المجلة الثقافية الجزائرية

قابس: حصّالة ذكرياتي

نزار فاروق هِرْمَاس

متابعةً لمقال سفيان بن عون، «قابس: واحة سرد أم أرخبيل للكتابة؟» ***

“مدينة سرد أم أرخبيل للكتابة”

 

في رواية الكاتب المكسيكي خوان رولفو [Juan Rulfo]، بيدرو بارامو [Pedro Páramo]، تنتزع دولوريس بريسيادو [Dolores Preciado]، وهي أمٌّ تحتضر على فراش الموت، وعدا من ابنها خوان بريسيادو [Juan Preciado] بأن يعود إلى كومالا [Comala]، في ولاية كوليما [Colima] غربيّ المكسيك، ليبحث عن أبيه، بيدرو بارامو، الرجل الذي حُرم من عطفه واعترافه. غير أنّ رولفو يحوّل كومالا في الرواية إلى فضاءٍ شبحيّ رمزيّ، تسكنه الذاكرة والأصوات والأموات أكثر مما يسكنه الأحياء. يروي خوان رحلته إلى تلك القرية المغبرة والموحشة؛ القرية التي لا يسكنها الأحياء بقدر ما تسكنها الأشباح: أرواح ضائعة تشكو بأصوات يائسة، حتى يبدأ هو نفسه في الاعتقاد بأنه قد مات. ومن خلال تجربة خوان، وبحثه عن هويته وميراثه، تتشابك حكايته مع حكاية أبيه، بيدرو بارامو، ومع حكاية سوسانا سان خوان [Susana San Juan]، تلك المرأة الحزينة التي تسكن الرواية كجرحٍ لا يندمل. ‫‬

ومن بين أكثر المقاطع التي ظلّت تلاحقني ذلك الوصف المثير والمؤثّر لكومالا، كحصّالة ذكريات. وإلى جانب أوجه الشبه السيرية الواضحة، ولا سيما في صورة الطفل والأب الغائب، وهي أوجه لا حاجة بي إلى إبرازها هنا، يظلّ هذا المقطع قادرًا على استدعاء ذلك التداخل العميق بين رمزيّات المكان وتدفّقات الذاكرة، وبين أثقال الخروج وأوزار العودة.‬:

“Mi pueblo, levantado sobre la llanura. Lleno de árboles y de hojas, como una alcancía donde hemos guardado nuestros recuerdos. Sentirás que allí uno quisiera vivir para la eternidad. […] Allí donde el aire cambia el color de las cosas; donde se ventila la vida como si fuera un murmullo; como si fuera un puro murmullo de la vida.”

«قريتي، القائمة فوق السهل، مملوءة بالأشجار والأوراق، كأنها حصالة أودعنا فيها ذكرياتنا. ستشعر هناك أن المرء يود لو يعيش إلى الأبد. […] هناك يغير الهواء لون الأشياء؛ وهناك تتنفس الحياة كأنها همهمة، كأنها محض همهمة للحياة…»

‫هذه السطور من بيدرو بارامو [Pedro Páramo]. وقد التقيتُها أوّل مرّة وأنا طالب دكتوراه في جامعة تورنتو، في درس من دروس الأدب العالمي كان يحمل عنوانًا لا يقلّ إيحاءً عن النصوص التي كنّا نقرأها: «المنطقة الثالثة للأدب» [“The Third Zone of Literature”]. وكان يدرّسه كاتب وأكاديميّ إيرانيّ منفيّ، ظلّ اسمه مقترنا في ذاكرتي بأسئلة الأدب العالمي [Weltliteratur]، والمنفى، واللغة، والكتابة العابرة للحدود، وذلك على الرغم من اختلافي الشديد مع مقارباته النّظريّة ومواقفه الحضاريّة ، التي أرى فيها مثالا حيّا و مقزْزا لما كان إدوارد سعيد [Edward Said] وحميد دباشي [Hamid Dabashi]، وأستاذي محسن الموسوي، سيصنّفونه، بحقّ، ضمن خطاب «المثقّف الكومبرادوري» [intelectual comprador] أو «المخبر الأصلي» [native informer]، أو ما يمكن أن أسميه خطاب «حركيّي الاستشراق»، في مقابل أولئك الكولومبيين المناوئين لهذا النمط من التواطؤ المعرفي، الذين أعدّ نفسي، أكاديميًا وحضاريًا، من مريديهم.‬informer].‬‬

