المجلة الثقافية الجزائرية

في النفاذ إلى المفارقة السياسية الساخرة للكاريكاتير

إسماعيل شكري

أستاذ جامعي، باحث في المعرفيات

يساهم مفهوم التنافذ الذي نظرنا له معرفيا ( شكري 2016) في الكشف عن مجهول العالم، كما أنه يفضح استعارات القطب الوحيد التي تتستر وراء مقولات تهدد الكائن البشري عبر استراتيجيات العولمة البشعة، في عالم يراكم مخاطر الحروب والأوبئة والصراعات العرقية والطائفية مما يغذي التمثلات السياقية لتلك الاستعارات الأحادية. وفي هذا السياق نقدم تحليلا معرفيا لنسيج الكاريكاتير السياسي( العربي الصبان (1999)، ص. 13)، قصد النفاذ إلى مقولات مستفزة من قبيل: أمريكا دركي العالم، والنظام العالمي الجديد، مع فضج تناقضاتها ومفارقاتها السياسوية الساخرة.

هكذا، يعالج منفذو التلقي البصري، في دماغنا، عمليات ذهنية مركبة لتأويل بلاغة النسيج،

Rhetoric of Texture

ذلك ان الزمن في الخطاب البصري، ينشط مجموعة من القوالب للنفاذ إلى الصور البلاغية الأيقونية سواء أكانت ثابثة أم متحركة . من ثم، نعتبر العلامة -الأيقون بنية معرفية تحيل في سياق التأويل على نموذج معرفي مؤمثل ، ICM: Idealized Cognitive Model

كما أنها تنفذ إلى النموذج – الإطار بواسطة روابط ثقافية وتداولية. هذا يعني أن العلاقة بين \”المطلق\” و\”الهدف \” (الدمج التصوري، تورنر وفوكونيي 2002) محكومة بشروط واقع المنتج ومقصديته. و بذلك، ينسحب تعريفنا هذا على كل الأيقونات، بما فيها الصور الفوتوغرافية والرسم والنحت والتشكيل والكاريكاتير والمعمار والخط… بل والسينما التي تقدم أيقونات متحركة.

بناء على ما سبق، نعتبر زمنية الأيقون المتحرك والثابت عملية معرفية_ بلاغية تمكن من النفاذ إلى الصور البلاغية في النسيج البصري مما يساهم في تنافذ العوالم؛ مجهولها ومعلومها بالنظر إلى أن العلامة الأيقونية تولف بين درجة منظورة ودرجة تصورية، أي بين واقع ممكن وأذهان مؤولة محتملة . وهنا نؤكد على أهمية الصورة البلاغية الزمنية: \”النسيج \” باعتبارها صورة بلاغية أكبر تشمل الوحدات النسيجية المتكررة والفوضوية وغيرها، بل إن \”تشاكل الأنسجة\” يجعل المتلقي يدرك نمط التكرار فيه لدمجه في جهة من الجهات البلاغية مثل الجهة الدائرية ( جهة الزمن المنتظم والدوري) أو الجهة المطاطية (جهة زمني التوسيع والانكماش…) أو غيرها (شكري، 2009، 2016، 2019).

إن النسق البصري له وظيفة مركزية، وهي تنسيق المعلومات في الزمن قصد النفاذ إليها. فمثل هذا النسق-التأليف يتم على الخصوص بالنسبة للمعلومات المتجاورة دون أن نستبعد التآلف كذلك بين العناصر المتباعدة.( جماعة مو( 1992 )، صص. 34_35). معنى هذا إذن، أن الأيقون وبالتالي المشاهد الاصطناعية هي عبارة عن قوالب معرفية بلاغية تساهم في تنافذ العوالم إلى بعضها بعض بواسطة التشاكل والحذف والتمطيط والتنافر ضمن سياق فيزيائي وإدراكي يتفاعل فيه التزامن مع التوالي الزمني، ويحيل على بينات سوسيو- ثقافية خاصة بالفضاء ذاته.

