المجلة الثقافية الجزائرية

لو كانت الكَرَاْفَاْتُ حَمْرَاْءَ

 قصة: د. خالد زغريت

   

   كنّا أدقّ من ساعة غرينتش في التزامنا بمواعيد الاجتماع على الرغم من أن الدنيا كانت سماء وماء، فنحن عشرون موظفاً في مؤسسة التنقية الإدارية، أو نزيد مئة أمّا عددنا الرسمي، فالله أعلم، ثمّ مديرنا الراسخ بالعلم.. التقينا جميعاً على باب المؤسسة تمام الساعة الخامسة إلا خمس دقائق، ورحنا نمِنُّ على بعضنا بالتحية، لأنّ وجه كلٍّ منا بحاجة إلى عشرين مؤسسة لتنقي شوك الاشمئزاز وإبر الأسئلة الرافعة لضغط الدم ..

      ما إن وصلنا إلى بيوتنا بعد نهاية الدوام الرسمي حتى أبلغونا بالاجتماع، ولأن مدير المؤسسة السيد ـ “رَغْوَتْ” بعد أن انتقل من صفوفنا إلى رأسهاـ لا يقبل تأخّر أيٍّ منا دقيقةً واحدة عن الاجتماعات، فقد كنا مرغمين أن نصل زرافات في وقت محدد، كان آخر من وصل السيد “قرفة” أنحلنا عوداً وأكبرنا سناً وأطولنا لساناً، وأكثرنا تبلّلاً بالمطر، والإحساس بالقهر…. ولأنّ الجبْنَ فحولةٌ أحياناً، وقيل: كلَّ حين، تعمّدتُ استفزازه ليعبّر عن سخطنا وغضبنا بأبدع الشتائم الزفرة، قلت له: ما شاء الله المطر زواريب، رمقني عاضّاً على شفتيه وقال: مهما أمطرت لن تنظف وساخة بعض الناس، وأشار بمظلته إلى آخر الممر وقال: انظر…

        التفت ونظرتُ رأيتُ المستخدم ينظف بهو “رَغْوَتْ” ضحك “قرفة” وقال: مَنْ لا يستطيع أن ينظّف نفسه ينظّف حوله، ضحك الجميع زافرين قهرهم، إلا”نارا”، ابتسمت متزلفة الحكمة المخنسة، وقالت: أستاذ “قرفة”حلِّ فمك، وناولتْه سكرة، خمَدَ “قرفة، هنيهة، ثم ضحك، وقال: المشكلة أنّ “نارا”حلوة حلوة يا أخي حلوة.

      على ما في مداخلاتها في الاجتماعات من زناخة النفاق، فإنها تحلي الاجتماعات برغم مرارة “رَغْوَتْ”، لكن لا يهمّ، فالأهمّ يكمن في حيوانيتها العالية دائماً، وضحك، عقصتُه أنبّهه لفلتان لسانه، ردّ بنزق: لا تفتَّ خارج الصحن، أنا قصدت أنّ حيويتها أكثر من اللازم، ما انتبهتَ إلا لزيادة النون سهواً هي للوقاية يا حبيبي… وتابع: طيب أما كنا طوال اليوم مقبورين بالمؤسسة، لا عمل لنا فقط نجلس ننمّ وننمّ و نكشّ ذباباً، لِمَ لَمْ “ينضربوا” على قلوبهم و يجتمعوا، ردت “نارا”: ببسمة أرخت أعصاب “قرفة”: يا أستاذ، السيد المدير العام الأستاذ ” رَغْوَتْ” كان في مهمة علمية في”هاييتي”، ولا شك في أنه اكتسب من خبراتها ما يغني تجربتنا، دندن “قرفة”: “هاييتي”يا آنسة… “هاييتي”!!!!، تُرى عندها إدارة أولاً حتى تمتلك خبرة فيها!!!

       ضحك وغمزني، وكنا قد وصلنا إلى باب الاجتماع وكانت”نارا” مضطرة لمفارقتنا، لأنها ستجلس في الصف الأول، أمّا نحن فاتجهنا إلى الصف الأخير، لأن “قرفة” لا بدّ له أن يسخر من كل فكرة لا تعجبه بشتيمة زفرة، ولا أمان لنا من الافتضاح بضحكنا إلا في الخلف.

