عبدالعزيز الظاهري
من عشه فوق شجرة النخيل شاهد الغراب الكلب، يجري بلا هدى كالمجنون يحمل شيئاً بين فكيه، وأخيراً توقف وأخذ يحوم برأسه متصفحاً الموقع، ثم أسرع واختبأ خلف كثيب من الرمل لدقائق، وخرج يعدو وكأن مخلوقاً مفزعاً يتعقب أثره، هذا ما شاهده الغراب من عشه فوق شجرة النخيل الطويلة التي تشرف على الوادي بأكمله
في اليوم التالي رأي الغراب من عشه الكلب بين كثبان الرمال يتصفح الأرض بأنفه، كان يظهر ويختفي من خلف كثبان الرمال، ظل يفعل ذلك لمدة أربعة ساعات، يتوقف ثم يستأنف نفس النشاط بلا كلل ولا ملل.
فجأة اختفى ولم يعد الغراب يراه، فخاف أن يكون قد أصابه مكروه أو مات، فأطلق جناحيه، أراد أن يتحقق من الأمر.
وبمجرد وصوله إليه وجده يرتجف، فسأله: هل أنت على ما يرام؟
نظر إليه بحزن وأسى، وقال: إنني أشعر بالجوع، لقد فقدت عظمة دفنتها بالأمس تحت الرمال.
فقال الغراب: ألا تعلم أين دفنتها؟
فقال: لقد نسيت، أنني متأكد أنها موجودة تحت هذه البراري، لكن أين؟ لا أعلم؟!
فقال الغراب: آه .. يا لك من مسكين، واقترب منه وهي يردد: كان بإمكانك أن تضع إشارة أو علامة تهديك إليها.
فقال الكلب له مستنكراً: لم يحصل وأن فكر كلبا في هذا الأمر، فنحن معشر الكلاب لدينا حاسة الشم هي التي تهدينا.
ضحك الغراب ساخرا منه وفرد جناحيه وحلق لعدد من الأمتار ثم هبطت وأشار بجناحه إلى الكلب وقال: احفر هنا.
وبمجرد أن حفر الكلب شم رائحة عظمته، فسال لعابه وأخذ يحفر بأقصى جهده، أخيراً ظهرت العظمة له فتناولها بأنيابه واخذ يقضمها بشراهة، وبعد أن شعر بالشبع شكر الغراب وغادر المكان.
بعد عدة أيام رأى الغراب نفس الكلب يدور في البرية وهو يحمل عظمة بين فكيه، وبعد تردد اختار مكاناً وأخذ يحفر حفرة، وبمجرد انتهائه رمى بعظمته داخل الحفرة وقام بدفنها، وما أن انتهى من تغطية الحفرة أخذ يحوم حول المكان خافضاً رأسه يمسح الموقع بحاسة شمه وهو يحرك ذيله بلا هوادة، ثم رفع رأسه وانطلق مغادراً المكان، يختفي ويظهر بين كثبان الرمل.
عندها صرخ الغراب فيه بغضب قائلا: توقف أيها الأحمق.
توقف الكلب وأخذ ينظر إليه متعجباً وقال: ماذا تريد ؟!
فقال له الغراب: هل وضعت علامة كي تستدل على عظمتك؟
نظر إليه الكلب نظرة طويلة ثم قال: لا .. لا .. لم أترك أي معلم، أخاف إن فعلت ذلك أن أفقد حاسة الشم التي ورثتها من الأجداد، إنه سلوك وعادة لدينا نحن معشر الكلاب!