الذهن المشابه، بالمعنى السابق، أو ذهن المحاكاة هو ذهن مركب، وتاريخ من العقد الإنسانية التفاعلية. بيد أنه في مجال العلامة الأيقونية البصرية ينجذب منفذوه إلى تشييد أنساق للمشابهة النسبية، حيث يحصل التنافذ بين الدرجة المنظورة والدرجة التصورية للوحدات النسيجة بواسطة قيود معرفية وبلاغية مثل: الأوضاع الذاتية والتمطيط والتكرار والمجرى والطواف وغيرها مما ينتج محاكاة مساندة أو ساخرة أو مفارقة .
إن من أهم الأطر المنتظمة للصورة الأيقونية هو\” النسيج \” باعتباره يستند إلى تكرار وحدات التماثل أو التباين، وبوصفه الطبوغرافية الجزئية المكونة أساسا من عناصر التشاكل المتعدد التي تدعى\”الوحدات النسيجية\”. Texturèmes

بما فيها وحدات اللون والمساحة والشكل، وهي القابلة للوصف والتأويل والتعيين؛ أي قابلة للنفاذ إلى أبعادها ( يمين / يسار، تحت / فوق…)، ونمط تكرارها الذي يدرجها في جهة من الجهات البلاغية (خطية أو متشابكة أو دائرية… الخ ).

وإذا كانت وحدات النسيج تبدو في صورة أيقونية معينة متنافرة انطلقنا، في تشييد التنافذ، من اللاتشاكلات الممكنة في الدرجة المنظورة نحو بناء التشاكلات في الدرجة التصورية، وهي عادة درجة تأويلية – سياقية تترجم بواسطة اللغة إلي مقومات. فعلى سبيل المثال قد نجد في الدرجة المنظورة لصورة معينة هيكلا عظميا يمسك في يده اليمنى حمامة بيضاء، فنحصل على درجة تصورية بواسطة المقوم [+ استسلام]، إذ لا سلام، عادة، مع الموت.

وبالنظر إلى تعميم \” الأنسجة \” لتشمل كل الصور الأيقونية، سواء في التشكيل أوالمعمار أو السينما يمكن تفريعها إلى ثلاثة أنواع من القواعد :

قواعد النفاذ إلى العبارة، وقواعد النفاذ إلى المحتوى في الأيقونات الثابتة، وقواعد النفاذ إلى السلسلة في الأيقون المتحرك ( إيكو 1985 ) .

انطلاقا مما سبق، ننظر في مستويات التنافذ في الرسم الكاريكاتيري الآتي:

لا يمثل هذا الأيقون -الكاريكاتير الواقع بمعناه الطبيعي، بقدر ما يحيل على فضاء ذهني يرتبط مع الموضوع – العالم الخارجي بواسطة الاستعارة (المشابهة المعرفية) التي تنتج سياقيا هنا، المفارقة . ذلك أن النسيج يتضمن ثلاث وحدات نسيجية؛

الأولى صورة قناص ( أوجندي) أمريكي مدجج بالسلاح؛ إنها مطلق ( بكسر اللام ) Declencheur

ينفذ إلى الكيان السياسي والثقافي والعسكري الكبير: الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها دركي العالم أي الهدف. Cible

إن الرابط التداولي بين الطرفين( المطلق والهدف ) يتمثل في الذاكرة الثقافية-السياسية التي يخزن بواسطتها المتلقي معلومات عن الدور الأمريكي المهيمن عسكريا وسياسيا على العالم.

أما الوحدة الثانية، فهي صورة كلب في حالة ذعر وخضوع لأوامر الرجل المسلح؛ إنها صورة – مطلق تعين الهدف الذي تمثله الأمم المتحدة الخاضعة لأهواء القناص العالمي ( العم سام ).

والصورة الثالثة تكرار للوحدة النسيجية الثانية؛ أي عبارة عن كلب في حالة خوف وخضوع كذلك. وباعتبارها مطلقا، فإنها تعين المجموعة الأوروبية التي لا حول ولا قوة لها أمام الجبروت الأمريكي. إن الرابط التداولي بالنسبة للوحدتين، معا، يتمثل كذلك في المخزون الثقافي السياسي الذي ينفذ إلى المقومين:

[- مصداقية ] بالنسبة للوحدة الدلالية: \’ الأمم المتحدة ‘، و [ + ضعف سياسي ] بالنسبة للوحدة الدلالية: \’ أوروبا ‘.

إن الوحدات الثلاث تعتمد في بناء مكوناتها النسيجية على الاستعارة : استعارة شكل القناص وشكل الكلاب المروضة . وهذا ما يؤكد أنها فضاءات تصورية ترتبط بواقع الحال (المستعار له)، والمتمثل في كيانات سياسية عالمية، بواسطة المشابهة المعرفية. غير أنها تتكون في هذا الخطاب الكاريكاتيري بالتلاؤم مع مقدمات تحيل على الفضاء الذهني ذاته. وهي مقدمات خطية:

U.S.A، UN

وعبارة: المجموعة الأوربية.

