المجلة الثقافية الجزائرية

في الغياب نتعلم شكلنا الأخير

وليد الأسطل
حكايةٌ عن فلسطين:
فلسطين طريقة بقاء،
اسمٌ يمشي حافيًا على تراب لا يَنسى،
شجرةُ زيتونٍ تقف عند آخر الضوء،
وفي ظلّها حجرٌ دافئٌ من كثرة ما مرّت عليه الأيدي،
وفي الحجر بصمةُ طفلٍ لم يتعلّم بعدُ الفرق بين الخريطة والكفّ.
في المساء،
حين تنخفض السماء قليلاً لتصغي إلى الأرض،
تخرج القرى من أسمائها القديمة،
تمشّط جدائل التلال،
وتنفض عن الأبواب غبار القرون.
هناك امرأةٌ تضع الخبز على النافذة،
لا تنتظر أحداً بعينه،
كأنها تعرف أن الغائبين يجوعون أكثر من الأحياء.
وهناك بئرٌ عجوز،
كلما نظر فيها الناس رأوا وجوهاً كثيرة،
وجهاً ترك ترابه خلفه،
ووجهاً بلا أثر،
ووجهاً أتمَّهُ الرصاص.
فلسطين لا تتكلم كثيراً،
تترك للعصافير مهمة الشهادة،
وللغبار مهمة الحفظ،
وللأمهات مهمة المستحيل.
كأنها ليست وطناً،
كأنها ذاكرةٌ أصابت الجغرافيا.
لهذا يعجز النسيان عنها.
كلما أغلقوا نافذةً،
دَخَلَت من رائحة الزعتر.
كلما محوا اسماً،
ظهر في فم جدّة.
كلما دفنوا حكايةً،
استيقَظَت في لهجة عابر.
حتى صار الذين يبحثون عنها في الأوراق أقلَّ من الذين يجدونها في قلوبهم.
وفي الليل،
حين تنام المدن وتبقى المقابر ساهرة،
يمرّ شهداؤها خفافاً كنسمةٍ فوق الحقول،
لا يطلبون ثأراً،
لا يطرقون أبواب التاريخ،
لا يرفعون أصواتهم.
يمرّون فقط ليتأكدوا أن التين ما زال ينضج،
وأن البحر يعرف الطريق،
وأن الأمهات ما زلن يتركن ضوءاً صغيراً في آخر البيت.
ثم يمضون.
كأنهم يعرفون سراً لا نعرفه،
سراً يجعلهم أكثر طمأنينةً من قاتليهم.
فالميت في فلسطين لا يغيب عن المكان.
الغائب حقّا
هو الذي يظلّ حيّا…
ثم يقضي عمره كلَّه
يحاول شرح لماذا كان يحتاج إلى قتل طفلٍ
كي ينام.
*من ديوان “في الغياب نتعلم شكلنا الأخير”