المجلة الثقافية الجزائرية

في مديح التنافذ اللغوي

( بحث لساني معرفي في العلاقة بين اللغة العربية واللغات المحلية المغاربية والعربية )

الدكتور إسماعيل شكري

_1_ في نظرية التنافذ (Accessibility Theory )

شيدنا في كتابنا: إمبراطورية التنافذ؛ نظرية في النسبية التأويلية، الصادر عن دار توبقال 2016 استراتيجية نسبية تأويلية انطلاقا من مبادئ التشييدانية التوزيعية التي تستند إلى علم النفس المعرفي واللسانيات المعرفية مع الاستفادة من المستجدات العلمية للبيولوجيا التوزيعية والذكاء الاصطناعي الموزع. وهي الاستراتيجية التي سمحت بتقديم تفسير وتحليل علميين لأنساق وقيود التنافذ في مجتمع الأذهان. ذلك أن منفذي الوكالة المعرفية ووكالة المعالجة اشتغلوا على تنشيط خصائص العقدة الإنسانية المركبة التي تتجاوز السببية العقلية الأرسطية، نحو سببية دائرية منفتحة وموزعة على الذهن والدماغ والمحيط قصد النفاذ إلى مجهول العالم في الناتج الإنساني، وذلك في سياق فحص نماذج للأذهان المتنافذة إلى بعضها بعض.

فإذا كنا قد اختبرنا سيناريوهات الفكر الإنساني المركب ضمن نسق الخطوط_ك؛ أي وفق بعض الحالات الذهنية المستعادة من قبيل الخطاب اللغوي والبصري، فإننا نظرنا في تركيبة الفكر الإنساني أيضا بواسطة نسق ممثلي المعرفة؛ وهم مجموعة من المنفذين الذين يقدمون تمثيلات مختلف الأذهان الشعرية والرياضية والدينية والسياسية حول العالم. ومن ثم، قادتنا هذه الاستراتيجية إلى تنشيط النسق: منفذي المعالجة الذين يعالجون ويراقبون كيفية اشتغال وتوظيف تلك التمثلات المعرفية، حيث خلصنا إلى أن دورة التنافذ عقد مركب يتمثل الواقع بواسطة تنافذ مستمر إلى مجهول العالم؛ يؤوله ويفسره ويمططه ويحذف بعض أجزائه، ويعين عوالمه الممكنة منشطا أنساقا وقواعد معرفية وبلاغية.

هكذا، فإن أطروحتنا في التنافذ ليست مجرد بحث في ظاهرة بيولوجية معرفية، بل إن نتائجها تشمل محاولة تأصيل قواعد ديمقراطية بلاغية لغوية من شأن شيوعها، في البيت والمدرسة والشبكات التواصلية، وفي مناسبات الاقتراع وغيرها، أن تواكب طموحات الشعوب للتخلص من هيمنة الفكر الأحادي، وسياسات الاستقطاب. ولعل هيمنة الشركات المتعددة الجنسيات على ثقافة الإشهار، وما يسمى بصناعة الرآي العام، وصناعة الموضا والنجوم، وتمويل الحملات الانتخابية هي أكبر دليل على عولمة مفروضة تسلب الأفراد حرية الرأي والتعدد والتنافذ، إذ يحجب عليهم تنشيط ما اعتبرناه محوسبا في الدماغ، وهو التنافذ إلى عوالم أخرى محتملة تمكنهم من الاندماج والتسامح والابتعاد عن الكينونات الضيقة و”المشبعة”. فنقد العولمة المتوحشة لا يعني مدح الحدود والهويات المغلقة. ذلك أن مشروعنا العميق في امبراطورية التنافذ يتمثل في خلق فضاء للتفاعل التربوي_ الاجتماعي بين مختلف المحفزين؛ أمثال المعلمين والأساتذة ومحللي الخطاب، ومدربي مراكز المواطنة وحقوق الإنسان، ومراكز تمرين التفكير وغيرهم من جهة، وبين المشاركين (أوالمتعلمين) قصد اختبار تنمية الذكاء التشاركي التفاعلي، في اتجاه تحيين خصائص مجتمع الأذهان الذي لولا تعاون وتنافذ خلاياه ومكوناته لما تناسل الجنس البشري في الكون، لان التصادم بين أعضاء الجسم الواحد يعني التوقف عن سيرورة الحياة.

