د.عمرو منير محمد
لم يكترثا لأحدٍ..
منذ فترةٍ طويلةٍ لا يعبأ بحالهما أيُّ قريبٍ أو صديقٍ…
وَحْدةٌ لا نهائية، كأنهما أبطالٌ لإحدى الأساطير اليونانية التي حُكِم فيها على الإنسان بالعُزلة السرمدية.
اتخذا القرارَ الصعب…
ضربا عرض الحائط كافةَ القيود المجتمعية التي تُكبِّل أيَّ علاقةِ زواجٍ غير طبيعيةٍ بأغلالٍ فولاذيةٍ من التابوهات الركيكةِ وغير المبرَّرة.
التقى بها نعمان منذ فترةٍ ليست بالقليلة، وأدرك أنها نصفه الآخر الذي يبتغيه من هذه الدنيا التي يعيش فيها بمفرده وحيدًا.
ظهرت نادية فجأةً في حياته كنجمةٍ سقطت من السماء بعد سلسلةٍ متواليةٍ من التجارب الحياتية الثقيلة على قلب أي إنسان…
غُربةٌ لسنواتٍ مع وحدةٍ مطلقةٍ… انتهت بعودةٍ قسريةٍ مفاجِئة بسبب استغناء صاحب العمل الخليجي عنه لكِبَر سنِّه… واجه بعدها جفاءً عائليًّا قاسيًا ثم انفصالًا صامتًا بلا صخبٍ حفاظًا على الديكور العائلي.
قرَّر الهروبَ أخيرًا… بحث عن ملاذٍ آخر يحتمي به بعيدًا عن عائلته المفككة السابقة.
ومع ذلك، فبلا مبالغةٍ… كانت حياةُ نادية أكثرَ تعقيدًا…
امرأةٌ عاملةٌ قويةُ الشخصية، مديرةٌ بإحدى الهيئات الحكومية العريقة، تأمر وتنهى كما تشاء في طوابير الرجال والنساء ممَّن تحت قيادتها…
المرأةُ الحديدية في عملها لم تكن كذلك في بيتها…
اتسمت بضعفٍ بالغٍ أمام إخوتها الصغار الذين تركهم لها والدَاها يتامى بعد وفاتهما في حادثِ سيارة.
مرَّ الوقتُ عليها وهي منهمكةٌ في عملها الشاق الممزوج بتربية إخوتها… لم تقبل بأي زيجةٍ خوفًا على عملها وإخوتها… مرت السنون، وها هي تتزوج بعد اختفاء كلِّ ما سبق من حولها، بعدما صنع إخوتها حياتهم الخاصة دون أن يأخذوها في الحسبان.
ظهر الزفاف في أفضل حال… نعمان ونادية يرتديان أبهى ثيابهما الرسمية المعتادة في المناسبات الهامّة… أصدقاؤهم الجدد في غاية السعادة والفرح.
أصرَّ الجميع على صنع حالةٍ من البهجة والسرور، بالرغم من اختفاء معالم الفرح التقليدية مثل معازيم الأقارب والجيران والزملاء، إلا أن الحضور كانوا أكثرَ من الأهل الرافضين لتلك الزيجة “المُخجلة” في رأيهم.
الزفاف أشبهُ بحفلةٍ نظَّمتها شخصياتٌ خيالية متحوِّلة كتلك التي في قصة الجميلة والوحش حيث تشكَّلت الفناجين والشموع والساعات على هيئة خدم الحفلة… وجه الشبه أن التحوّل في زفاف نعمان ونادية كان لمجموعةٍ من بسطاء المكان… نوسة عاملةُ النظافة ارتدت أفضل ثوب سواريه استطاعت أن تستأجره من منطقتها الفقيرة لتُظهر به علاماتِ الأنوثة المتخفية عن استحياءٍ أسفل ثوب العمل… قامت بواجب تقديم المشروبات للمعازيم، وإطلاق الزغاريد في أرجاء المكان لتنشر البهجة في الهواء الذي يتنفَّسه ضيوف الحياة.
تلك الفتاة المجتهدة “هبة” تابعت خطواتِ الحفل حيث ذكرتها بحفلات الأسر الجامعية التي اعتادت على إعدادها أثناء دراستها في كلية التجارة قبل تخرجها للعمل في هذا المكان الهادئ.
