المجلة الثقافية الجزائرية

في سيميائيّة الكَذب والسّرقة (6)

من مُقَارَبَات الاِنْسِجَام القديم إلى مُفارَقَات الاِخْتلاف الحديث

محمّد خريّف*

وأنا خلال زيارتي إلى مدينة مونيخ الألمانيّة في ربيع 2020 كانت تُرَاوِدني “آنَذَاكَ هًناك”بِعِبَارَة الآن هنا” ما يشبه أضغاث أحلام قدْ تُحَاكِي علامات أحْلام اليقظة التي تجعل اليقظة غفلة تكذب على الذّات الطّبيعيّة فتنسخها لتمسخها بما هو من لفظها،به تسلبها من خواصّها الغريزيّة لتصير بخدعة اللفظ وتلويناته النحويّة والبلاغيّة قريبة منها بعيدة.مألوفة غريبة،وإذا بالواقع الطبيعيّ يتحوّل إلى واقع فكرة والفكرة تستدعي الفكرة لتصير بتكرار العادة والقيل والقال ماهية تجعل للأمر الممحوّ بالتسمية معنى وماهية فعقيدة والعقيدة تغدو في محيط نشأتها ونموّها مؤهّلة للاكتمال الواهم بسُلطة اليقين في غير يقين فيكون لها من الصّدق و المصداقيّة بإسناد الموعظة الحسنة وهي الكاذبة السارقة تبدو في الظاهر والباطن حقيقة مطلقة، ومن الحقائق المطلقة اللفظيّة ما يستبدّ بالوعي الفرديّ والجماعي ليصيّره طبْعا أو طبيعة تترقّى أو تسمو بالتجريد والتحريف فتبلغ وهما مراتب الخبر اليقين مرفوعا إلى نصّ مقدّس منزّل بحكمة قد تبدأ بشريّة وثتيّة لتصير إلاهيّة ميتافيزيقيّة’ أو حتي فيزيائيّة علميّة عقلانيّة تغدو بنظام علاماتيّ معقّد من المسلّمات المعرفيّة الجامعة المانعة تختزل في حقيقة بديهيّة تكتسب صلوحيّتها العامّة من كونها تصدر عن سلطة علميّة مشهود لها بالصدق والأمانة دون الكذب والسرقة وما للسلطة العلميّة أن تكون نافذة شاملة في مطلق الزمان والمكان إلاّ متى كانت أهلا للوفاق والاتفاق مع الحقيقة وصواب الحجاج ، به تكتسب صلوحيّة العلامة المسجّلة تكسر بها شوكة من يطعن في صدقها و مصداقيّتها العلميّة ورأس قرائن الطعن فيها اتهامها بالكذب والسرقة.هذا و قد لا تكون الشكوك و الطعون موجّهة إلى الحقائق الدينيّة دون الحقائق العلميّة، وإنّمالها أن توجّه أيضا إلى سائر النظريات المتفق عليها علميّا بالإجماع والشمول ، ومنها على سبيل الذكر لا الحصر نظريّة النشوء والارتقاء عند داروين و غيرها من نظريات الفلسفة المثاليّة القديمة المتجدّدة مع نظريّة الفلسفة الأخلاقيّة عند كانط و الكانطيين الجُدد من مريدي الأيْتيقا التي تقول بنظريّة الصّدق المطلق و تدين الكذب ولا تُعطي للإنسان حقا في أن يكذب إلا في حالات الفتوى القصوى ، ما يجعلها نظريّة منقودة مرفوضة من فلاسفة ومفكّرين مختلفين معها أمثال :كونستون وهيدغير ودرّيداوحنة أرندت كواراي ومن لف لفهم من السيميائيين أمثال أيكو وبارط وغيرهما ممّن راهن على تناول مسألةالكذب والسرقة فلسفيّاوسيميائيّاو بمنأى عن التأثر بالمنزع الأخلاقيّ حيث صار البحث في الكذب قديمه وحديثه قائما على نقد النقد وإثارة الجدل كجدل كانط وكونستون، وإذا بالكذب القديم كالسرقة القديمة في قطيعة أبستمولوجيّة سيميائيّة مع الكذب الحديث ، ذلك أنّ الكذب القديم و إن كان لا يعدو أن يكون مجرّد سلوك قصديّ مُضْمر منبوذ فان الكذب ألحديث صار ظاهرة فاعلة ضروريّة مُعلنة دالّة على قُدرة السياسي على انجاز الناجع المستفبليّ بالخيال ومن الخيال الكذب وسرقة وعي الغير و وعيه الطبيعيّ بخطاب التمويه الافتراضي البرقماتيّ من أجل تغيير العالم ولو باستغلال القيم المثلى والمبادئ النبيلة التي يبشر بها فلاسفة التنوير جاعلا منها ذرائع تشريع لعهد جديد يكون في خدمة الكذب والسرقة قد يتراوح الإقناع والاقتناع اختيارا أو قسرا بالترغيب والترهيب عن طريق التذرّع بأساليب التمويهوتمثل أدوارالخداع العلاماتيّ ومنهاأساليب الخطابةومقاماتها الموروثة عن القديم والحديث إلى جانب استغلال أحابيل الميديا ودواهي الذكاء الاصطناعيّ دون الغفلة عن خداع خداع وزيف وسائر وسائل الاتصال السلكيّة واللاسلكيّة المتفرّعة عنها وصولا إلى الثورة السيبرنيةوتفريخاتها العنكبوتيّة المذهلة.هذا ولدرّيدا كما لكواري وحنّة أرندت وغيرهم آراء في الكذب والكذب السياسيّ آراء وتأمّلات طريفة منها ما يدعو إلى إعادة قراءة كتاب “كفاحي” لهتلر لما فيه من مظاهر استغلال الشّعارات الرائجة في العصر الحديث وقد تحوّلت بها مسألة الكذب من مُقاربات انسجام الفقه لاسيّما مع تنظيرات الفكر التنويري الايجابيّ الباني أو “البنّاء” إلى مٌفارقات اختلاف مع الفلسفات السّلبانيّة التفكيكيّةالهادمة أو”الهدّامة”*.

هوامش:

-Dr Hans –Joachim ZILLMER ; Darwin – Le mensonge de l évolution, éditions, Le jardin des livres, Paris 2009

-Benjamin Constant- Emmanuel Kant : LE droit de mentir, éditions mille et une nuits ,2003

-Martin Heidegger : Etre et Temps, éditions Gallimard 1986

-Jacques Derrida : Histoire du mensonge Prolégomènes, éditions de L’Herne Paris 2005,

*ناقد من تونس