المجلة الثقافية الجزائرية

عن روسيا التي تنجب أدباء وشعراء أكثر من القادة

ألكسي زينزيونوف – ترجمها عن الروسية: سمير رمان

جرت في موسكو، خلال القرن العشرين، خمس جنازات يمكن وصفها بالجماهيرية. في هذه الجنازات، ودّعت العاصمة اثنين من القادة، وثلاثة شعراء كبار. تشير هذه النسبة إلى أنّ روسيا تنجب أدباء كبار أكثر من القادة. ولهذا، يخشى القادة الأدباء العظام. وبإمكاننا رؤية هذا التأثير، إذا أخذنا قصة التماثيل مثالًا، حيث نجد خرابًا كليًا، أو جزئيًا، قد لحق بتماثيل القادة البلاشفة، بينما بقيت تماثيل الشعراء سليمة، لم تمسّ بسوء.

 جرى أوّل تشييعٍ جماهيري لقائد الثورة البلشفية، ومؤسس الاتحاد السوفييتي، في عام 1924، حيث سجّي جثمان فلاديمير لينين في قاعة الأعمدة في قصر النقابات، وتوافدت الجماهير إلى القاعة تلك لتلقي نظرة الوداع على جثمانه. حينها، رثا شاعر روسيا الكبير، أوسيب ماندلستام(1) لينين، بأبياتٍ صارمة، جاء فيها:

\”أيتها الثورة،
أنت اليوم مختصرةٌ في طوابير،
واليوم طابوركِ الأعظم، والأخير
يتجه صوب شمس الليل،
صوب نعش الليل….\”.

كان من بين رواد قاعة الأعمدة، أيضًا، الشاعر المرهف الإحساس، سيرغي يسينين(2)، الذي وقف ساعاتٍ طوالًا يحدّق في جثمان لينين المسجّى بوقار. فلماذا أطال يسينين الوقوف، وماذا أراد أن يفهم في تلك الساعات؟ هل أراد أن يفهم كيف استطاع هذا الرجل الصغير تغيير وطن بأكمله، وطن يسينين، وكيف تمكّن من إرغام هذا الوطن المتنوع والمترامي الأطراف على العيش وفق قوانين جديدة تمامًا، وأن يخلق لشعب هذه البلاد حلمًا جميلًا جديدًا؟ هل حاول

\”إذا أخذنا قصة التماثيل مثالًا، نجد خرابًا كليًا، أو جزئيًا، قد لحق بتماثيل القادة البلاشفة، بينما بقيت تماثيل الشعراء سليمة، لم تمسّ بسوء\”

يسينين أن يقيس كل ما يحدث، أمامه الآن، على نفسه: فهو سيرحل قريبًا عن هذه الدنيا، وربما يتساءل، الآن، وهو ينظر إلى جثمان القائد، كيف سيشيّعه أبناء الشعب الذي أحبَّ في رحلته الأخيرة، كآخر شعراء القرية الروسية؟ يعلم يسينين، علم اليقين، أنّ ذلك سيحصل قريبًا جدًا (فقد عقد العزم نهائيًا على مغادرة هذا العالم).
في عام 1925، سيدفن يسينين على نفقة الدولة، كونه مؤلف قصائد أحبّتها الجماهير، وكانت، في الوقت نفسه، موضع تقدير من جانب السلطة السوفييتية. اخْتير قصر الصحافة الواقع في شارع نيكيتسكي مكانًا لوداع الشاعر المحبوب: منذ الصباح، بدأ طابور المنتظرين المصطفين لوداع الشاعر الفذّ بالتحرّك من شارع \”آربات\”، ولم يتوقف طوال الليل. كان النعش يرقد على عربة الجنازة. لولا خشية السلطات من تحوّل المشهد إلى ما يشبه المظاهرة الجماهيرية، لكان في إمكان الجماهير المشيِّعة حمل التابوت على الأكف حتى مقبرة فاجانكوفسكي. يتوجّس الكتاب والشعراء خيفةً من الضوضاء، ومن الإشاعات غير الضرورية التي تنتشر بسرعةٍ كالنار في الهشيم. وربما لهذا لم يحضر شاعر الثورة، ماياكوفسكي(3) الجنازة، وبدلًا من رثاء الفقيد مباشرةً، اكتفى بقصائد تؤكّد حقيقة أنّ موت الإنسان ليس بالشيء الجديد في الحياة.
في عام 1930، رحل ماياكوفسكي، فودّعته الجماهير من نادي الكتّاب الواقع في شارع فوروفسكي، وهو المكان نفسه، حيث كتب منه شاعر البروليتاريا أبياتًا ارتجالية سريعة بمناسبة الافتتاح:

لا أدري، هل أغنّي، أم أرقص،
فالابتسامة لا تفارق شفتي.
أخيرًا، سيكون للكّتاب
ناديهم الخاصّ.

تحاول خيّالة الشرطة كبح ضغط الجماهير المشيّعة. ويقال إنّ قرابة 150 ألف شخصٍ حضروا لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثمان الشاعر. وهذه لم تكن مبالغة على الإطلاق! إذ اضطرّت لجنة تنظيم مراسم الدفن لاتخاذ قرارٍ بـ: نقل الجثمان ليس إلى المقبرة، بل إلى المحرقة قرب كنيسة دونسكوي. لم يحضر من قادة البلاشفة سوى لوناتشارسكي(4)، الذي كان قد عزل وقتها من منصبه كمفوَّض للتعليم الشعبي. وبالتأكيد، لم يأت لوداع الشاعر ستالين،

\”يقال إنّ قرابة 150 ألف شخصٍ حضروا لوداع جثمان ماياكوفسكي، واضطرّت لجنة تنظيم مراسم الدفن لاتخاذ قرار نقل الجثمان ليس إلى المقبرة، بل إلى المحرقة قرب كنيسة دونسكوي\”

الذي سبق له ووصف الفقيد بـ\”الشاعر الأفضل والأكثر موهبةً\”.
في عام 1953، كان تشييع ستالين إلى مثواه الأخير. آلاف الكتب، عشرات الأفلام الوثائقية والفنية. قصائد شعرية عصماء، ومقالاتٌ نثرية مدبجة، تحدّثت جميعها عن جنازة ستالين، وعن عدد ضحاياه. ولكن، ربمّا جاءت أفضل الكلمات، التي تناسب الحدث الجلل، على لسان يوري تريفونوف(5) في روايته\” الزمان والمكان\”:
\”…. فجأةً، دخل الغرفة بردٌ شديد، انطلق منها صراخ غير إنسانيّ. لم يكن صراخ أطفالٍ، ولا نحيب شيوخٍ، أو نساء. بل الدماء هي من كانت تصرخ ممزّقةً الشرايين… ما ظهر من النافذة فجأةً تبيّن أنّه لم يكن أبدًا زحف الحشود الجماهيرية، ولم يكن شارعًا، أو صرخات المضطهدين، ولم يكن رياح فجرٍ باردة، بل كان زحف الزمن يتدحرج صاخبًا، نزولًا إلى ساحة (تروبنايا) الواقعة على الشارع الدائري الذي يلفّ قلب موسكو. كان هناك شيءٌ لا يُرى\”.
متجاوزًا الطابور الطويل، مخادعًا، بمكرٍ، الشرطة، وزاحفًا تحت الشاحنات، يتسلّل الشاعر والفنان ذو الخمسين عامًا، فلاديمير فيسوتسكي، وصديق له، مرتين إلى قاعة الأعمدة، ليلقيا النظرة الأخيرة على جثمان ستالين المسجّى هناك. بمجرّد عودته إلى بيته ليلًا، كتب الشعر عن موت ستالين.
مات فيسوتسكي عام 1980، أثناء أولمبياد موسكو. سجّي جثمان الشاعر في مسرحٍ يقع في شارع \”تاغانكا\”، حيث شكّل المواطنون، الذي جاءوا لوداع الشاعر – الفنان، طابورًا امتدّ تسعة كيلومترات كاملة. كان عشرات، بل ربما مئات الآلاف، في المكان الذي طوقته الشرطة، وقطعت الشوارع المؤدية إليه بالشاحنات والحافلات. الحرارة لا تطاق. ولكي لا تذبل الزهور التي أحضروها، رفع المشيعون مظلاتهم لحمايتها وأنفسهم من القيظ. لحظة خروج النعش من المسرح، انطلقت حناجر الحشد الهادئ بصرخة حزنٍ واحدة، وأُطلقت مئاتٌ من طيور الحمام لتحلّق في سماء موسكو.