         دخل “رَغْوَتْ” تحفّ به حاشيته، فأخذ مكانه، وراح يجرّب جاهزية “المايكرفون”، فنفخ فيه نفخة سمجة تدلّ على أن نافخها ممن له أصالة مع الزمر لا مع المايكرفونات… وتابع منغّماً صوتَه كراقصة سافرةِ الوقاحة.. واحد واحد … ثم نقرَ بخاتمه على المايكرفون ، لينتبه الجميع، ثم تنحنح، فتمتم “قرفة” سعلة سخلة بمسلخ “، وقبل أن نضحك قال المدير: كل عام وأنتم بخير، بينما كانت أصابعه تفتش في أوراقه عن لا شيء، قال” قرفة” هامساً بحيث لا يسمعه إلا مَن بجانبه كعادته في إطلاق تعليقاته: يا شباب مديركم غاوي اجتماعات حتى العظم، عقدته في الدنيا الاجتماعات، حكى لي قريب من زوجته: أنه إذا لم يكن عنده اجتماع في المؤسسة فسوف يجمع عائلته ويخطب بها ظاناً أفرادها موظفيه، وأسرّتْ زوجته لجارتها، أن بعلها مجنون اجتماعات، إن فاته أحدها فسوف يراه بالمنام، وأنها كثيراً ما كانت تستيقظ في حلاوة نومها على صوته وهو يخطب في نومه.

       لم يسكت “قرفة”، إلا حين طلبتُ منه الصمت خشية توبيخ المدير، فقد اشتمّ رائحة طبخة شغبنا… وما إن سكتَ ” قرفة” بعد أن قال: سَكَّرْنا بوزنا، تنعّم بالدُّرَر، حتى انتبهت إلى “رَغْوَتْ”يقول: يا أخوتي”هاييتي” دولة إدارة، هل تصدقون أنهم يفرضون على موظفيهم ومستخدميهم لبس”الكرافات”، تصوروا، هذه الروح الإدارية والوعي بالمسؤولية، همس”قرفة”: تستأهل، الغبي لم يعرف أن مَن رآهم هم موظفو مراسم المطار، ونادلو المطاعم، الله لا يوفقك، رحلتك كلفت الدولة خير الله، من أجل أن تعود لتحكي لنا عن الكرافات،

      نبر “رَغْوَتْ”: يا شباب الله يرحم أهلنا، على بساطتهم كانوا يدركون هذه الحقائق، فقد كانت “ستي” تقول لي: يا بني الخروق تستر العروق، كأنني سمعت “قرفة” يسبُّ “ست رَغْوَتْ”، ضحكت مرغماً؛ لنوعية الشتيمة وطرافة ربطها بالكرافات، و استأذنت “نارا” الكلام: أستاذ “رَغْوَتْ” نحن المتعودون دائماً على اقتراحاتك الخلابة، فطالما كانت أفكارك مثل صابون النجاح تجلو الزفر عن إدارتنا، همس”قرفة”: يا فهمانة قولي مثل “شامبو سنان” منشّط القمل.

      قهرتُ ضحكتي ألا تنفجر.. وعلا صوت رَغْوَتْ، وكأنّ مديح “نارا” صبّ البنزين على نار أنانيته فالتهبت، فضحك وقال: شكراً يا ستّ “نارا”، كما يقول أهلنا: أنتِ ملح الطبخة، ونكهتها، أنت بخور اجتماعاتنا، طيب الله أيامك كما تطيبين اجتماعنا، همس”قرفة”: الله يخرب بيتك ما أفهمك، الملح على النار يفرقع، هل هناك عاقل يجامل ” نارا” بالقول أنت ملح، وعلا الهرج في القاعة.

