د. صلاح التوم إبراهيم
تعد قصيدة العيد، نموذجاً حياً للشعر السوداني الأصيل الذي يميزه صدق العاطفة وجزالة اللفظ، والنصٍّ احتفالي كتبه الشاعر بمناسبة عيد الفطر المبارك لعام 1447هـ، وهو بمثابة ترنيمة شكر وعرفان وفرحة، تتجاوز الفرح المادي إلى الفرح الروحي .
الشاعر هو الدكتور طارق يس الطاهر من أبناء مدينة كسلا الوريفة – ملهمة الشعراء – مقيم بمدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية، ويعمل أستاذا للغة العربية وآدابها، صدر له عدد من الدواوين الشعرية، وصدر له في العام 2025م ديوان: عودة السوسنة، الشاعر عضو في جمعية أدبي الطائف، ويشارك في العديد من المنتديات الأدبية في المملكة العربية السعودية، فهو من أعلام الأدب السوداني في المملكة.
النص:
عـــــــيد تجلى للبرية سعده زان الفضائل كلهن كـــــــمال
ضجت محاريب وتاقت أنفس غطى المفاوز والهجير ظلال
فالكل أخبت خاشعا متبتلا يرجو القبول ويعتريه جلال
فرحت أسارير وطابت أوجه مذ بان حول الخافقين هلال
فتح الكريم مساربا يعطي بها غدقا وأندى العاشقين نوال
عيد أتى بالخير يحمل فرحة فالحزن في يوم الهناء محال
فالعيد في أصل الحكاية منهلا يروي وبين العالمين وصال
جاءت القصيدة عمودية على الشعر العربي القديم الموزون، وهو أساس الشعر العربي وجذوره، واختار الشاعر للروي حرف “اللام المضمومة” وهو حرف “ذلقي” يخرج بسهولة ويعطي القصيدة جرسا موسيقيا قويا، والضمة هنا توحي بالامتلاء والتمكين، كأن الفرحة قد اكتملت واستقرت. إذن النص نهض على وحدة الوزن والقافية، فأضفي عليه طابعًا احتفاليًا منسجمًا مع المناسبة.
احتشدت القصيدة بألوان البيان والبديع، كالاستعارة: في قوله “ضجّتْ محاريبٌ وتاقت أنفسٌ”،”فرحت أسارير” “يحمل فرحة” وغيرها من الاستعارات الجميلة التي يظهر حسنها وجمالها في التشخيص، وإظهار المعنوي في ثوب المحسوس. فإذا تأملنا مثلا قوله: “ضجت محاريب” نجد استعارة مكنية حيث جعل المحاريب كائنات حية تشعر وتضج بالدعاء، مما يضفي حيوية على المكان. و الكناية في قوله: “فرحتْ أساريرٌ وطابتْ أوجهٌ”، كناية عن الرضا والقبول النفسي، وهي تعبير عن انعكاس الطاعة على الملامح البشرية. ومن ألوان البديع نجد الطباق: بين “الحزن” و”الهناء”، ليؤكد الشاعر أن العيد محطة فاصلة تقطع دابر الكدر. ونجد الجناس حيث يظهر في التقارب الصوتي بين كلمات مثل: ظلال – جلال – نوال، مما يخلق إيقاعًا متناغمًا يخدم الجو الاحتفالي، وغيرها من الألوان البلاغية.
وواضح في معجم النص ألفاظ مثل: محاريب، خاشعًا، متبتلًا، القبول، الكريم، وهي مفردات تستدعي أجواء العبادة في رمضان وخاتمته بالعيد.
ويتجلى التناص الديني في قصيدة الدكتور طارق بشكل ينم عن ثقافة إسلامية وأدبية عميقة؛ فمثلا استخدام مفردة “أخبت” في قوله: “فالكلُّ أخبت خاشعا”، يحيلنا مباشرة إلى قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ}، وهو تناصّ يعمق المعنى التعبدي في القصيدة، فالمخبطين كما جاء في تفسير الثوري المطئنين الراضين بقضاء الله المستسلمين له.

أيضا استخدم كلمة “غدقاً” في قوله: “يعطي بها غدقاً”، تستدعي الآية {لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا}، للدلالة على وفرة العطاء الإلهي، فالغدق الماء الطاهر الكثير كما ورد في تفسير الطبري.
كذلك يتجلى في النص، التناص مع التراث الشعري حيث نجد الشاعر استخدم صورة “الهلال” و “الخافقين” وهي صورة كلاسيكية في الشعر العربي، لكن الشاعر وظفها هنا لربط الأرض بالسماء، فالعيد ليس محلياً بل هو كوني يشمل المشرق والمغرب.
الدكتور طارق يسن من خلال قصيدته نجد أنه لم يرَ في العيد مجرد زينة وثياب، بل رآه “كمالاً للفضائل” وجائزة للمتبتلين، فانتقل في قصيدته من الخاص إلى العام؛ فبدأ بوصف السعد الشخصي والروحي، ثم تنتقل لوصف حالة الأمة (المحاريب، الأنفس)، واختم بالبعد القيمي للعيد بوصفه “منهلاً” و “وصالاً”.
أما من ناحية اللغة فنجد أن لغة القصيدة إتسمت بالوضوح والانسجام، وجنحت إلى السهولة الممتنعة، حيث لا تكلف ولا غموض، بل انسياب يعكس صفاء المعنى وصفاء المناسبة؛ لذا جاءت القصيدة رصينة المبنى، عميقة المعنى، اختلطت فيها المشاعر الدينية بالوجد الإنساني، وتعانقت فيها قيم الصفاء والتراحم والتكافل. واتكئ كل النص على المعجم الديني، واستطاع الشاعربشاعريته الفذة أن يستثمر الصور البلاغية في التعبير عن بهجة العيد ومعانيه العميقة، مما يؤكد أن الشاعر متمكن من أدواته اللغوية، إذ وظف ألفاظًا فصيحة ذات جرس موسيقي واضح، مثل: تجلّى، ضجّت، أخبت، جلال، أسارير، نوال…إلخ.
عموما ولدت القصيدة لتحمل رؤية متكاملة للعيد، لا بوصفه مناسبة عابرة، بل كحالة روحية وإنسانية عميقة: العيد تجلٍّ للرحمة الإلهية، وهو ثمرة للعبادة والخشوع، وهو أيضًا مناسبة للفرح الجماعي والتواصل الإنساني.
ختاما يمكن القول إن قصيدة الدكتور طارق يس الطاهر تمثل نموذجًا لشعر المناسبات الدينية ، الذي يجمع بين جمال العبارة وصدق الشعور، ويستثمر التراث البلاغي والديني في صياغة رؤية معاصرة للعيد. وقد نجح الشاعر في أن يجعل من العيد كيانًا حيًا نابضًا بالمعاني، يجمع بين الروح والجماعة، وبين الأرض والسماء، في لوحة شعرية مشرقة تليق ببهجة المناسبة وجلالها.
د. صلاح التوم إبراهيم
أبشي – تشاد
السبت 21مارس 2026





