهَذَا طَرِيقُ اُلْمُقَاوَمَةِ6.
وَاُلتَّحْقِيقُ فِي اُلْجَوَابِ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَقْدِيرِ الإِمْكَانَاتِ لاَ مَعْنَى لَهُ، وَإِنَّمَا اُلْمُسَلَّمُ أَنَّ اُلله تَعَالَى قَدِيمٌ قَادِرٌ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ اُلْفِعْلُ أَبَدًا إِنْ أَرَادَهُ وَلَيْسَ فِي هَذَا اُلْقَدْرِ مَا يُوجِبُ إِثْبَاتَ زَمَانٍ مُمْتَدٍّ إِلاَّ أَنْ يُضِيفَ اُلْوَهْمُ بِتَلْبِيسِهِ إِلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ7.”
شَرْحٌ -VI-
1) [وَاُلثَّالِثُ… عَنْ مُقَابَلَتِهِ بِمِثْلِهِ]، وَاُلسَّبَبُ اُلثَّالِثُ فِي بُطْلاَنِ هَذَا اُلْعُذْرِ هُوَ أَنَّ اُلْخَصْمَ، وَهْوَ اُلْمُتَكَلِّمُ الَّذِي يُثْبِتُ لِلزَّمَانِ أَوَّلاً، خِلاَفًا لِلْفَيْلَسُوفِ، سَيُمْكِنُهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَسْتَعْمِلَ نَفْسَ هَذَا اُلْعُذْرِ فِي اُلرَدِّ عَلَى إِلْزَامِ اُلْفَلاَسِفَةِ اُلْمَبْنِيِّ عَلَى وُجُوبِ إِقْرَارِ اُلْمُتَكَلِّمِ بِأَنَّ اُلْبَارِئَ تَعَالَى هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَدْ خَلَقَ اُلْعَالَمَ فِي أَيِّ وَقْتٍ آخَرَ قَبْلَ خَلْقِهِ، وَإِلاَّ فَسَيَكُونُ قَدْ أَثْبَتَ لَهُ اُلْعَجْزَ.
2) [فَنَقُولُ إِنَّهُ لَمْ… وَلاَ نُقْصَانٍ]، وَصُورَةُ هَذَا اُلاِسْتِعْمَالِ أَنْ نَقُولَ لِلْفَيْلَسُوفِ إِنَّا لَنْ نُقِرَّ لَكُمْ بِأَنَّ اُلْبَارِئَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْلُقَ اُلْعَالَمَ قَبْلَ خَلْقِهِ إِيَّاهُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا اُلْمَنْعِ إِلْحَاقٌ لِصِفَةِ اُلْعَجْزِ بِهِ أَصْلاً، لِأَنَّ اُلْمُمْتَنِعَ فِي نَفْسِهِ لاَ يَكُونُ مَعْجُوزًا عَنْهُ. بَلْ كَمَا تَقُولُونَ أَنَّ نَفْسَ اُلْمُمْكِنِ فِي ذَاتِهِ مِنْ عِظَمِ اُلْعَالَمِ أَنْ يَكُونَ عَلَى مِقْدَارِهِ، وَأَنَّ مَا زَادَ أَوْ نَقُصَ مُمْتَنِعٌ، كَذَلِكَ نَقُولُ إِنَّ نَفْسَ اُلْمُمْكِنِ فِي وَقْتِ اُلْعَالَمِ مَا كَانَ قَدْ وُجِدَ فِيهِ، وَأَنَّ مَا زَادَ مِنْهُ أَوْ نَقُصَ، فَهْوَ مُمْتَنِعٌ، فَلاَ يُوصَفُ اللهُ لاِمْتِنَاعِ فِعْلِهِ إِيَّاهِ بِاُلْعَاجِزِ أَلْبَتَّةَ.