     حاول “رَغْوَتْ” تهدئة المجتمعين، فلم يقدر حتى صرخ: هوب هوب، نحن في اجتماع، همس “قرفة”: تفرّجْ .. صاحبك صار “جابي” إدارة “هوب هوب”، قرقرت ضحكتي على الرغم من كلّ محاولات كبتها، فقال “قرفة”: اسكت أحسن لك، بعد ذلك يصير صاحبك شوفير “طنبر” فيقول لك: هش.. هش … غير أنّ “رَغْوَتْ” تمكّن من فرض هيبته على الاجتماع من جديد، وتابع حديثه بصرامة: نحن سننقل التجربة “الهاييتية” في تعميم الكرافات، ونعممها في مؤسساتنا.

       ولا شك في أن الكرافات هي الخطوة الذهبية في ربط الإنسان بالتطور الإداري، وترسيخ إحساسه بالمسؤولية، وأنا بدوري أكلّف السيدة “نارا” رسمياً بدراسةٍ إستراتيجية للون الكرافات التي سنعمّمها، وهذا تكليف لها، وليس تشريفاً، فالستُّ “نارا” رائدة في كشف علاقة مجتمعنا باللون، وأثره في شحن الوعي بالمسؤولية، رفعت “نارا” يدها بخفر مصطنع وقالت: أستاذنا “رَغْوَتْ” أنت رجل مفطور على الإبداع والتحديث، وفعلاً لو لم تكن أفهم مَنْ فينا، وأبرع مَن ينقذنا في المآزق الحرجة، لما قفزت هذه القفزة النوعية إلى هذا الكرسي.

       التفتت نحو المجتمعين، قائلة: كلكم يا زملاء تتذكرون اليوم الذي خنقتنا فيه ذيول أزمة البطيخ الأبيض، حين كنا ننفّذ برنامج تشجيع بطيخ روسيا البيضاء، فقد استُورِدَ لهذه الغاية كميات هائلة منه، لكننا فوجئنا أن البطيخ كان داخله أبيض، و لولا ذهن “الأستاذ “رغوت” عالي العصف العبقري واستمطار الأفكار المبدعة، لكان الكبار فوق زمّروا لنا من وظيفتنا، وشرشحونا، فقد وجد حلاً سحرياً بسيطاً،هو أن نقوم بحقن البطيخ بصباغ أحمر، فتراكضنا وأخلينا الصيدليات من إبر الزرق، ورحنا نزرق بها البطيخ، ونجحت الفكرة، وصار كلّ قلب البطيخ أحمر مثل الدم .. صفّق لها “رغوت” وكان لا بدّ لنا أن نصفّق، ثم قال: أنتِ وفية يا ست “نارا” لو كان كل موظفي الوطن يحملون إحساسك بالمسؤولية، لَسَبَقْنا “هايتي” مئة سنة ضوئية بلبس الكرافات.

       يبدو أنّ المديح فعل فعله في نفس “نارا” فهبت تقول: شكراً أستاذ هذا تواضع منك اسمح لي أن أذكرهم فقد تنفع الذكرى، وتوجّهتْ نحو المجتمعين ثانية خاطبة برومانسية: تُرى هل نسيتم يا زملاء ورطتنا مع زهر القَرع؟ يوم جمعنا السيد “رَغْوَتْ” بخبراء دولتي “مالي” والنيجر” وقال في كلمته التاريخية: يا سادة على الرغم من أن بلادنا ليست إفريقية المناخ، إلا أن روابط أخوتنا بدول إفريقيا تتجلى بظاهرة حية في زهر القرع، فهو في كل بقاع العالم بلون أبيض، إلا في أرضنا فهو “وَقْفٌ” للأخوّة الإفريقية إذ تطلع فيه أزهار القرع سوداء، وقد احتجّ عليه بعض السلبيين مشككين بما يقول، و احتدم النقاش، لكن “رغوت” أستاذ بالبراهين العملية المفحمة، فقال: يا سادة الماء يكذّب الغطاس، فأنا من موقعي هذا أدعوكم في مؤتمر حاشد إلى مشاهدة هذه الظاهرة الحية..

