المجلة الثقافية الجزائرية

فصل من كتاب «ما أجمل العيش من دون ثقافة! الثقافة كمُضاد لأخطار الحماقة» لـ ثيسار أنطونيو مولينا

ثيسار أنطونيو مولينا

ترجمة: حسني مليطات

ما أجمل العيش من دون قراءة!

لو أراد المرء أن يعيش من دون قراءة، فمن المستحيل، عمليًّا، أن يعزل نفسه اليوم عن العالم، حتى لو أراد الهروب إلى الأماكن البعيدة النائية، حيث لم يصل الإنترنت إلى هناك حتى الآن. أدركت ذلك عندما تجولت في بعض الأديار المعزولة، وقابلت عددًا من رجال الدين، الذين حدثوني عن أعمالهم التي يقومون بها باستخدام التكنولوجيا، ليكشفوا لي معرفة لم أكن أتوقعها. فهل من الممكن أيضًا الوصول إلى الإله عن طريق محرك البحث جوجل؟ لذلك، وعلى الرغم من أنني لست مستهلكًا معتادًا للمدونات وشبكات التواصل الاجتماعي، فإنّ التشابك الواسع بين الأصدقاء والمراسلين -المعروف منهم وغير المعروف- ومن جميع أنحاء العالم، يؤدي، وبشكل حتميّ، إلى مراسلتي ببعض المعلومات حول قضايا يعتقدون بأنها تهمني، لذلك، ما الذي ينبغي عليَّ القيام به مع أولئك الذين هم أكثر قُربًا إلى اهتماماتي؟ في بعض الأحيان يُسعدونني، ولكن في الأعم الأغلب يسببون لي الاضطراب وعدم الارتياح. توجد المدونات والحسابات المُكرّسة منذ فترة طويلة لمكافحة الشعور بالثقافة، بالمعنى الذي نتصوره حتى اليوم. إنّها الفضاءات التي تهاجم القراءة والكتابة والورق وكل وسائل التعليم المختلفة التي لا تلجأ إلى استخدام التكنولوجيا في عملها. يمكنني أن أستشهد بأسماء عدد من الكُتّاب مع بضعة آلاف من المتابعين ممن يقومون بذلك، إلا أنني أفضل عدم نشر أسماءهم. وبالطبع، فإنني مدافع عن حرية التعبير، ولكن ما يقلقني هو أن بعض هؤلاء «الرسل» الذين يصرخون ضد الماضي لا يخفون رغباتهم في تدمير الأساتذة. إنّ ما يقومون به مشابه تمامًا لما قام به عناصر في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عندما حوّلوا التماثيل القديمة التي كانت موجودة في متحف الموصل إلى غبار، وأحرقوا المكتبات (رغم ما قاله الكاتب الروسي الحائز على جائزة نوبل للأدب جوزيف برودسكي: «لا أعرف إن كان الأسوأ هو إحراق الكتب أم عدم قراءتها») أو القيام بأفعال مشابهة لما حدث في مدينة نينوى القديمة.  من المفترض أن يكون المُدرس شخصًا حكيمًا، ومتزنًا، وذا بصيرة، ومعتدلًا، وصبورًا، وغير عدواني. ومن المفترض أن تكون كلمة المُدرس أفضل سلاح للإقناع والتعليم، مع إمكانية الاستعانة بالتكنولوجيا المفيدة، وإذا كانت غير ذلك فلا يلجأ إلى استخدامها. يؤكد المعلم والفيلسوف العظيم إميليو ليدو بأنّنا نحن الكائنات البشرية عبارة عن كلمات، وتواصل، ولغة مكتوبة ومحكية، فالتعريف القديم بأنّ الإنسان حيوان ناطق، وأن النطق من سماته الرئيسية، عبارة عن «خطابات». ولذلك من الأهمية بمكان توطيد تلك «الخطابات»، وتعليم القراءة للشباب والأطفال، في سبيل تحبيبهم في الثقافة. فهل لهؤلاء المدونين «خطابات» خاصة بهم؟ اعتنوا بأطفالكم، وعلموهم بأنّ لهم مدرسين يعتنون بعقولهم. وينبغي على الجامعات أن تكون قلقة من المحاضرين الذين ينشرون الكراهية بدل التعايش والمحبة. فمثلًا، وبسبب الفكرة الفنلندية الغريبة لإلغاء «الخط»، تم إطلاق حملة ضد الكتابة باليد. فهل هذا الفعل إشارة إلى التخلي عن الكتابة، والانتقال مباشرة إلى توظيف الهاتف الذكي؟ عندما تُدار أجهزة الحاسوب بأصواتنا، هل سنتفق على أنّ شبابنا لن يتعلموا أيضًا الكتابة على لوحة المفاتيح، على اعتبار أنّ هذه عادة قديمة؟ كيف يمكن تحريض الطلبة على التمرد؛ حتى يسمحوا لهم باستخدام الهواتف المحمولة داخل القاعة الدراسية؟ كيف يمكن تحريض الطلبة على عدم القراءة والسرقة عبر شبكة الإنترنت؟ كيف تتم الدعوة إلى حظر الأوراق؟ هل يمكن للجامعات والمعاهد والكليات الإبقاء على مدرسين من دون «خطابات»، أو، في حالة أسوأ، الإبقاء على أساتذة يضطهدونك؟ كتبَ الناقد الفرنسي رولان بارت، الذي تم الاحتفال بذكرى ميلاده المئة، مقالة عنوانها «من أين تبدأ؟» يقول فيها: «مقابل كل مدرس حريص على تعليم «الكلمة»، يقف ما نطلق عليه اسم «كاتب»، وهو الاسم الذي نطلقه على كل عامل في اللغة، ومهتم بمهارة الكتابة، وبين الاثنين، أي بين المُدرس والكاتب، يقف «المثقف» الذي يطبع وينشر كلمته. ولا يكاد يوجد أي تعارض بين لغة المُدرس والمثقف (فغالبًا ما يتعايشان كفرد واحد)، إلا أنّ الكاتب وحده منفصل: فالكتابة تبدأ عندما تصبح الكلمة مستحيلة (يمكن فهم ذلك بالمعنى الذي يُطبّق على الطفل)». فهل هم أساتذة مناهضون للفكر؟