ما الشيء المشترك بين هذه الجنازات الخمس؟

 قبل كلّ شيء، كان دور الدولة المهيمن في هذه المناسبات جميعها. فالدولة تقرر مكان وضع تابوت المتوفى، والمدّة المخصصة لإلقاء النظرة الأخيرة، والمقبرة التي سيوارى فيها الجثمان، والطريق الذي سيُنقل، أو يُحمل، عبره التابوت. الدولة هي المنظّم الرئيس ومخرج إجراءات التشييع والدفن. بالنسبة للقادة، إن كانت إجراءات السلطة مفهومةً، وتنسجم مع التجربة العالمية في مراسم دفن القادة، فإنّها تبدو مستغربةً عندما يتعلق الأمر بتشييع ودفن الشعراء. فقد كان

\”مات فيسوتسكي عام 1980، أثناء أولمبياد موسكو. وشكّل الذين جاءوا لوداع الشاعر – الفنان طابورًا امتدّ تسعة كيلومترات كاملة\”

من الممكن أن تجري الأمور بدون رقابة السلطات، ويترك للزملاء من الأدباء والشعراء، أو في حالة فيسوتسكي للمسرح نفسه، تولي الأمر برمتّه. فهل من سببٍ يدعو مرّةً أُخرى، كما يجري في عشاء التأبين حيث تدور الخمرة بالرؤوس، للصراخ تمجيدًا لوحش الكرملين متعدد الرؤوس، الذي يلتهم أفكارنا المضيئة وأرواحنا البريئة؟ أجل، لدى السلطة كثير من الأسباب، التي تجعلها تخشى تحوّل مراسم التشييع إلى مظاهرة سياسيّة. ففي روسيا القيصرية، تمّ دفن بيساريوف(6)، نيكراسوف(7)، وليف تولستوي بهذه الطريقة، ولم يكن لدى الشيوعيين نيّة في تكرار أخطاء النظام السابق! كما استوعبت السلطة الدروس المأساوية من جنازة زعيم الشعب جوزيف فيساريونوفيتش ستالين. يجب التحكم بتحركات الجماهير، وعدم السماح لها بملء شوارع موسكو الفرعية الضيقة، والأهمّ قمع أيّ فوضى بسرعةٍ وحزم، إذ سرت إشاعاتٌ تزعم أنّ السلطة أرادت زجّ قوات وزارة الداخلية الخاصّة أثناء جنازة فيسوتسكي، فهل كانت الإشاعة مجرد هراء؟ على الأرجح، أنّها كانت كذلك. فليس من الصعب تصور الانطباع، الذي سيتركه مثل هذا التصرف، على ضيوف الأولمبياد عندما يرون طوابير الجنود في الشوارع، وأيّة ضجّةٍ سيثيرها الغرب! سارت الأمور بسلاسة دون تدخل الجنود، فلم يصب، أو يخدش، أحدٌ أثناء التزاحم، يوم 28 تموز/ يوليو، ولم تقع على الإطلاق أيّة حوادث مرتبطة بمراسم التشييع.
في ما بعد، سيشعر كلّ من شارك أو شهد مراسم كلٍّ من تلك الجنازات بحلول \”الوعي والتنوير\” في عقولهم، وسيدركون أنّهم، كما غنّى فلاديمير فيسوتسكي(8) قصيدة \”الوعي والتنوير\”: لم يدفنوا شيئاً خالداً (لينين)، ولا مشاكساً مشاغباً (ماياكوفسكي)، ولا قائدًا متقمّصًا دور زعيم عصابة (ستالين)، وأنّهم لم يدفنوا محبوب الشعب (الشاعر يسينين – والشاعر المغنّي فيسوتسكي). هُم دفنوا في تلك الجنازات: حلمًا بثورة اجتماعية تأتي بالخير للجميع، دفنوا حلمًا كان يحاول بناء عالمٍ جديد من دون إرهابٍ، ومن دون دماء. دفنوا حلمًا بالعظمة دون إكراه. دفنوا حلمًا بإمبراطورية العقل والإبداع (وليس القوّة)، ودفنوا حلماً بشيوعية الثمانينيات (السفر إلى المريخ، والإنجازات). لقد دفنوا الحلم نفسه، ومعه بعضًا من أنفسهم.