من ثم، يمكن اعتبار أطروحتنا دحضا مضمرا لمديح الحدود كما روج له المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه (, Éloge des frontières, 2013 Régis Debray) حيث أضفى طابع القدسية على الحدود ( الجدران وبوابات المدن في الحضارة اللاتينية، وسور الصين العظيم ) مدعيا فضح الوجه البشع للعولمة المكتسحة للهويات .. راجع ريجيس دوبريه Régis Debray،2013 صص. 53 وما بعدها….

إن هذا الدفاع السياسوي اليساري وغير العلمي على أهمية الحدود في حياة الشعوب هو تكريس لواقع إنساني يزداد تأزما يوما بعد يوم نتيجة هيمنة الفكر الطائفي والصراعات الدموية المذهبية. فرفضنا للعولمة المتوحشة لا يعني التبشير بالانغلاق في زوايا الحدود القاتلة.

إن الهويات والمنافذ على حد سواء، وفق أطروحتنا النسبية التوزيعية، ليست كينونات متعارضة ومتصارعة بشكل مطلق، محنطة وثابثة، بل هي عقد متصل ومنفصل في آن، فوضوي ومنتظم، محتمل وكارثي؛ يعتمد دينامية الانقطاع والتحولات، أي جدلية التحول والاستقرار. راجع: بتيطو، 1985، ص ص. 76_91

من ثم، قد تتشتت أنساق عالم ما، وتقلب وتقطع متواليات الأنظمة السائدة طبيعيا ولغويا واجتماعيا، بيد أنها تعود إلى مرحلة الاستقرار من جديد (روني طوم، وجان بتيطو-كوكوردا)، وهو ما يدعو إلى التفاؤل والاجتهاد قصد تيسير بلاغة التنافذ في التربية المستدامة على التسامح لتحقيق حالة الاستقرار من جديد بين الحدود والمنافذ في أوقات الصراع والفوضى.

_ 2_ جسور التنافذ اللغوي

انطلاقا من هذا التقديم الإبستمولوجي الموجز لنظرية التنافذ، ندرج التنافذ اللغوي في الصيرورات المنقطعة والمنفصلة في آن؛ حيث يقود التصور القالبي التنافذي حول الاستراتيجية اللغوية العربية إلى تجاوز المنظورات الأحادية وتعويضها بنموذج متعدد يفسر ويؤول ظاهرة التعدد اللغوي العربي في مستويات متغايرة. وهذا ما يقود إلى استخلاص قيود داخلية للبنية الذهنية اللغوية، والتي يمكن تحيينها في الواقع العربي بمختلف ملابساته وإشكالياته المعقدة.

من ثم، يمكن أن نهيئ منافذ بين مختلف اللغات واللهجات المتعايشة في المشهد اللغوي الواحد عبر عدة جسور؛ ومن أهمها:

أولا، جسر: الثقافة التي تؤشر على الأساس الذهني لثنائية الهوية والتفاعل. ف ” اللغة، طبعا، ثقافة لا لأن الهوية لغة أو” أنا لغتي”، كما قال المرحوم الشاعر محمود درويش، أو لأن الثقافة خصوصية إثنية، بل لأن الثقافة أساسا سيمياء، في المأكل والمشرب، والرقص والموسيقى، الخ، سواء أكانت محلية أو جهوية أو كونية، ولأن المعتقدات والسلوكات والقيم والمعارف ثقافية أيضا، ولأن هناك تفاعل ثقافات ومعارف و تداخلها عبر اللغات …. ولأن اللغة سيادة وكرامة واختلاف، من جهة، وهي تواصل مع الآخر، عبر ثقافته ولغته، و لكن أيضا عبر لغة مشتركة، محررة من الهويات الضيقة ” Lingua Franca . راجع الفاسي الفهري، عبد القادر (2013)، صص. 8_9