نحن نعيش في عصر الاستعمار الرقمي، حيث يُستبدل وحيد قرن يونسكو بأدوات كنولوجية مختلفة، تتغير، في كل مرة، بسرعة عالية جدًّا. وبشكل مصطنع، تُخلق الطبقات الاجتماعية الجديدة، مثل: المنفيين الغوتنبرغيين، السكان الأصليين الرقميين، والمهاجرين الرقميين، والمستعمرين الرقميين. ويتوافق المدوّنون-المدرّسون مع هذه الطبقة الأخيرة؛ فالمستعمرون الرقميون هم الجُند المُشاة للاستعمار الرقمي. أولئك المُشاة الذين يتقاضون راتبًا جيدًا ومجهزون بعتاد جيِّد وبصناعات قادمة من جنسيات مختلفة. يقوم المستعمرون الرقميون، المعروفون قديمًا باسم الطابور الخامس بإعادة النظر في كل ما يُحيط بهم، ويستعلمون عن الأشياء، مثل: الجواسيس، ويجهزون لأنفسهم موطئ قدم لاختراق التكنولوجيا الرقمية في مساحات غير محمية، ولكن موثوق بها، مثل: المدارس والجامعات. يهاجمُ المستعمرون الرقميون حقوق النشر، والأنظمة المعرفية «القديمة» للمعرفة، ويدافعون عن القرصنة، ويتحدثون عن ثورة مهمة جدًّا، وعن طريق الخوف، يأسرون متابعيهم بوعود ديمقراطية كاذبة وبعالم أفضل وأكثر حيوية. يحمي المستعمرون الرقميون أنفسهم في بيئة ما (على اعتبار أنهم مستهلكون متحمسون ومستغلون لجميع الموارد الطبيعية)؛ للتخلص من الورق. يسعى المستعمرون الرقميون إلى إيقاف العلوم الإنسانية لصالح الخضوع المالي. هل هؤلاء مستعمرون رقميون أم أساتذة؟ إنّ الاستعمار الرقمي عبارة عن أيديولوجيا، أيديولوجيا شمولية تستبعد جزءًا كبيرًا من سكانها، من أولئك الذين لا ينغمسون في أشياء مميزة، من أولئك الذين يرفضون عدم التطور والتنمية، وإنما يرفضون الطفرة الأنثروبولوجية، أي، يرفضون الاستخدام الهائل والوحيد للتكنولوجيا الجديدة، كما لو أنه استسلام من دون شروط. أما المنفيون الغوتنبرغيون والمهاجرون الرقميون فيطالبون، كالعادة، بهدنة، وبالعبور، وبالتعاون، بين عالم الماضي وعالم المستقبل؛ لأنه يوجد هناك مستقبل يُبنى في الفراغ ومن فراغ.