كومالا، في ظاهرها، قرية مكسيكية بعيدة: مكان الأصداء، والأشباح، والهمسات، والحرارة، والغبار، والحنين، والعودات غير المكتملة. غير أنني، كلما عدت إلى هذه السطور الآن، لا أستطيع إلا أن أسمع وراء اسم كومالا اسما آخر: قابس.لعل في الأمر التباسا. ولعله نوع من الخيانة للمكانين معا. أو لعل هذا بالضبط ما يفعله الأدب في أكثر لحظاته غموضا وكرما: يسمح لقرية أن تدخل قرية أخرى، ولطفولة أن تتكلم عبر لغة أخرى، ولجغرافيا مفقودة أن تستضيء بظلال جغرافيا بعيدة. يكتب رولفو عن قرية يغير فيها الهواء لون الأشياء، فأفكر في قابس، مسقط رأسي، تلك المدينة التي كان هواؤها نفسه يحمل الملح والغبار والفقر والحنان وأصوات الراحلين. أفكر في الواحات، والبحر، والنخيل، وشوارع الصبا في حينا القديم، الكنيسية، في باب بحر، وفي مملكة الطفولة الهشة التي لم أكن أعرف أنني أفقدها بينما كنت أعيش داخلها.

أن أعود إلى قابس الآن لا يعني أن أعود إلى مكان فحسب. إنه أن أعود إلى ذات لم أعد أفهمها تماما. أن أقف أمام الطفل الذي كنته وأسأله: ماذا رأيت؟ مم كنت تخاف؟ ماذا اشتهيت؟ ماذا أسأت فهمه؟ وماذا كنت تعرف من غير أن تقدر على تسميته؟ مَن أحسن إليّ ومن أساء، لأشكر الأوّل وأغفر للثاني؛ فكلاهما قابع في حصّالة الذكريات., تنبثق هذه المقالة من ذلك الحوار المستحيل. إنها محاولة لإرسال روح طفولتي إلى قابس، كي تهيم من جديد في الأزقة، والأحياء، والشوارع نصف المضاءة، والبيوت المتواضعة، وساحات المدارس، وهواء البحر، والأحياء الفقيرة، وأصوات الجيران، وذكرى جدتي، والرعشات الأولى للشعر قبل أن يعرف الشعر اسمه. في ذاكرة الطفولة شيء قاس وجميل في آن واحد. فهي نادرا ما تعود إلينا في هيئة حكاية مكتملة؛ بل تعود شذرات: صوت جدّة، زغاريد السيزيام، صرخات الموت المفاجئ، فطيرات عمّي الحاج، كريمة عمّي حسن، رائحة كوشة الحومة ومزاحات عمّي نقر، في حليب عمّي بلقاسم الطّازج ، أصوات بائعات التنّ و إشهارات الدقّازات، فتوحات القيلولة، ضجيج صبية يلعبون في الشارع، قفزات الكرّوسة، سوط عمّي يوسف، أذان عمّي عامر، تراويح رمضان التي كانت تقام على سطح سيدي سالم الهروسي، بعبعات الخرفان، رائحة الشواء، وعظمة العصبيانات، في المعارك التافهة، ورعب رؤية سيارة الشرطة وهي تظهر فجأة في الحيّ، ، هتافات هدف كانت تنتهي غالبا بارتطام الكرة بباب منزل ذلك الجار المرعب، في فرح الوصول وأوجاع الفراق… قابس التي تنهض في داخلي مثل قرية رولفو، حصّالة ذكريات، وهمهمة للحياة.