ينتظم خطاب التنافذ إذن، محوران دلاليان؛ محور النسق المعرفي الذي يتكون من الوحدات الدلالية: المعتقدات، المعارف، قدرات..، ومحور الهوية المنفتحة الذي تشكله الوحدات الدلالية: ثقافة كونية، تداخل، تفاعل، لغة مشتركة…

إن هذا التصور الذهني الثقافي يحيلنا على الجسر الثاني للتنافذ بين اللغات واللهجات المتعايشة، ويتمثل في مبدأ التفاعل بين الانتقاء الجيني والانتقاء الثقافي لدى أجنر فوج في كتابه: الانتقاء الثقافي ( 1999)؛ حيث يؤكد، في سياق تطور البيولوجيا الاجتماعية ( ذات الأصول الداروينية )، على أن الانتقاء الثقافي وبالتالي انتشار ثقافة دون أخرى في مرحلة معينة من تاريخ المجتمعات يماثل الانتقاء الجيني الطبيعي الذي لا ينفصل عن

تدخل وتغير عناصر المحيط من اقتصاد وهجرات وديانات وأنظمة حكم وغيرها….فينظر بذلك إلى العناصر الثقافية في تماثلها مع الجينات التي تتكاثر وتتغير من جيل إلى جيل، وهو ما نجده في المكون الثقافي حيث تتطور ثقافة ما في بيئة ما لأن عناصر ثقافية بذاتها مهيأة أكثر من غيرها للانتشار والتكاثر، الأمر الذي يماثل تطور الأنواع إذا توفرت لديها سمات معينة تجعلها أكثر ملاءمة من غيرها للتكاثر . راجع؛ أجنر فوج Fog Agner

(1999) صص.36_ 40

إذن، تطور بعض الهويات وهيمنتها في مرحلة تاريخية ما لا يشكل معضلة مطلقة وميؤوس من معالجتها؛ بل يمثل هذا السياق فرصة لتأهيل الهويات الأخرى كي تنهض من جديد وفق جدلية الفوضى والاستقرار بما هو تفاعل بيولوجي ذهني ومدار مركب من التجارب المحلية والكونية. وبهذا، لا تنتفي المنافذ نحو هويات أخرى مادام التطور الجيني والثقافي كفيل بأن يترك المجال لتبادل الأدوار والوظائف بين مختلف الثقافات. من ثم، فعلاقات التنافذ لا تعني الاستقرار الدائم لنفس البنيات والأنساق، كما أنها لا تعني تهميش الاستقلالية والخصائص النسبية للهويات.

وتعزيزا لأمثلة تمايز القدرات اللغوية وتنافذها إلى بعضها بعض، في وضعنا اللغوي المغاربي والعربي عموما، يمكن اعتبار العربية الوسطى أو الميسرة لغة ديمقراطية تحفظ تماسك الهوية المغاربية، لأنها ليست لغة عشيرة أو جهة، بل إنها تفتح بواسطة التنافذ المجال للربح الاقتصادي والثقافي مع محيط جغرافي مساند لأكثر من مليار ونصف من المستعملين المسلمين للغة العربية العالمية، دون أن نتجاهل المصالح الجيوستراتيجية مع فضاء عربي واسع يقع في أخطر مناطق العالم جذبا للسياسة والمغالبة الدوليتين. وهذا يترتب عنه أن اللغة العربية، بالطبيعة، لغة المدرسة العالية دون أن يعني ذلك حدوث انقطاع ما في المنظومة اللسانية الذهنية؛ إذ بين اللغة العربية الوسطى والعاميات الوطنية، على حد تعبير الفاسي الفهري 2013، امتداد واتصال وتنافذ في السجل اللغوي والثقافة أيضا.