نشر المستعمرون الرقميون الإنجيل، والأخبار السارة لـ«المواطنين الرقميين»، وقد اخترع هذا المصطلح مارك برنسكي في مقال نشره عام 2001 في مجلة universitaria norteamericana. كان مقالًا ناجحًا، وأدى إلى ظهور كِتاب عنوانه: «السكان الأصليون الرقميون»، للكاتب باولو فيرّي. إن فكرة السكان الأصليين الرقميين عبارة عن مغالطة أخرى، ونظرية أخرى لمؤامرة المستعمرين الرقميين. لم أتعرف على أي ساكن أصلي رقمي، حيث لا يوجد أحد، كما لا يوجد ذكاء رقمي مخصص، ولا يوجد أيضًا صراع طبقي بين مَن هم غير رقميين ورقميين، لا يوجد عندي أي دليل (فأنا أيضًا كنت خلال عقود طويلة مدرسًا جامعيًّا)، يثبت لي تحسّن الأداء المدرسي من خلال استخدام التقنيات الحديثة. لماذا لا يوجد ذكاء رقمي؟ لأنه ربما يكون هناك تهيؤ لشيء ما، لكن إذا لم يتم تدريسه، فلن ينشأ بشكل تلقائي. إن كل شيء تعلمناه وبعد ذلك مارسناه، يصبح نوعًا من الذكاء. أصرّ الكاتب هوارد غاردنر في كتابه «تنمية العقل وتعليمه» على إثبات صحة وجود السكان الأصليين الرقميين، وذلك من خلال سلسلة من الأدلة العلمية التي لم يتم انتقادها، ومع ذلك، فإنّ المعركة بين المدافعين عن السكان الأصليين الرقميين ومهاجميهم مفتوحة؛ إذ لن يتم الاعتراف بالانتصار إلا في المستقبل، وتحديدًا، عندما يعطي التثبيت النهائي للعالم الرقمي (شيئًا لا جدال فيه) أنماطًا تجريبية للقيام بها. لكن في الوقت الحالي، لم يتم إثبات ذلك كله من الناحية العصبية ولا حتى البيولوجية. إنّ التسهيلات المتاحة للبعض بهدف الوصول بشكل أسرع إلى الخدمة الرقمية، في مواجهة صعوبات الآخرين، ليست سببًا كافيًا. ومع ذلك، فإنّ النتائج المدرسية، في معظم الحالات، تعتمد على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للعائلة، وهي المكانة العالية، حيث يسهل مواكبة التغيرات التكنولوجية، والوصول إلى الإنترنت. إنّ تأثير استخدام التقنيات الحديثة لتحسين التعليم المدرسي غير ملحوظ مقارنة بما يسببه من عوامل تشتيت الانتباه وضعف الكياسة. أثناء عقد الامتحانات، استقبلت طالبتي رسالة تقول بأنّ جدتها توفيت، فاضطرت إلى المغادرة وعدم استكمال امتحانها. تجدر الإشارة إلى أنه امتحان نهائي.

