محرقة الكتاب الورقي وتغذية ذاكرة الآلة: حينما تُذبَح الكتب الورقية لانتزاع أحشائها.
حبيب مونسي
لم تعد الحرب على الكتاب حرب حريقٍ بحضور رجال الدّين أو دعاة السّياسات الإقصائية، كما كانت في ساحات إحراق الكتب عبر التّاريخ. إنّها اليوم عملية أكثر هدوءًا، وأشدّ التباسًا حين يُشترى الكتاب بثمنه، لا يُصادَر ولا يُمنَع، ثمّ يُقطَع عموده الفقري بآلات هيدروليكية، وتُمسَح صفحاته المفكّكة بماسحات صناعية عالية السّرعة، فتتحوّل حروفه إلى بيانات، ويُلقى جسده الورقي بعد ذلك في سلّة المهملات أو مصانع التّدوير. وهذه ليست فرضية تخييليّة بل واقعة موثّقة في وثائق محاكم أمريكية، أقرّ بها القضاء صراحة.
لماذا الكتب الورقية؟ جذور الأزمة في “انهيار النموذج”:
لفهم هذه الظاهرة، علينا الغوص في أعماق التقنية التي تقودها. تعاني نماذج اللغة الكبيرة من ظاهرة تعرف بـ “انهيار النموذج” (Model Collapse). تحدث هذه الظاهرة عندما تُدرَّب النماذج على بيانات مولَّدة من نماذج سابقة، مما يؤدي إلى فقدان التنوع، وتلاشي الحالات النادرة، وانحطاط المخرجات إلى أنماط مكررة ورتيبة شبهها بعض الباحثين “بالتزاوج الداخلي” (Inbreeding) في الكائنات الحية.
وقد كشفت الدراسات أن 74.2% من صفحات الويب الجديدة تحتوي على محتوى مولَّد بالذكاء الاصطناعي، مما يجعل الإنترنت “مسمومة” ببيانات اصطناعية لا تصلح لتغذية الأجيال القادمة من النماذج. وهنا يأتي دور الكتب الورقية الصادرة قبل عام 2022، أي قبل طفرة النماذج التوليدية، باعتبارها “مصدراً نقياً” للفكر البشري الخالص.
ماذا حدث فعلًا؟
كشفت وثائق قضائية أمريكية، في قضية Bartz ضدّ Anthropic، أنّ الشّركة استعانت سنة 2024 بمن كان يدير برنامج “غوغل بوكس” للمسح الرّقمي للكتب، وكلّفته بمهمّة وصفها الملفّ القضائي بأنّها الحصول على “كلّ كتب العالم”. وسلكت في ذلك طريقين مختلفين تمام الاختلاف من النّاحية القانونية والأخلاقية، وإن كانت التّغطية الإعلامية كثيرًا ما تخلط بينهما.
الطريق الأول هو تنزيل مئات الآلاف من الكتب من “مكتبات الظلّ” الرّقمية غير الشّرعية، مثل Library Genesis وPirate Library Mirror، أي عبر القرصنة المباشرة. وهذا هو الطّريق الذي انتهى بتغريم الشّركة مليارًا ونصف المليار دولار في تسوية قضائية، بمعدّل يقارب ثلاثة آلاف دولار عن كلّ كتاب من نحو خمسمئة ألف عنوان، وبإلزامها إتلاف تلك النّسخ المقرصنة وكلّ ما تفرّع عنها من بيانات تدريب.
أمّا الطريق الثّاني فهو شراء نسخ ورقية أصلية بثمنها الكامل من دور بيع الكتب المستعملة، ثمّ إخضاعها لما يُعرف بـ”المسح الإتلافي”: تُقطع التّجليدة، وتُصوَّر الصفحات المفكّكة آليًا، ثمّ يُتلَف الجسد الورقيّ. أطلقت الشّركة على هذا المشروع اسمًا رمزيًا هو “مشروع بنما”. وهذا الطّريق هو الذي رآه القاضي استخدامًا عادلًا من النّاحية القانونية، على أساس أنّ من يشتري نسخة ورقية يملك حقّ التّصرف فيها كما يشاء، بما في ذلك إتلافها، بموجب ما يُعرف في القانون الأمريكي بمبدأ البيع الأول.
وليست Anthropic وحدها في هذا الاتلاف الورقي. بل كشفت تحقيقات صحفية، أبرزها ما نشره موقع 404 Media ثمّ تناقلته فوربس، والواشنطن بوست، وغيرهما، من أنّ شركات أخرى، من بينها أمازون، تدير عمليات مشابهة، وأنّ صناعة وسيطة كاملة نشأت لتزويد شركات الذّكاء الاصطناعي بملايين الكتب من طبعات سابقة لسنة 2022، ضمانًا لخلوّها من نصوص مولَّدة آليًا، مع عروض بشراء ما يصل إلى مليون كتاب دفعة واحدة، واتفاقيات سرّية تحفظ هويّة المشتري.