وأما الجسر الثالث لأطروحة التنافذ اللغوي فيتمثل في توزيع أدوار النظام اللغوي الترابي بين اللغات المحلية المغاربية والعربية ضمن دائرة الوظائف التواصلية والثقافية المحلية، بحيث يعتبر من أكبر الضمانات للحفاظ على بقائها ورقيها كذلك، دون المساس بتنوعها و حضورها البيولوجي الذي نغتاله حينما نعمل على اختزالها في لغة معيار، كما هو الشأن بالنسبة للغات الأمازيغية التي ستفقد لا محالة تنوعها الوجودي لصالح لغة اصطناعية بعيدة كل البعد عن البيئة اللغوية والثقافية للأمازيغيات المتعددة .

بناء على ما سبق، نعتبر استراتيجية التنافذ في دعم البيئة اللغوية للمتكلمين مجالا خصبا من شأنه أن يحقق الدينامية المطلوبة دون غلق للهويات في زوايا المحلية الضيقة، بل يصير ممكنا ربط جسور أساسية بين اللغة المشتركة الموحدة، وهي اللغة العربية الميسرة، واللغات المحلية، واللغات العالمية التي تسند إليها وظيفة الانفتاح العلمي بوصفها لغات أجنبية أولى أو ثانية حسب أهميتها في بورصة التداول اللغوي العالمي.

هكذا، فتغير الأدوار والوظائف يعني أن تداخل الحدود والمنافذ، أي الاتصال والانفصال إغناء للتجارب الإنسانية مادامت الهويات كما أثبتنا آنفا بيولوجيا ومعرفيا، تموت وتحيا، تتأهل من جديد، تتطور وتتجدد، انطلاقا من كونها عبارة عن متواجهات وتعيينات متناظرة متبادلة بين العوالم الممكنة . وبذلك، يمكن للذهن اللغوي أن ينفذ إلى الذهن الثقافي أو إلى الذهن السياسي بمنافذ، كما يمكن للذهن الديني أن ينفذ إلى الذهن السياسي بمنافذ، وقد ينفذ الذهن السياسي إلى الذهن الجمالي بمنافذ كذلك، بل يمكن لقوالب الذهن الواحد أن تتنافذ كذلك إلى بعضها بعض بمنافذ؛ فهي حلقات مركبة من جدلية الانفصال والاتصال التي تعتبر ضرورية للاجتماع البشري كما هي ضرورية لمجتمعات الأذهان، مما يمكن من تقلص حدة الصدام بين الهويات المشبعة لصالح تعايش نسبي، كمي ومحوجز..

وبهذا المعنى تشكل اللغة العربية الميسرة، كما وضحنا آنفا، وعبر استدلال علمي لأطروحة التنافذ والجسور الضامن الديمقراطي الأوحد، في سياقنا اللغوي المغاربي والعربي، لتعايش ثقافي واجتماعي مستدامين….

المراجع

_الفاسي الفهري، عبد القادر (2013)، السياسة اللغوية في البلاد العربية، بحثا عن بيئة طبيعية، عادلة، ديمقراطية وناجعة، دارا لكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان.

_ الفاسي الفهري، عبد القادر (1988) ملاحظات حول الكتابة اللسانية، في اللسانيات واللسانيات العربية، إشراف السغروشني وعبد القادر الفاسي الفهري، عيون المقالات، الدار البيضاء.

_ الفاسي الفهري، عبد القادر (1990) البناء الموازي، دار توبقال، الدار البيضاء

_ شكري، إسماعيل (2016)، إمبراطورية التنافذ، نظرية في النسبية التأويلية، دلالة الزمان وبلاغة الجهة، دار توبقال، البيضاء.

_ FODOR, J.A. (1986), la Modularité de l’esprit, tra. Par GERSCHNFELD, A. Minuit, Paris, copyright Original, 1983.

_Fog, Agner. (1999), Cultural selection. Boston: Kluwer Academic Publishers.

_ Minsky, Marvin.(1986), The Society of Mind. New York: Simon and Schuster.

_ Gardner, Howard.1984) ( ,Frames of Mind, the theory of multiple intelligences, Heinemann, London

أستاذ باحث في المعرفيات

جامعة جازان، المملكة العربية السعودية