وما كتبته حتى وصول تلك الرسالة كان جيدًا، إلا أنّ الخطأ لا يمكن أن يتعدى نصف الامتحان نفسه. فهل أكثر من ساعة واحدة أو أقل يمكن أن يؤثر في نتيجة ما حدث مع العائلة؟ لا! ولكن نعم في النتيجة المحتومة للطالبة ذات الشأن، حتى وإن كان ذلك شيئًا ممنوعًا تمامًا في الامتحان. تحتوي جميع أجهزة الحاسوب على خيار «تعدد المهام» (أي القيام بالكثير من الأشياء في الوقت نفسه)، وهذا شر وليس إنجازًا. يُعتبر برنسكي مثل هؤلاء المدونين والمستعمرين الرقميين الذين يتنكرون في هيئة مدرسي المعاهد والجامعات؛ حيث طلب أن تُعطى الدروس عبر الألعاب الإلكترونية. لم تكن المدرسة، أبدًا، منفصلة أو بعيدة عن المجتمع، بل ربما كان التواصل ضعيفًا، ولم يكن قريبًا كما ينبغي أن يكون عليه، ولن يتحسن ذلك الضعف بوجود الهواتف المحمولة في ساعات الدوام الدراسي. وأثناء التعليم، عليك توظيف أفضل الوسائل، وخاصة تلك المختلفة عن تلك الوسائل المعتادة. أليس من الأفضل التعلّم عن طريق المدرس؟ أليس البحث أفضل من نسخ ولصق النصوص المسروقة من ويكيبيديا؟ والمواطنون الرقميون؟ لا ينبغي الخلط بين ممارسة المهارة مع المعرفة، التي تُكتسب خلال فترة زمنية طويلة، وخاصة، من خلال الدراسة والقراءة. إنّ المستعمرين الرقميين، أولئك المدرسين الفاشلين، المزوّرين، لا يُرْبكوننا: إنّ الوصول السهل إلى المعلومة لا يعني الوصول إلى المعرفة. لا ينبغي على المدرسة والجامعة أن تُساعد على خلق مُستهلكين وجماهير غامضة، لا روح فيها، بل عليها أن تُنشئ أفرادًا مُثقفين وأحرارًا. إن المدرسة أو الجامعة، ليست المكان الذي تتوفر فيه المعلومات التي يمكن اكتسابها والحصول عليها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وإنما هي المكان الذي يُساعد على الاستعلام من وجهة نظر معرفية مختلفة. ولذلك، ينبغي تقديم تعليم الوسائل الرقمية بطريقة حكيمة ومعقولة. ما زلنا في مرحلة تجريبية، نخضع لعمليات تقييم صارمة، وضوابط ثابتة. فأساتذة مثل الفيلسوف إميليو ليدو، على سبيل المثال، لا يزيدون، محدودون، فهل يوجد أي ذكاء صناعي يمكنه أن يشرح العالم بطريقة أفضل منه؟ فالإنسان وحده هو القادر على نقل القيم وإرسالها إلى الإنسانية جمعاء. فالأساتذة، والكتب، والدعائم المجرّبة والعملية، والمدرسة، والجامعة، والعائلة… هذه كلها عبارة عن عناصر مفتاحية لمقاومة الاستعمار الرقمي الذي لا يرحم، والذي يستبعد الوجود الإنساني والداعي إلى الزبون -المستهلك- الجمهور. يمكن أن يكون الكتاب الورقي مثل المطبعة، غير مُجدٍ تجاريًّا (ما زالوا بعيدين عنه)، لكنهم، دون أدنى شك، متمكنون معرفيًّا، نعم، إنهم متمكنون، ومحتاجون أيضًا. إنّ التقنيات المُبهرة التي أرادت، مثل البرق، أن تحل محل الورق، سرعان ما أصبحت مهملة، مهجورة. إنّ القراءة مُهددة، ذلك ما ينشره «المستعمرون الرقميون». مهددة بوجود تقنيات لا تحمي العناصر الأساسية التي تقوم عليها هذه العادة المتداولة: الصمت، والألفة، والمراجع الثقافية، والتركيز، والقدرة على التفسير والتكامل مع النص والعمل. القراءة مهددة من المؤسسات العامة التي لا تدعهما، وتفرض عليها ضريبة القيمة المضافة. القراءة مهددة من التقنيات الجديدة؛ لأنّ معظم الوسائط التقنية المعروفة، مثل الآيباد، لا تُستخدم لقراءة الكتب، وإنما بهدف القيام بأشياء كثيرة، ووظائف متنوعة ومختصّة، نادرًا ما تجد كتابًا بينها. إنّ الغرض الأساسي للوسائط الجديدة هو التسلية الأبدية، من دون ترتيب ولا معنى، أما في القراءة فتجد الترتيب، وتجد المعنى أيضًا. الكتاب ليس سببًا لوجود هذه الأجهزة، وإنما هو تطبيق واحد من عدد من التطبيقات الأخرى. إنّ فعل القراءة عبارة عن خلوة للتأمل والتعمق. إنّ الأجهزة الإلكترونية الجديدة مُحمّلة بتطبيقات، فلا شيء يمنع من التفكير بأنّ كلَّ شيء موجود في هذه الذاكرة المُشتركة. كل شيء مليء بالإعلانات وبالرسائل والمقترحات. إنّ كلًّا من آبل، وأمازون، وجوجل، «تتبعنا»، «توصينا»، «تستعمرنا»، «تبحث عنّا»، «تغزو حياتنا»، «تتحكم فينا»، «تحمينا». في المدارس والجامعات ينسون الكُتب، ويمجدّون الأصنام الجديدة. لا تنشأ القراءة العميقة، سواء قراءة صامتة أو جهرية، بشكل طبيعي؛ إذ لا بُدّ من تعلّم كيفية القيام بها، ومن ثم تعلّمها، كما ينبغي حمايتها مثلما يحمي العالم نفسه. هل الوجود من دون حق في المعرفة يستحق العناء؟ أنا لا أتحدث، على الإطلاق، عن معارضتي للرقمنة، ولا عن التقنيات الجديدة، وإنما أتحدث عن الغزو الرقمي لإمبراطوريتهم، وعن انتصارهم على جثث المعرفة، وعلى عدوانهم التجاري، والسياسي، والصناعي، والاقتصادي، والاجتماعي. إنّ التعليم ليس تسلية ولا لهوًا، بل يتطلب الانتباه، والتركيز، والتأمل، والدراسة. وفي حالة التشتت، لا يمكن للعقل أن يتعلم شيئًا؛ فهو يعاني حالة التشتت تلك، وهذا لا يعني، للأسف، أنه غير قادر على التكيّف معه. إنّ «تعدد المهام» ليس نظامًا تعليميًّا جديدًا. ومن بين أشياء كثيرة أخرى، ينبغي على التعليم القيام بمهامه؛ حتى يتّقي أصحاب المصالح التجارية، الذين يزرعون الوهم بوجود عالم بسيط وسهل ومعتدل؛ للوصول إلى شيء دون أدنى جهد ممكن. لا يُسهل الحاسوب دائمًا القراءة من خلال التسهيلات التي يقدمها، وهو الأمر نفسه الذي لا تفعله معظم الوسائط الرقمية الأخرى، باستثناء الكتاب الإلكتروني الذي يمكن اعتباره الأقل تشتيتًا لعقولنا؛ حيث يسهل علينا أرشفة الملفات، والتخزين، والبحث عن البيانات، إلا أن تكاليف استهلاكها للطاقة مكلفة جدًّا (التوصيلات، الصيانة، الأجهزة)، ومجال السرقة والقرصنة لا حدود له، وتشتت الانتباه، وضعف التركيز. أما الكتاب الورقي، فمنذ ضعفه أمام الجيوش التي يواجهها، فإنّه يُقدّم نفسه فقط كجزء من النظام التعليمي، ووظيفته لا يمكن استبدالها بسهولة بوسائط أخرى. إنّ المكتبة عبارة عن هوية فرديّة، أما «ملف الإنترنت» فهو ذاكرة واسعة النطاق، إنه الإمكانية الجديدة التي تُعطى دائمًا لمن يمتلكها، ولم يستخدمها من قبل. أما الصيغ الجديدة، فلم تفتح بَعْدُ آفاق قراءة جديدة، ولم تزدها، للأسف، بمقدار ما وعدتنا به. كما أنّ الصيغ الجديدة أيضًا، وتحديدًا في الوقت الحالي، لم تخلق أجناسًا وإمكانات جديدة. أنا لا أتذكر أنّ المحيط الرقمي أصبح أكثر عدائية لقراءة الكتب، ومع ذلك، فإنني أتذكر جيّدا، أنّ كل تلك التسهيلات التي عرضوها علينا لم تظهر نتائجها على الإطلاق. لستُ غاضبًا مثل ميلان كونديرا، الذي حظر (وأنا متأكد من أنه لم يحقق ذلك عمليًّا) الصيغة الرقمية على جميع أعماله، مؤكدًا على أنّ القراءة، باعتبارها، فعليًّا، تجربة معقّدة، تُعدّل على الورق بصيغ مختلفة. تُعدّل إلى الأسوأ. وهل تتغيّر «دلالة» العمل بناء على الوسائط المستخدمة للقراءة فيها: نسخة مطبوعة، نسخة مصورة، كتاب صوتي، قراءة عامة للكاتب نفسه، الانسجام المسرحي -التصوير السينمائي- الموسيقي، الترجمة… إلخ؟ ربما نعم. للكتاب الورقي مميزات معرفية: العزلة، وفضاء قائم بذاته، وانتظام القارئ. أما الكتاب في الوسائط الرقمية، فأصبح شيئًا آخر؛ حيث أصبحت القراءة شيئًا يمكن تعديله، وينبغي محاربة المهاجمين، والوسطاء، والمعلنين… إلخ. تسرق وسائل التواصل الاجتماعي وقتًا كبيرًا من المدرسة والجامعة والعائلة؛ حيث ينبغي أن يخرج قُرّاء المستقبل، وحيث ينبغي أن يخرج المفكرون؛ لأن موت الفكر، وفق ما كتبه جورج بتاي في كتابه «الجهل»: «عبارة عن حفلة ماجنة شهوانيّة يُعدّها الموت نفسه، الحفلة التي يعطيها الموت في صفه». إنه المفكر الفرنسي نفسه الذي تحدث عن «لاهوت أوقات الفراغ». 