كما نجد مقدما آخر هو الرمز الممثل لشعار المجموعة الأوربية ( دائرة النجوم الإثنى عشر).

بيد أن مقاربة النسيج في كليته، تجعلنا نعتبره مطلقا يمكن من النفاذ إلى الواقع كما يتصوره منتج الأيقون . ذلك أنه يتصور الأمم المتحدة وأوروبا مجرد كلاب خاضعة لأوامر الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا ما يعين الهدف الأساس في النسيج، وهو السخرية من \” النظام العالمي الجديد \” بواسطة كثافة المفارقة التي تفصل بين ما ينبغي أن تكون عليه الهيئة الأممية والمجموعة الأوروبية وبين الواقع السياسي العالمي.

وهو ما يوضحه الشكل الآتي:

نستنتج، إذن، أن نسيج هذا الكاريكاتير الساخر ينبني على أساس نسقين ذهنيين يتنافذان إلى بعضهما بعض:

_ الواقع كما يتصوره المنتج بواسطة الاستعارة، فيعتبر، بذلك، تصورا ذهنيا،

_ بنية الاعتقاد التي تنتج المفارقة الساخرة باعتبارها فضاء ذهنيا كذلك.

من ثم، فإن الاتجاه من المطلق إلى الهدف هو نفاذ من عالم ذهني إلى آخر، مما يؤكد فرضيتنا القائلة بأن الكاريكاتير بنية ذهنية بالدرجة الأولى .

انطلاقا من هذه البنية المعرفية المقدمة للسياسة الأمريكية يمكن بناء المجهول في عالمها الممكن بواسطة آلية تنافذية هي التمطيط؛ حيث نوسعها إلى الخلفية الأنتربولوجية للنظر الغربي في العلاقات الدولية من خلال آليات الزمن الأنثروبولوجي ذاته . ذلك أن بلاد العم سام التي صنعها الغزاة الغربيون تتعالى على الغرب نفسه، وبالتالي توظف زمن الإقصاء في نظرتها لباقي دول العالم .

هكذا، يمكن اعتبار مقولة الزمان أداة تنتمي إلى الاقتصاد السياسي للعلاقات بين الأفراد والطبقات والدول، كما أن بناء هدف الأنثروبولوجيا الأمريكية من خلال المفاهيم والأدوات الزمنية يشكل فعلا سياسيا معرفيا بما يمثل \”سياسة الزمان\”. Politics of time

ذلك أن الخطاب الأنثروبولوجي الذي تخفيه الصورة يفسر \”الآخر\” من خلال إبعاده على مستوى المسافة الفضائية والمعرفية . فيتم وضع هذا \” الآخر\” الممثل في أوروبا والهيئة الأممية أي باقي دول العالم في وضع لا يمتلكون فيه المعرفة بما هي سلطة ( نسيج الكلبين الخاضعين الفاقدين للأهلية)، وبالتالي بما هي فعل زمني تاريخي وسياسي، الشيء الذي يخول للولايات المتحدة الأمريكية مساحات واسعة للهيمنة.

وبذلك، تشكل مكونات النسيج في الكاريكاتير السابق فضاءات ذهنية تتحاور وتتصارع فيها أطروحات الاحتجاج والمفارقة والسخرية:

_ الاحتجاج ضد الإقصاء للآخر،

_ المفارقة الواردة في الغطرسة الأمريكية اتجاه الغرب ذاته ( أوروبا)؛ أي أن الغرب يهيمن على الغرب..

_ السخرية من نظام عالمي جديد مزعوم

من ثم، ينفذ المتلقي إلى مقصدية المنتج في التناغم مع تصورات الأنتربولجيا الثقافية النسبية الأمريكية (فابين، 1983) التي عملت على فضح الأنساق السلبية التي تحكم نظرة الغرب للآخر، فمهدت بذلك إلى تأسيس خطاب أنثروبولوجي نسبي موسوم بحوار حضاري متكافئ بين الشعوب. وهو ما يتمثل في تراكم أبحاث ودراسات في الديمقراطية البلاغية Democracy Rhetorical التي سنتوسع لاحقا، بإذن الله، في تحليل آلياتها المعرفية..

أستاذ جامعي، باحث في المعرفيات