3) [فَإِنْ قُلْتُمْ فَقَدِ انْتَقَلَ… لاَ مَعَهُ أَمْكَنَ]، وَقَدْ تَرُدُّ اُلْفَلاَسِفَةُ بَلْ هُنَاكَ فَرْقٌ، إِذْ فِي مِثَالِنَا لَيْسَ هُنَاكَ تَجَدُّدٌ مِنَ الاِسْتِحَالَةِ إِلَى الإِمْكَانِ، بَلِ الأَمْرُ فِي نَفْسِهِ هُوَ دَائِمًا عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الإِمْكَانِ وَهْوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى ذَلِكَ اُلْمِقْدَارِ بِعَيْنِهِ. أَمَّا عِنْدَكُمْ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ قَبْلَ خَلْقِهِ هُوَ مُمْكِنًا أَيْضًا، وَهُنَاكَ فَلَيْسَ يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَمْنَعُوا كَوْنَهُ مَقْدُورًا إِلاَّ مَعَ إِلْحَاقِ اُلْعَجْزِ بِهِ تَعَالَى، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ مُمْتَنِعًا قَبْلَ خَلْقِهِ، وَلَمْ يَصِرْ مُمْكِنًا إِلاَّ حِينَ خُلِقَ، وَهُنَاكَ فَأَنْتُمْ تُثْبِتُونَ اِنْقِلاَبَ اُلطَّبِيعَةِ مِنَ الاِسْتِحَالَةِ إِلَى الإِمْكَانِ، وَهْوَ مُحَالٌ. وَاُلْجَوَابُ هُوَ أَنَّا لاَ نُسَلِّمُ بِاُلْوَجْهِ اُلأَوَّلِ، بَلْ نَقُولُ إِنَّ اُلْعَالَمَ إِنَّمَا وَافَقَ إِمْكَانُهُ خَلْقَهُ. لِذَلِكَ فَلاَ يُقَالُ إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ، إِذْ لاَ عَجْزَ عَنِ اُلْمُمْتَنِعِ. إِذَنْ فَنَحْنُ إِنَّمَا نَأْخُذُ بِاُلْوَجْهِ اُلثَّانِي، وَلَكِنَّا نَمْنَعُ عَنْهُ اُللاَّزِمَ اُلْمُحَالَ الَّذِي أَوْجَبْتُمُوهُ. لِأَنَّ اِنْتِقَالَ اُلشَّيْءِ مِنَ اُلاِمْتِنَاعِ إِلَى اُلإِمْكَانِ لَيْسَ بِاُلضَّرُورَةِ هُوَ قَلْبًا لِطَبِيعَتِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ اُلإِمْكَانُ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ، فَمَا لَمْ يَكُنِ اُلشَّرْطُ كَانَ مُمْتَنِعًا، وَإِنْ صَحَّ اُلشَّرْطُ صَحَّ اُلإِمْكَانُ مِنْ غَيْرِ اِنْقِلاَبٍ فِي اُلطَّبِيعَةِ أَلْبَتَّةَ، مِثْلَ أَنَّ اُلشَّيْءَ يُوجَدُ لَهُ أَحَدُ اُلضِّدْيَنِ بِشَرْطِ اِرْتِفَاعِ اُلضِدِّ الآخَرِ، فَمَا وُجِدَ اُلضِدُّ الآخَرُ كَانَ مُمْتَنِعًا، فَإِنْ هُوَ اِرْتَفَعَ صَارَ مُمْكِنًا.
4) [فَإِنْ قُلْتُمْ اُلأَحْوَالُ مُتَسَاوِيَةٌ]، أَيْ وَإِنْ رَدَّتِ اُلْفَلاَسِفَةُ إِنَّ وَقْتَ خَلْقِ اُلْعَالَمِ وُكُلَّ اُلأَوْقَاتِ اُلأُخْرَى اُللاَّمُتَنَاهِيَةِ، هِيَ كُلُّهَا مُتَسَاوِيَةٌ، أَيْ مُتَشَابِهَةً، فَلَيْسَ لِوَقْتٍ عَلَى وَقْتٍ مِنْ خُصُوصٍ، إِذَنْ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطٍ مُتَجَدِّدٍ يَجْعَلُ لِوَقْتِ خَلْقِ اُلْعَالَمِ لَهُ صِفَةُ اُلإِمْكَانِ، مِنْ دُونِ سَائِرِ اُلأَوْقَاتِ اُلأُخْرَى جَمِيعِهَا، وَالَّتِي اُلْعَالَمُ هُوَ مَوْصُوفٌ فِيهَا بِاُلاِمْتِنَاعِ.