لا بُدّ من حماية القراءة والكتابة من «المستعمرين الرقميين»، من أولئك «الجهاديين» الذين يعملون ضد الثقافة. كتب روبيرتو كاساتي في كتابه «مدح الورق»: «يؤدي اختفاء القارئ (المتعمق) إلى تراجع الإبداع الفكري: تراجع في شكل الكتاب، حيث يسمح الوقت الطويل بالتفرغ له، لقراءته، وبتحليل ما هو مكتوب إلى علم بيان شفهيّ، تُهيمن عليه إيقاعات نبضات القلب. إذا فُرض على الكاتب أن يُنافس الآلاف من إغراءات الآيباد، فسيفضل، في النهاية، حركات العواطف على الحجج والبراهين. إنّ الكتاب ليس أداة تسجيل وتواصل فقط، وإنما هو أيضا أداة فحص دقيقة، وأداة تحكّم مُقَنَّنة». وأضاف الكاتب ومدير CNRS (المركز الوطني للبحث العلمي): «ينبغي على المدرسة أن تُقاوم، إلى حدّ ما، تقنيات تشتيت الانتباه؛ باعتبارها الفضاء، الذي يتسم بسمة عظيمة، متمثلة في استبعاد «التغيير السريع والمستمر»، وهي السمة التي ستسمح لها بعدم الحاجة إلى الركض وراء أي تغيير تكنولوجي. وفي الوقت نفسه، تنشأ، بفضل التناقض الظاهري لتقصيرها لذاتي العظيم، حقيقة التغيير، التي هي عبارة عن تطوّر أخلاقي وفكري للأفراد».

