عبد العزيز الظاهري
هل يوجد “نور” لظلام؟
نعم يوجد!، هذا ما رأيته بعيني قبل سته و خمسين عامًا.
في الواقع، لا أستطيع أن أصفه لكم بالتفصيل!
ولا أريد أن أقسم لكم كي تصدقوني، لكنني سأسمعكم بعض الدلالات التي جعلتني أراه.
واليكم قصتي :
في طفولتي كانت ظلمة الليل تَشُلُّ حركتي، تجعلني منكمشًا على نفسي، فما أن تتغطى السماء بسواده حتى أسمع دبيب مخلوقات تقترب مني، تحوم حولي، كانت عيناي المختبئتان تحت الغطاء لا تتوقفان، تدوران في محاجرهما طيلة الليل، وعندما أشعر بحاجتي لدورات المياه، تخرج فجأة من قلب الظلام أطياف مخلوقات، فأرتعد وأغرق نفسي كل ذلك حدث لي بسبب قصص جدتي المرعبة التي اعتادت رحمة الله عليها، أن تحكيها لنا. لم أكن أسمعها تحكي لنا قصص عن الحب؛ كانت قصصها، في الغالب، قصص إثارة مخيفة حيث يُعهد بالدور الرئيسي إلى مخلوقات أسطورية.
يبدو أن الحب والمرح أعداء لجدتي بينما الرعب والخوف أصدقاء مقربين اليها، انه أمر غريب.
اعتقد أن هناك سرًا كامنًا وراء هذه القصص؛ وهذا ما أراه بالتأكيد الآن، بعد تطوير عدستي الثاقبة لمواقف الناس في أيامنا هذه.
على كل حال بسبب ما يحدث لي كل ليلة ،كنت أشعر بالهوان، كنت أتمنى أن يتغير الحال، كنت أود أن أصبح مثل ذيبان، كم أنا مولع بهذا الرجل، فبطولاته التي يصعب تصديقها حاضرة في عقول الكبار والصغار، لقد أصبحتْ جزءًا من تراث القرى على طول الوادي.
أتذكر أنني رأيت ذيبان بشحمه ولحمه، في سوق القرية الكبير كان رجلًا طويلًا ضخمًا، يتطاير الشرر من عينيه، حصل ذلك بينما كنت مع الأطفال نحيط بمجنون سلمى (ثوبان) ونهتف مرددين:
ثوبان جن البشر جننوه
أخذوا سلمى وتركوه
هاج ثوبان وأخذ يركض خلفنا، فدخلنا ممرًّا يقف فيه ذيبان، وبمجرد رؤيته شعرنا بالخوف، فتفرقنا ليصطدم ثوبان المسكين به، فلطمه لطمة سمع صداها من كان في آخر السوق، فسقط ثوبان بالقرب مني، وقام من مكانه وانزوى بجانب أحد الدكاكين، وجلس ودفن رأسه بين فخذيه للحظة، ثم رفعه وحدق عميقًا في عينيّ.
أخافتني نظراته، فأشحت بعينيّ عنه، وأدرت ظهري، وأخذت أتجول في السوق، وعن طريق الصدفة رأيت فتًى في عمري لا أعرفه، قادمًا من قرية أخرى، تلاقت نظراتنا، وكذلك فعلت أرواحنا، وبدأت صداقتنا، وخرجنا معًا وجلسنا فوق ربوة تشرف على السوق، وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث، وكأننا نعرف بعض منذ زمن طويل.
أتذكر أنني سألته: كيف تقضي يومك؟ ضحك وقال: لا شيء سوى أنني أنام في النهار وأطوف بالليل والناس نيام.
فسألته: ماذا تقصد بـ”أطوف بالليل”؟!
وهنا بدأ يخبرني بأمور كنت أجهلها، كم كانت جميلة لم أسمع عنها من قبل، جعلتني أنظر للّيل المخيف نظرة أخرى.
ومن يومها أصبحت أطوف باللّيل مثل صديقي، أسمع الهمسات، أرى الحركات من خلال الثقوب العديدة المنتشرة على جدران الطين، وفي النهار أندسُّ بين النخيل لأنام في رقعة اخترتها بعناية بعيدة عن العيون.
ومع مرور الأيام أصبحت خبيرًا، وأكثر شراهة، لم أعد أكتفي بزيارات القرى القريبة، بل أقطع المسافات، وأغزو القرى البعيدة، خاصة في فصل الشتاء، صاحب الليل الطويل، موسم الكلمات الدقيقة والرقيقة.
كانت الجبال والتلال هي القنوات التي أسلكها للوصول إلى غايتي، كنت أتحاشى دائمًا غابات النخيل في الليل، رغم أنها صالحة “لنشاطي المريب”، لأنها مسكن الجن والهوام، كما تقول جدتي، وفي إحدى مغامراتي اللّيلية حصل ما كنت أخشاه، شعر بي أحدهم فصرخ: “حرامي… حرامي ..ففررت.”
استيقظ سكان القرية على الصرخة وصدى وقع أقدامي بين أزقة القرية الضيقة، شعرت بالخطر، فقررت أن أسلك الطريق الذي أكرهه، وانطلقت كالسهم، ودخلت غابات النخيل.
توغلت في الأحراش، كنت أتحسس طريقي على ما تبقى من ضوء القمر؛ الذي استطاع أن ينفذ من خلال سعف النخيل ويلامس الأرض.
وبعد أن قطعت مسافة طويلة، اختفى صوت مطارديّ، ولم يبقَ سوى أصوات ساكني الأحراش، يشاركها صوت أنفاسي، فشعرت بالأمان وتوقفت عن الركض.
عندها افتكرت أني بين الجنِّ والهوام، إنهم يحيطون بي، ينظرون إلي، فمساكنهم على الأرض فوق الجذوع والأغصان.
ازداد إيقاع قلبي، فأخذت ألتفت مرعوبًا في جميع الجهات، أرفع قدمًا وأنزل أخرى بكل هدوء على الأرض المليئة بالحشائش الجافة، كانت عيناي وجميع حواسي تعمل بأقصى طاقتها.
توقفت، اختبأت خلف جذع نخلة عندما رأيت منظرًا لن أنساه ما حييت.
رأيت ثوبان “مجنون سلمى”، يلوّح بعصًا غليظة في وجه ذيبان المرعب، بينما كان ذيبان جاثيًا على ركبتيه يطلب الرحمة منه.
كان ثوبان يصرخ في وجه ذيبان مرددًا: أتسخر مني أيها الأحمق؟ وأنا من صنعك، أهذا كل ما جنيته خلال هذا الأسبوع؟
أقسم بالله أن هذا كل ما حصلت عليه.
أتعلمُ لو اكتشفت خلاف ذلك ماذا سيحصل لك؟
أقسم بالله أن هذه هي الحقيقة يا سيدي.
فركله ثوبان وصرخ: هيا قم واغرب عن وجهي.
وبمجرد أن اختفى ذيبان خلف جذوع النخل وظلمة الليل، وقف ثوبان برهة من الزمن، طاف خلالها بنظره في المكان دافعًا رأسه للأمام، فرأيت عينيه، تذكرتهما، تذكرت بريقهما عندما رأيته أول مرة في السوق.
غادر ثوبان وضللت في مكاني ملتصقًا بجذع النخلة حتى طلعت شمس الصباح، لم يكن ذلك بسبب الخوف، بل كنت مبهورًا لاكتشافي أن للظلام ضوء !!