ومن الإنصاف أن أنبّه هنا إلى أنّ بعض ما تداولته منصّات التّواصل تضخّم قليلًا عمّا تثبته الوثائق. فالعبارة المنسوبة لمذكّرة داخلية، والتي يُقال إنّها تنصّ حرفيًا على “لا نريد أن يُعرَف أنّنا نعمل على هذا”، لم تثبت بالصيغة المتداولة. وبعض من زُعم أنّهم وسطاء في هذه التّجارة، كموقع ISBNdb، نفوا أن يكونوا نفّذوا فعليًا أيّ عملية بيع من هذا النّوع، وقالوا إنّ ما أعلنوه لم يكن سوى اختبار لحجم الطلب لا خدمة قائمة فعلًا. فالظاهرة حقيقية وموثّقة قضائيًا في جوهرها، لكنّ بعض تفاصيلها كبُرت في التّداول الشّعبي أكثر ممّا تحتمله الوقائع.
هل تريد هذه الشركات أن تكون المالك الوحيد لمصادر المعرفة؟
الذي تملكه الشّركة فعليًا ليس المعرفة بوصفها معنى أو مضمونًا، فالمضمون نفسه يبقى موجودًا في آلاف النّسخ الأخرى المطبوعة والمحفوظة في المكتبات والبيوت، وعند الهواة وتجّار الكتب المستعملة. فالذي تملكه الشركة هو تمثيل رقمي خاصّ لذلك المضمون، مندمج داخل أوزان نموذج لغوي مغلق. وهذا فارق يستحقّ التّوقف عنده، فإتلاف نسخة واحدة من كتاب متداول بكثرة لا يهدّد بقاء ذلك الكتاب في الوجود، أمّا الكتب النّادرة أو نافدة الطبع، التي قد لا تتجاوز نسخها الباقية في العالم عشرات أو حتى آحادًا، فحكمها مختلف تمامًا. هنا يقترب الإتلاف من محو أثر لا بديل عنه، وهذا بالضّبط ما اعترض عليه المؤرّخون وتجّار الكتب النّادرة، لا هوّاة الكتب الشّائعة.
أمّا الاحتكار بمعناه الكامل فغير محقَّق اليوم واقعيًا. فعدّة شركات كبرى، Anthropic وغوغل وOpenAI وMeta وغيرها، تجري عمليات مشابهة بالتّوازي فيما بينها، والمكتبات الوطنية والجامعية ومشاريع الأرشفة الرّقمية، كمشروع غوغل بوكس نفسه، وأرشيف الإنترنت، تواصل عملها المستقلّ عنها جميعًا. فالمَخُوف من احتكار شامل لمصادر المعرفة يبقى، في الوقت الحاضر، أقرب إلى تضخيم لواقع هو في حقيقته تنافس بين عدّة جهات كبرى على تكديس المادّة، لا سيطرة جهة واحدة عليها.
هل ستُنشأ منصّات يُدفَع فيها لقراءة كلّ كتاب؟
يخلط هذا المَخُوف بين أمرين مختلفين: الوصول إلى الكتاب نفسه، والوصول إلى إجابات نموذج الذّكاء الاصطناعي المبنيّة جزئيًا على ما “قرأه” من ذلك الكتاب. فحين “يقرأ” النّموذج كتابًا أثناء التّدريب، لا يعني ذلك أنّه سيعيد إنتاج نصّه الكامل عند الطّلب. إنّ الأنظمة الجادّة مصمَّمة أصلًا لتفادي ذلك حفاظًا على حقوق المؤلّف، وهذا ما تؤكّده سياسات هذه الشّركات نفسها بخصوص حقوق النّشر. فالنّموذج لا يبيع الكتاب بديلًا عن نسخته الورقية أو الإلكترونية الأصلية، بل يقدّم خدمة مدفوعة قوامها المحادثة، والتّحليل، والتّلخيص، لا القراءة الكاملة البديلة.
لكنّ هذا لا يلغي إشكالًا حقيقيًا آخر. لقد استفادت الشّركة تجاريًا من نصوص لم تدفع لأصحابها ثمنها العادل، وهذا بالضّبط ما عالجته التّسوية القضائية المذكورة آنفًا حين أُلزمت بتعويض كلّ مؤلّف. فالسّؤال الأدقّ إذن ليس “هل سنَدفع ثمن القراءة؟”، بل “هل يُعوَّض المؤلّف عن استثمار عمله تجاريًا؟”، وهو سؤال مشروع تمامًا بدأ القضاء الأمريكي يجيب عنه فعلًا لصالح المؤلّفين.