هوامش:
(1) أوسيب ماندلستام: أحد أعظم الشعراء الروس في القرن العشرين. أديب وناقد ومترجم وروائي (1891 – 1938). أظهر عداءه لستالين فأمضى سنوات طويلة من حياته في المعتقلات والمنفى ليموت في منفاه في سيبيريا بسبب مرض التيفوئيد. كان لزوجته الفضل في الحفاظ على مخطوطات مؤلفاته. لم تنشر مؤلفاته إلا بعد البيريسترويكا، وكانت تتداول سابقًا عبر نسخها يدويًا.
(2) سيرغي يسينين (1895 – 1925): أكثر الشعراء الروس شهرةً في القرن العشرين. من قصائده: (الخريف – روسيا عام 1914)، (اعترافات أزعر – أنا آخر شعراء القرية الروس عام 1920)، (رسالة إلى أمّ ـ رسالة إلى امرأة عام 1924)، (الرجل الأسود – وقصيدته الوداعية: إلى اللقاء يا صديقي عام 1925).
(3) ماياكوفسكي (1893 – 1930) شاعر وممثل ومخرج. عرف عنه صلابة مواقفه والدفاع عن مبادئه الثورية. من أشعاره: (أعلنت الحرب عام اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914)، (أميّ والمساء الذي قتله الألمان- الحرب والسلام عام 1915)، (النشيد اليساري عام 1918\”، \”150 مليون عام 1920)، ( قصيدة: أحبّ – عام 1922). عمل بنشاط في سبيل الثورة العالمية التي آمن بها، وسافر إلى كثير من البلدان للترويج لها.
(4) لوناتشارسكي: مفوض الشعب لشؤون التعليم (توفي في فرنسا ودفن في جدار الكرملين)، استقال من منصبه احتجاجًا على قصف البلاشفة عام 1917 للتماثيل في موسكو. كونه رجلًا أكاديميًا، لعب خلال توليه الوزارة دورًا كبيرًا في استقطاب المثقفين إلى صفّ البلاشفة، وتمكن من إنقاذ كثير من التراث التاريخي. عيّن في 1933 سفيرًا للاتحاد السوفييتي في إسبانيا.
(5) يوري تريفونوف (1925 ــ 1981): شاعر روسي- سوفييتي، مخرج وكاتب.
(6) ديمتري بيساريوف (1840 ــ 1868): مترجم، كاتب وناقد أدبي من التيار الديمقراطي الثوري. وصل به الأمر إلى نفي إبداع عظماء، مثل: بوشكين، ليرمنتوف، وغوغول. مات غرقًا.
(7) نيقولاي نيكراسوف: شاعر وكاتب روسي ساخر (1821 ــ 1877)م. رافقت تشييعه مظاهرة سياسية – أدبية.
(8) فلاديمير فيسوتسكي (1938 – 1980): شاعر، مؤلف أغانٍ، ومغنٍ، وعازف غيتار من العهد السوفييتي. كان لمسيرته الإبداعية تأثيرٌ على الثقافة السوفييتية. عرف واشتهر بأسلوب غنائه المميز. تميزت كلمات أغانيه بما حملته من معاني سياسية وساخرة شغلت الشارع الروسي. وعلى الرغم من إهمال السلطات لفنه، فقد تمتع بشعبية هائلة خلال حياته، وكان لفنّه تأثير على كثير من المغنين والفنانين حتى أيامنا.

ــ عنوان المقالة الأصلي: На похоронах Высоцкого погребали надежду и немножечко себя/ (في تشييع فيسوتسكي، دفنوا الأمل وبعضًا من أنفسهم).
ــ صحيفة فزغلياد: https://vz.ru//opinions/2020/7/28/1051956.html