تأكَّد الطبيب يحيى أيضًا بدوره من استخراج شهادات الكفاءة الصحية للعروسين بعد اصطحابهما إلى المستشفى بسيارته الخاصة.
جلست نادية بجوار نعمان في الكوشة المصنوعة على عَجَلٍ من مقاعد الإدارة…
قبض نعمان على يدها في سعادةٍ ممزوجةٍ بالخوف… تخيّل أن أولاده قد يكونون قد تناهى إلى علمهم خبر زيجته، فيقومون بإفساد الزفاف المنتظر… أدركت نادية مخاوفه من عينيه التي تتجول بشكلٍ راداريٍّ في كل الاتجاهات… هي اعتَرَكتها الحياة وتقرأ لغةَ العيون من خوفٍ وفرحٍ وشوقٍ واطمئنان… هي، على عكسه، لم تعبأ بإخوتها أو بأي شخصٍ كان… وأبلغت إخوتها بكل حزمٍ ووضوح، بلا أدنى تردّدٍ أو تفكير، كقائدةٍ سابقةٍ مُحنَّكةٍ في الجهاز الحكومي المصري الأشبه بطبقات الأرض المتراصّة في جموده أحيانًا لدرجة البيروقراطية المقيتة، والذي لا يخلو من زلازل وبراكين مفاجئة تتسبب بها ظروفُ العمل أو سهام الموظفين…
اتخذت القرار رغم اعتراض إخوتها الصريح… لم تهتم، أو حتى تفكّر، في رفضهم الناتج عن أسبابٍ اجتماعيةٍ بلهاء تُخفي طمعًا دفينًا فيما جمعته خلال رحلة عملها الطويلة من مدخرات.
دقَّت عقارب الساعة لتعلن العاشرة مساءً…
بدأ القلق والتوتر يسري في المكان الذي تملؤه أجواء السعادة النادرة الحدوث…
لم يصل الأستاذ رمضان إلى الزفاف، فهو المسؤول عن إحضار المأذون من مكتبه الشهير.
دقات قلب نعمان ونادية تتسابق كجوادَين يجرَّان عربةً متعثرةً في الطمي الناعم…
ما الذي حدث وأدَّى إلى تأخر حضورهما؟
هل هناك مانع؟.. هل من الممكن أن ينتهي اليوم دون عقد قرانهما المنتظر؟
في خضمِّ التفكير والقلق…
ظهر أخيرًا رمضان وهو يدخل من الباب الرئيسي ومعه الشيخ عطية، مأذون ذلك الحي الراقي، ببدلته الأفرنجية الشبابية التي تتناسب مع مستوى الحي الاجتماعي…
طلب رمضان من نوسة أن تُطلق زغرودةً من زغاريدها المدفعية الطابع لتعلن بداية مراسم الاحتفال…
ارتسمت السعادة على وجوه الحضور… عاد ضيوف المكان إلى الوراء عقودًا…
تذكروا أخيرًا أنهم على قيد الحياة… وأن الحياة لا يزال بها الكثير والكثير من مظاهر الربيع.
بدأت مراسم عقد القِران…
المأذون مخاطبًا نادية:
أتقبلينه زوجًا لكِ؟
لترد نادية بثباتٍ وثقة:
زوجتُكَ نفسي على كتاب الله وسنّة رسوله، وعلى الصداق المسمى بيننا.
انطلقت قذائفُ نوسة من الزغاريد مُدوِّيةً في المكان… حتى أستاذة هبة شاركت على استحياءٍ بزغرودةٍ رقيقةٍ تتناسب مع طبيعتها الخجولة…
استمر الزفاف وسط فرحة الزملاء لمدة ساعةٍ ونصفٍ، لينتهي بمغادرة الجميع إلى غرفهم.
في اليوم التالي…
استيقظ العروسان في ذُعرٍ على صوت طرقات الباب، وصوت نوسة تناديهما في سعادةٍ غامرة:
أستاذ نعمان… أستاذة نادية… مبروك، خبر فرحكم طلع في الجرايد…
فتح نعمان الباب في هلع… انتزع منها الجريدة…
أدركت نادية سبب خوف زوجها…
قرأ نعمان الخبر بصوتٍ عالٍ لزوجته بعد ارتدائه نظارته الطبية للقراءة:
“سبعينيان يتوجان قصةَ حبّهما بالزواج في دار مسنين”
بقلم
د.عمرو منير محمد .. روائي و قاص
عضو اتحاد كتاب مصر