    وفوجئنا أن الأخوة الإفريقيين أكدوا تحدِّيهم وإصرارهم على المجيء لمشاهدة الظاهرة الفريدة، وهذا ما أوقعنا جمعياً بمطبٍّ خطير.. كارثةٌ لو افتُضِحَ كَذِبُ الظاهرة .. . وكم خيّب رجاءنا علماء الوراثة النباتية الذين انتدبهم السيد “رغوت” لتهجين الزهر.. فأعلنوا عجزهم المطلق عن تغيير لون زهر القرع الأبيض…

       حصرنا في القنينة، لكن السيد “رغوت” قام بجمعنا في الليلة السابقة لزيارة الوفود، وحمّل عدة شاحنات بدواليب مستعملة، وطلب من العمال إفراغها بالجهة الغربية من حقل القرع مغتنماً حركة الهواء، وطلب إشعال الدواليب، ولم يطلع الصبح حتى اصطبغ بالسواد كلّ ورق القرع، وزهره، وترابه، وظهر المكان كأنه شعر إفريقيا، أظنّ يا سادة يكفيني ما ذكرتُ، فلن أعدد مآثر السيد “رَغْوَتْ” كي لا تتهموني بالنفاق، إنني أعاهدكم بأن أتفانى في تحقيق حلم السيد رَغْوَتْ بإكثار الكرافات، بهدف ربط رقبة موظفينا بالمسؤولية، وآمل منكم الموافقة على اقتراحي بأن يكون لون الكرافات ليمونياً، لأنه لون فريد في صرعة الكرافات، ثم إن مردوده النفسي هائل، إذ أن ربط رقبة الموظف مدة ثماني ساعات باللون الليموني سوف يُطهّره وفق نظرية أفلاطون من حموضة النفس مع المراجعين.

       وهنا كان لا بد للجميع أن يصفّق إلا “قرفة” قال: أنتم لا تعرفون سبب حماستها، إنّ في متجر زوجها كمية كبيرة من القمصان الكاسدة، ولا يناسبها إلا الكرافات الليمونية إذ لا أحد فيه ذرة ذوقٍ غجريٍّ يلبس كرافات ليمونية، والله المسألة واضحة يا شباب حكّ لي لأحكّ لك، لكن لم يأبه أحد ” لقرفة”

      قام “رَغْوَتْ” مصفّقاً وقال: برافو برافو شكراً يا ستّ ” نارا” شكراً ثقي تماماً أنني الآن و فوراً سأعقد مناقصة لشراء الكرافات الليمونية، وخلال أسبوع ستقومون بحملة إكثار الكرافات في فروعنا، لكن يا ست” نارا”أرجو منك بصفتك رئيسة الحملة، أن تراعي حساسية موظفينا من الكرافات، لأنّ نصفهم لا يعرف ربطها، وهذا ليس عيباً.. فمرة دخلت على “قرداحي” وكان يعدّ برنامجاً عن دور زهر الباذنجان في تنمية الشعور الرومانسي عند نساء السويد، وكان لا يزال مذيعاً غراً في”مونت كارلو”، فلم يكن يعرف عقْدَ كرافاته، والله شفقت عليه وعلّمته طريقة عقدها، وتعرفون الآن ما هي سمعته الفنية التي جلبتها له الكرافات …

          أخيراً خرجنا من الاجتماع الذي بلغ منتصف الليل، وما إن وصلنا إلى بيوتنا حتى انشغلنا بتعلّم ربط الكرافات.. وفي صباح يوم الحملة، قامت السيارة بجمعنا من بيوتنا، وتأخّر رابعنا” آدم” لم يخرج على الرغم من استمرار تزمير السائق له، وتعليم جوّال ” نارا”.. وفوجئنا أنه اتصل ” بـنارا” طالباً منها النجدة في ربط الكرافات، إذ لم ينجح بربطها لا هو ولا زوجته، فصعدت إليه ” نارا”، و بقينا ننتظرهما ونتهامس: والله صبرتَ ونلتَ حلمك يا “آدم” الشيطان سوف تربط ” نارا” كرافاتك، وفجأة سمعنا زعيقاً وشتائم، ورأينا ” نارا”تهرب من زوجة ” آدم” التي ما إن رأتها تمد يدها إلى رقبة زوجها حتى أكلتها نار الغيرة، فنتفت شعرها، ولحقت بها ترميها بالأحذية،