إنّ كلّ شيء مفيد، لا يوجد شيء عبارة عن فضول تاريخي، ولأنّ الأمر كذلك، فسوف ينتهي بنا الأمر لنكون هكذا أيضًا. ولا ينبغي أن ينتهي الأمر باستبدال أساتذة من لحم وعظم بمعلمين إلكترونيين أو افتراضيين. هل ينبغي على المُدرّس أن يكون مطلعًا، وبشكل دائم، على الموضوع المتخصص فيه، أم على العكس من ذلك، عليه أن يطلع دائمًا على التقنيات التي بالكاد، في كثير من الحالات، يمكنها أن توفّر سهولة أكبر في الفهم والإدراك؟ هل ينبغي على المعلم أن ينافس الهاتف النقّال، والهواتف الذكية، والآيباد؟ وهل كل شيء قابل للتحويل الرقمي؟ إنّ ذلك جعلنا نعتقد بأنّه نعم يمكن ذلك، ويمكن أن يحدث الأسوأ أيضًا، فوجود ذلك جعلنا نعتقد بأن التحويل الرقمي شيء لازم وضروري في حياتنا. هل يعرف المواطن الرقمي الافتراضي أكثر من أساتذته؟ تحدث أدورنو في مقاله «النقد الثقافي والمجتمع» عن التقدم والتجرّد من الصفات الإنسانية، كما تحدث عن صعوبة التعايش بين الجميع. واليوم لا نتوقف عن الإشارة إلى التقنيات الجديدة والمجرّدة. ربما يكون الكثير منّا على خطأ. ربما اتخذت الإنسانية مسارًا مختلفًا عن المسار الذي وصلنا به إلى هنا.

* تكوين