في بيدرو بارامو، يعود الابن إلى كومالا بحثا عن الأب. أما في عودتي أنا، فالغياب أشد احتمالا وأقسى وطأة؛ لأن غياب الحضور يكتسب دلالة أكثر قسوة ووجعا. إنني أبحث، فوق ذلك، عن الطفل الذي سبقني. أبحث عن الصبي الذي لم يكن يعرف بعد أن المنفى قد يبدأ قبل الرحيل، وأن الفقر قد يكون ماديا وروحيا في آن، وأن اللغة يمكن أن تصبح وطنا بعدما يغدو الوطن الأول عصيا على الوصول. أبحث عن الصبي الذي كان يمشي في قابس من غير أن يعلم أنه سيحتاج يوما إلى إعادة بنائها بالذاكرة، والبحث، والشعر، و الحنين.

ما معنى أن يفهم المرء طفولته بعد أن يكون قد ابتعد عنها كل هذا البعد؟ ليست الطفولة بريئة لمجرد أنها مبكرة. إنها ممتلئة بالبنى الخفية: الطبقة، واللغة، والإهانة، والحنان، والخوف، والكبرياء والصمت. ولا ندرك إلا لاحقا أن الأمكنة التي سكناها كانت، في الوقت نفسه، ترسم حدود خيالنا. لم تكن قابس خلفية وحسب. كانت أرشيفي الأول. علمتني شوارعها نحو الفقد قبل أن أملك كلمات الرثاء. وعلمني فقرها أن أرى ما تغفله التواريخ الرسمية غالبا. وفتح بحرها الخيال على البعيد. وأوحت واحاتـها أن البقاء قد يكون أخضر حتى في القسوة. وعلمني موتاها أن الغياب ليس نقيض الحضور، بل إحدى أعمق صوره.لهذا تكلمني همهمة رولفو بقوة. فكومالا قرية أصوات ترفض أن تختفي. وقابس أيضا تعود إلي همهمة. لا صوتا واحدا، بل جوقة: أصوات العائلة، وأصوات الحي، وأصوات الفقراء، وأصوات الذين غادروا، والذين بقوا، والذين ماتوا، والذين كاد الزمن يمحوهم. أشعر أحيانا أن كتابتي لم تكن سوى محاولة للإصغاء إلى هذه الهمهمات من غير أن أخنقها بسلطة التفسير. يعلمنا البحث أن نحلل. ويعلمنا الشعر أن نصغي. أما الذاكرة فتطلب الأمرين معا.

ومع ذلك، فالعودة ليست نقية أبدا. فالبالغ الذي يتذكر يظل معرضا لأن يخترع الطفل الذي يزعم أنه يستعيده. أعرف أن قابس التي أحملها ليست مطابقة لقابس التي توجد الآن، ولا حتى لقابس التي كانت. فالذاكرة تنتقي، وتجمل، وتعتم، وتبالغ، وتنقذ، وتخون. غير أن هذا لا يجعل الذاكرة كاذبة. بل يجعلها إنسانية. فمسقط الرأس ليس فقط المكان الذي ولد فيه المرء أو نشأ. إنه أيضا المكان الذي يواصل الولادة داخلنا بعدما نغادره. وبهذا المعنى، ليست قابس ورائي. إنها غير مكتملة في داخلي. وكما أشرت في «سور قابس المفقود، مّ» [The Lost Wall of Gabès, ma ville natale]، في مقدّمة Of Lost Cities: The Maghribi Poetic Imagination، الصادر عن دار مكغيل-كوينز الجامعية [McGill-Queen’s University Press, 2024]، والفائز بجائزة جمعية اللغات الحديثة لعام 2024 في دراسات الشرق الأوسط [MLA 2024 Scaglione Prize for Middle Eastern Studies]، فإنني لا أتذكّر قابس خريطة؛ بل أتذكّرها سلسلة من الأحاسيس.

