عماد عبيد
لست ملفوفاً بجسدٍ، ولا ملموماً على روحٍ، لستُ هارباً منْ عباءةِ الهواءِ، ولا متقمطاً كفنَ الترابِ، أراوغُ هذا الغروبَ ظاعناً إلى غفلةِ الزمنِ، أشمُّ دخانَ المكيدةِ قبلَ أنْ يتخثرَ السطوعُ في الفوانيسِ الكليلةِ، أفتحُ النوافذَ للأرواحِ الشرهةِ، أطلقُها لترعى بيادرَ النميمةِ.
ما أنا الجارحُ لبضاضةِ اللغةِ، ولا المجروحُ منْ فظاظةِ المعنى، تجاوزتُ سقفَ السّموِ ولم أبلغْ سنَّ الصراطِ، ضحكتي ترفعني حتى رواسي النهى، ودمعتي بلسمٌ يُهجعُ حكّةَ الذنوبِ.
شيّعتُ مباهجي إلى كرومِ المسرّةِ، وتسلقتُ داليةَ الرغائبِ، أشرفَ القلبُ على الرجاءِ، وعينايَ تلوكانِ سرابَ المسافةِ، أخافُ أنْ أنساقَ إلى مغبّةِ الحنينِ ، فيغلبني جشعُ الغرامِ.
كنتُ الأبَ الضالَ عنْ قطيعِ الوداعةِ، خمشتُ خدَّ الغيمِ وربّتُ على كتفِ النارِ، يومها سالَ لعابُ النصلِ حينَ تعرّى صدرُ الغوايةِ، حزَّ نحرَ الأصيلِ وخضّبَ ثوبَ الشفقِ.
هويتُ إلى التلالِ الخاشعةِ حاملاً في قفّةِ رأسي بعضَ حريقٍ، ستلحقني ساقاي يومَ تشمّرُ النفسُ عنْ حُسنِ ظنها، قدْ تبتلعني غابةٌ عذراءُ لأشفي غليلَ صبرِها، قد يتقيؤني حوتُ يونسَ فأصيرُ نبياً.
سأقصُّ الأوبارَ الغضّةَ عنْ جلدِ الحكايا، وأرهقُ الحبرَ ليلوثَ شفاهَ القصائدِ، وسأهرقُ ما استطعتُ منَ الغرورِ، فغريمي عاقرٌ كمرجِ الشوكِ، ونديميِ جاحدٌ كنجيلةِ الحقلِ.
أضفتُ مدائنَ الهوى إلى أطلسِ الغنائمِ، أطلقتُ حمائمي لتؤنسَ خلوةَ الأرجوانِ، وفيّضتُ وسامتي في الدروبِ الفتيّةِ، صارتِ الخلاخيلُ تصلصلُ في أرساغِ القصبِ، وانهمرَ اللهاثُ منَ أفواهِ السواقي، أينعتِ الأرحامُ عقباناً تطاردُ نوارسَ المشيئةِ، وابتلى الشعرُ بفارسٍ ملثمٍ، يلكزُ بمهاميزِ غيّهِ القصائدَ الفاجرةِ لتهزَّ أردافها الرعناءَ، وتدلقَ اكتنازَ صدرها فوقَ كؤوسِ العطاشِ، وعجزُها المربربُ يشنُّ غاراتَهُ على الجيوشِ المحاصرةِ بين شفيرِ الشهوةِ وسياطِ الندمِ.
إذا ما تثائبَ الضلالُ، وانصاعتِ الخيانةُ لنداءاتِ اللذائذِ، منْ سيروضُ توحشَ الصهيلِ، أو يكبحُ غلمةَ الخرسِ، سيعلو الارتواءُ إلى ذروةِ النصاعةِ، ويسقطُ الهلعُ في حديقةِ الفوضى، سيرتطمُ بالزحامِ، ويتمطى العنادُ فوقَ لبّادِ الثملِ، فثمةَ جموحٌ يانعٌ يشدُّ ركائبَ أطماعِهِ إلى الفجاجِ البكرِ.
لستُ مشدوداً إلى شهقةِ البداياتِ، ولا ممسوساً برعشةِ النهاياتِ، تعتريني حمّى التناسي أن أبقى في حالةِ خدرٍ قصوى حتى يحينُ موعدُ الصيدِ، فأفلتُ هيبتي صوبَ الأنوفِ الشمِّ، عاطراتِ الجِيدِ، وأتركُ أجراسَ النهمِ تقلقُ راحةَ الموتى حتى اشتعالَ الأضرحةَ باليقظةِ العارمةِ.
آنَ لهذا العشقِ الوثني أنْ يفترسَ حملانَ الطّاعةِ، أنْ يخرجَ منْ مدخنةِ الاختناقِ ويجترعَ المعصيةَ قبلَ فواتِ التوبةِ، أنْ يهدمَ أسوارَ مدائحهِ ويتركُها نُهبى لحظوظِ النردِ، أنْ يصعدَ أعالي التقوى ويزحفَ إلى قاعِ الظنِّ، فالإيمانُ فخُّ اليقين، والقلقُ طيفٌ بلا عمامةٍ.
ما بينَ ورطةِ الفحولةِ وكمائنِ الأنوثةِ تسري المواعيدُ الناعمةُ، فنبتلي بالانتصاراتِ النكراءِ والهزائمِ المؤزرةِ.
نمضي إلى رجفةِ الانطفاءِ برشاقةِ اللهبِ، نجترُّ مزحةَ الحياةِ كمضغِ الحصى، ونورقُ تحتَ ركامِ الأزلِ.
…
آذار 2024