      في ذروة هذا المشهد قال”قرفة”: إنه تطوير خلاق.. ولم تلبث أن ركبت “نارا” … وانطلقنا بسرعة هرباً من أن يفتضح أمرنا، كانت “نارا” في حال مؤسفة، لذلك سكن الطير على رؤوسنا حتى وصلنا إلى أول فروعنا، مؤسسة إكثار العجول، فوجئنا بجمهرة الموظفين والإداريين في بهو الإدارة، وقد استقبلونا بالشتائم: يا أولاد الـ. . أخيراً وصلتم.. والله شرفتم، منذ ساعة، ونحن نتصل بمقسم مؤسستكم لترسلوا سيارة إسعاف، لكن المقسم دائماً مشغول، أكيد سكرتيرة السيد تبحث عن علكة، بينما الرجل ينزف، لقد نطحه عجل، و أخذ المتجمهرون سيارتنا رغماً لإسعافه.

        ابتعد قرفة قليلاً، ناداني، وهمس: انظر إليهم ملطخين بالوحل والروث، وأرواحهم زهقت منهم، هؤلاء بربك يريدون كرافات، لكن حماسة المسؤولية لم تخْمد في نفس “نارا” التي طلبت اجتماعاً في مكتب المدير الفرعي، ثمّ بدأت تتحدث مثمّنة نضالهم مع العجول، ونبل تضحياتهم في معاشرتها، ثم انتقلت بحديثها لبيان أهمية مهمتنا وريادتها، و ما إن فهموا مرادها حتى فغروا أفواههم، وصرخوا: ستنا نحن نريد مصحة… و خبزاً… صابوناً، نريد “نُمَراً” تثبت أننا مازلنا بشراً، قاطعهم أحدهم: شباب، مَن عاشر القوم أربعين يوماً صار منهم، نحن سننقل إليهم تجربة العجول، بربكم ألا تظنوننا عجولاً والله يا أكابر لن تخرجوا من هنا حتى تلبسوا العجول كرافاتكم… والتفت إلى العمال المنكسي الرؤوس، وقال: الهمة يا شباب، وفعلاً كانوا بهمم عالية، فسرعان ما حملونا إلى الزريبة، وراحوا يضربوننا بالخراطيم ليرغمونا على تعليق الكرافات برقبة العجول، ولكم أكلنا نطحاً و لبطاً، وكم لوّث روثُها ثيابنا وقيافتنا ووجوهنا حتى صرنا فرجة، لكن والحمد لله الذي خفف عنا المصيبة أن “نارا”لم تُنزِل قسماً كبيراً من الكرافات، لأنها بقيت في السيارة المسعفة..

    وبعد أن أُنهكنا تماماً قال لنا كبير العمال: تفرجوا يا سادة على إحساس العجول بالمسؤولية، نظرنا، كانت العجول تنظر إلينا ببرود وتتسلى بلَوكِ الكرافات، صمتنا بينما كانت عيوننا تتوسّل رحمة من العمال الغاضبين، وظننا أن الفرج جاء حين أمرهم بإخراجنا من الزريبة، لكننا ذهلنا حين أشار إلى العمال أن يحملونا في عربة “التراكتور” المخصّص لنقل روث العجول، حيث يقف أمامنا وكأنه ينتظرنا بشماتة، أركبونا في: “التريلا” المطففة بالروث، ثمّ ربطونا من كرافاتنا فوقها، وأرسلونا بعد أن سجلوا أسماءنا في الديوان الرسمي تحت عنوان سرّي للغاية، وانطلق “التركتور” يعبر بنا…. وبالرغم من إحساسنا بالمسؤولية كنا نبكي حتى قال قرفة: أتبكون، ما أبطركم، قولوا: الحمد لله لم تكن الكرافات حمراء، تصوّروا لو كانت حمراء ماذا ستفعل بكم العجول.. ثمّ هتف لو علقونا برمش العيون بالليمون تجربة “هاييتي” لا نخون.. فكان لا بدّ لنا أنّ نضحك دامعي العيون …