5) [قُلْنَا لَكُمْ وَاُلْمَقَادِيرُ… لَمْ يَسْتَحِلْ هَذَا]، كَذَلِكَ قُلْنَا لَكُمْ إِنَّ كُلَّ مَقَادِيرِ اُلْعَالَمِ هِيَ مُتَسَاوِيَةٌ، وَلَيْسَ لِمِقْدَارٍ عَلَى مِقْدَارٍ مَزِيَّةٌ فِي اُلإِمْكَانِ حَتَّى تَصِيرَ سَائِرُ اُلْمَقَادِيرِ اُلأُخْرَى كُلِّهَا مُمْتَنِعَةً، وَلَوْ زَادَتْ أَوْ نَقُصَتْ عَنِ مِقْدَارِ اُلْعَالَمِ بِمِقْدَارِ ظُفْرٍ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَحِلْ ذَلِكَ، أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِلْ أَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ بِاُلْوُجُوبِ، هُوَ عَلَى مِقْدَارٍ مَا مُتَنَاهٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَشَابِهَ اُلْحَالِ مَعَ اُلْمَقَادِيرِ اُلأُخْرَى كُلِّهَا، كَذَلِكَ فَاُقْبَلُوا مِنَّا بِأَنَّ لِلْعَالَمِ زَمَانًا مَا مُتَنَاهِيًا بِاُلْوُجُوبِ، وَإِنَ كَانَ مُتَشَابِهَ اُلْحَالِ مَعَ كُلِّ الأَوْقَاتِ اُلأُخْرَى.
6) [فَهَذَا طَرِيقُ اُلْمُقَاوَمَةِ]، قَدْ يَكُونُ اُلْمَقْصُودُ بِاُلْمُقَاوَمَةِ طَرِيقَةً فِي اُلْجَدَلِ تَقُومُ فَقَطْ عَلَى إِفْسَادِ حُجَجِ اُلْخَصْمِ، وَلاَ تَهْتَمُّ بِأَنْ تَأْتِيَ بِأَدِلَّةٍ لِلْوَضْعِ، يَعْجِزُ اُلْخَصْمُ عَنْ نَقْضِهَا.
7) [وَاُلتَّحْقِيقُ فِي اُلْجَوَابِ… بِتَلْبِيسِهِ إِلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ]، وَكَيْفَمَا دَارَ اُلأَمْرُ، فَاُلشَّيْءُ اُلثَّابِتُ هُوَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَنْ يَفْعَلَ اُلْفِعْلَ، وَأَنَّ مَا أَدَّعَيْتُمُوهُ مِنْ إِمْكَانَاتٍ لاَ مَعْنَى لَهُ، وَلاَ شَيْءَ مِمَّا قُلْتُمُوهُ إِنَّمَا يُوجِبُ إِثْبَاتَ زَمَانٍ مُمْتَدٍّ، بَلْ ذَلِكَ عِنْدَنَا إِنَّمَا هُوَ فَقَطْ مِنْ تَلْبِيسَاتِ اُلأَوْهَامِ.
ـــــــ
قَدْ بَقِيَ مِنَ اُلْمَسْأَلَةِ اُلأُولَى دَلِيلاَنِ سَنَأْتِي عَلَى شَرْحِهِمَا بِإِذْنِهِ تَعَالَى.
أَسْمَاءُ كُتُبٍ مَذْكُورَةٍ فِي اُلشَّرْحِ نَافِعٌ جِدًّا قِرَاءَتُهَا
1) ابْنُ سِينَا، اُلشِّفَاءُ، اُلإِلاَهِيَّاتُ، الهيئة العامّة لشؤون المطابع الأميريّة، القاهرة، 1380 هجريّة- 1960 ميلاديّة.
” ” ، اُلسَّمَّاعُ اُلطَّبِيعِيُّ، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1983.
” ” ، اُلنَّجَاةُ، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1405 هجريّة- 1985 ميلاديّة.
” ” ، اُلْمَقُولاَتُ، الهيئة العامّة لشؤون المطابع الأميريّة، القاهرة، 1378 هجريّة- 1959 ميلاديّة.
2) أَرُسْطُو، اُلسَّمَّاعُ اُلطَّبِيعِيُّ، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1404 هجريّة- 1984 ميلاديّة.
” ، اُلْمَقُولاَتُ، دار الفكر اللّبنانيّ، بيروت، 1999.
3) أُقْلِيدِسْ، اُلأُصُولُ، طبعة طهران 1880.
4) اُلإِيجِي، عَبْدُ اُلرَّحْمَانِ بْنِ أَحْمَدَ، اُلْمَوَاقِفُ، عالم الكتب، بيروت.
5) اُلسَّيِّدُ اُلشَّرِيفُ عَلِي بْنُ مُحَمَّدِ اُلْجُرْجَانِيِّ، شَرْحُ اُلْمَوَاقِفِ، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1419 هجريّة- 1998 ميلاديّة.