هل نضمن سلامة الكتاب من التّحريف عبر الخوارزميات؟
هذا هو المَخُوفُ الأعمق فلسفيًا، وله وجهان مختلفان. الأول يخصّ النّسخة المادّية: النّص الورقي الأصلي، بمجرّد مسحه، يتحوّل إلى ملفّ صورة، ثمّ إلى نصّ مستخرج آليًا، وهذه العملية عرضة لأخطاء تقنية بحتة، كتشويه حرف، أو سقوط سطر، أو خطأ تشكيل، لا علاقة لها بأيّ قصد خوارزمي لحذف فكرة بعينها. وهذا خطر حقيقي يمسّ الدّقة الفيلولوجية التي تعنون بها، لكنّه من جنس أخطاء النّسخ اليدوي القديمة، لا مؤامرة ممنهجة.
أمّا الوجه الثّاني، وهو الأكثر جدّية فعلًا، فيخصّ الانتقاء والتّحيز: الجهة التي تختار أيّ الكتب تُشترى وتُمسَح، وأيّها يُهمَل أو يُستبعَد، تمارس فعلًا انتقائيًا يحدّد من طرف خفيّ، أيّ التراث الإنساني سيصبح مرئيًا للأجيال القادمة عبر الآلة، وأيّه سيبقى في الظلّ. وهذا قريب ممّا نبّه إليه إدوارد سعيد بخصوص من يملك سلطة التّعريف في المعرفة الاستشراقية. فالخطر ليس في محو النّص فيزيائيًا وحسب، بل في أن تتحكّم جهة تجارية واحدة في ترتيب الأولويات المعرفية التي سيتشكّل بها وعي مستخدمي هذه الأدوات مستقبلًا، من غير رقابة أكاديمية أو مجتمعية على معايير هذا الانتقاء. وهذا قلق مشروع تمامًا، ولم يُطرَح له بعدُ حلّ مؤسّسي شافٍ.
الأثر المستقبلي، وحدود المخاطر الواقعية
يفيد التّمييز بين ما هو محقَّق اليوم، وما هو افتراضي محتمل إن تُرك المسار بلا ضابط. المحقَّق اليوم هو تدمير أعداد هائلة من النّسخ المادّية، بعضها نادر لا بديل عنه، وإثراء شركات تجاريًا من عمل مؤلّفين دون إذنهم في مرحلة أولى، وهو ما بدأ القضاء يصحّحه، ونشوء صناعة وسيطة غامضة تتكتّم على هويّة عملائها، وهذا في حدّ ذاته مؤشّر قلق مشروع يستدعي شفافية أكبر.
أمّا اندثار الذّاكرة الإنسانية المكتوبة كلّيًا فمستبعد واقعيًا في المدى المنظور، ذلك أنّ وجود نسخة ورقية واحدة لدى شركة تدرّب بها نموذجها لا يلغي وجود نسخ أخرى في المكتبات الوطنية ودُور المحفوظات ومشاريع الرّقمنة العامّة، كمشروع غوتنبرغ، والمكتبة الرقمية العالمية، والمكتبات الوطنية العربية والأوروبية، وهي جهات تعمل بمنطق مغاير تمامًا: الحفظ لا الإتلاف. فالخطر الحقيقي إذن ليس فناء الكتاب بإطلاق، بل فناء طبعات بعينها نادرة، وتحوُّل بعض المعرفة الإنسانية إلى مادّة مُدارة تجاريًا خلف واجهة خوارزمية لا تخضع لرقابة فيلولوجية أو تحقيقية مثل التي نمارسها في تحقيق النّصوص القديمة.
المخاوف ليست هلعًا غير مؤسَّس:
لكنّها أيضًا، في صورتها القصوى التي تتصوّر محوًا كاملًا للذّاكرة الإنسانية، ليست انعكاسًا دقيقًا لما يجري. الأدقّ أن يُقال: إنّ نمطًا جديدًا من العلاقة بالكتاب قد نشأ، يعيد فيه رأس المال الرّقمي إنتاج مفارقة قديمة عرفتها البشرية كلّما انتقلت من وسيط تدويني إلى آخر، من الحجر إلى الجلد، ومن الجلد إلى الورق. إنّ كلّ انتقال وسائطي كبير يبتلع شيئًا من الجسد الحامل للمعنى مقابل توسيع انتشار المعنى نفسه. غير أنّ الفارق هذه المرّة أنّ الجهة المتحكّمة في هذا الانتقال شركات خاصّة لا مؤسّسات معرفية مستقلّة، وأنّ قرار الإتلاف يُتّخذ بمنطق تجاري صرف لا بمنطق أرشيفي.
ولذلك فإنّ أفضل ضمانة ممكنة اليوم ليست في التّشاؤم من الآلة نفسها، بل في استمرار مؤسّسات التّحقيق، والتوثيق، والأرشفة الإنسانية، والوطنية المستقلّة، في حفظ النّسخ ورقيًّا وماديًّا معًا، حتى لا يبقى مصير أيّ كتاب رهين قرار شركة واحدة، مهما بلغ حجمها.
*عضو المجلس الأعلى للغة العربية- الجزائر-