ولعل هذا ما يجعلني أعود مرارا إلى المدن المفقودة، والشعراء المنفيين، والأوطان الزائلة، والجغرافيات الرثائية. فقبل أن أدرس شعراء المغرب في العصر الوسيط وهم يرثون مدنهم، وقبل أن أكتب عن الحنين والمنفى والمخيال الشعري، كانت قابس قد هيأتني لذلك كله. كنت قد تعلمت بالفعل أن الأمكنة قد تفقد وهي لا تزال قائمة. وتعلّمت أنّ المرء قد ينتمي إلى مدينة، ومع ذلك يشعر بالغربة عنها بعد أن عانى الاغتراب فيها. وتعلّمت أنّ الماضي لا يموت؛ إنّه ينتظر اللغة المناسبة كي توقظه..

إن إرسال روح طفولتي إلى قابس، إذن، ليس استسلاما لحنين عاطفي سهل. بل هو طرح لأسئلة صعبة. ماذا رأى ذلك الطفل مما نسيته أنا؟ ماذا احتمل ثم حولته لاحقا إلى أدب؟ ماذا أحب قبل أن يعرف أن الحب كثيرا ما ينجو في صورة حزن؟ وماذا يدين به للجدة، والحي، ، والبحر، والنخيل، والغبار، وصمت الرجال، وصبر النساء، والكرامة العنيدة للحياة العادية؟كومالا رولفو مسكونة لأنها مصنوعة من تواريخ لم تحسم. وقابس التي في داخلي مسكونة أيضا؛ لا لأنها ميتة، بل لأنها تواصل الكلام من تحت سطح حياتي الحاضرة. إنها تسكن بحثي، وشعري، ، وتعلقي بالشخصيات المنسية، وتعاطفي مع الهامشي، وارتيابي من الأرشيفات التي تحفظ السلطة بسهولة أكبر مما تحفظ الألم. إنها تسكنني كلما كتبت عن المدن والمنفى والذاكرة. وتسكنني كلما صادفت حصالة ذكريات في لغة أخرى، فإذا بي أ أعود فجأة إلى مدينة طفولتي الضّائعة وفردوسي المفقود.

في النهاية، لعلني لا أخلط كومالا بقابس. لعلني أتعرف في قرية رولفو إلى صورة كل مسقط رأس مستعاد بالذاكرة: أمكنة لا نستطيع العودة إليها تماما لأنها تعيش بأشد ما يكون في فضاء الرغبة. هناك، يغير الهواء لون الأشياء. وهناك، تتنفس الحياة كأنها همهمة. وهناك، لا يغيب الموتى تماما. يقف الطفل عند طرف الشارع. ويصل البالغ متأخرا، حاملا كتبه وجراحه وأسئلته.في مكان ما من ذلك اللقاء المستحيل بين الأدب والذاكرة، بين كومالا وقابس، بين الصبيّ الذي كنته والكهل الذي يعود ولا يعود، أبدأ في فهم أنّ مسقط رأسي لم يكن قطّ المكان الذي غادرته فحسب. لقد كان اللغة الأولى لحنيني، والجرح الأوّل في ذاكرة المنفى، والمكان الذي لا يكفّ عن العودة إليّ كلّما ظننت أنّني ابتعدت عنه. ومن على بعد آلاف الأميال، لا تعود قابس مجرّد مدينة أستعيدها، بل سؤالا يتجدّد في الكتابة، كما تساءل سفيان بن عون: أهي مدينة سرد أم أرخبيل للكتابة؟ لعلّها الاثنان معا: مدينة حين تستدعيها الذاكرة باسمها الأوّل، وأرخبيل حين تتناثر في اللغة جزرا من حنين وصور ونداءات. فكلّما ظننت أنّني أكتب عنها، اكتشفت أنّها هي التي تكتبني؛ وكلّما عدت إليها في النصّ، أدركت أنّ قابس لم تكن مكانا واحدا، بل خرائط كثيرة لذات لا تزال تبحث عن مسقط رأسها في الكلمات، وفي معان أنهكتها الغربة والارتحال.

نزار فاروق هِرْمَاسْ

أستاذ دراسات الشّرق الأوسط وجنوب آسيا

 جامعة فيرجينيا