د محمد الصفاح.
إن فلسفة الوجود تفوم على حقيقة او فلسفة التناقض او التضاد الني تعد حقبقة جوهرية تعكس معاني وحقائق الوجود.إذ بقضل هذا التضاد المولد للصراع, يتمكن العقل من فهم طبيعة القضايا المطروحة عليه, وذلك عبر الية القراءة النقدية الواعية العميفة المؤدية إلى فهم العالم.والجذير بالذكر في هذا الصدد ان الإنسان قد وجد نفسه في هذا العالم في وضعية متناقضة ,تناقض الليل والنهار, وذلك على مستوى حركة الفعل والاداء السلوكي. وبمعنى ادق واوضح , فبموجب الفلسفة التضادية التناقضية , فقد انشطر الانسان قهرا وحتما ومن حيث لايدري ألى معسكرين اثنين:
1-معسكر الحرية: وينتمي إليه صنف مخصوص من الناس يتميزون بخصائص وسمات, يكونون بموجبها اهلا للإنتماء لهذا المعسكر. ومن بين هذه الخصائص واقواها:
-السلطة الإجتماعية:وترتبط اساسا بالمكانة الإجتماعية التي توفر لاهلها الحماية المستمدة من النفوذ الممتد داخل الوسط الإجتماعي الزاخر بما تجود به العلاقات الإجتماعية.
-السلطة المادية: وتقوم على الثروة المكدسة في خزائن المال.
2-معسكر العبودية: ويمثله طيف من النلس لا يتوفرون على اي سبب من اسباب القوة.وعلى هذا الاساس يمكن القول ان معسكر الحرية, اهله, هم الاحرار, إذ يتوفرون على سلط شتى تخول لهم فعل ما يشتهون,إذلاوجود لموانع حائلة بينهم وبين ما يشتهون, وذلك بناء على سلطة فعل الامرالواجب التنفيذ الذي يعد الوسيلة المنجزة لهذه الرغبات.اما معسكر العبوديةفإنما اهله هم العبيد الخاضعون قسرا لسلطة ,وإرادة الاسياد.إن هذه الوضعية المتناقضة التي انشطر بموجبها الإنسان ظلما وقهرا إلى حر , وعبد جعلته يتساءل عن الاسباب الجوهرية الكامنة وراء فعل الإنشطار,عنوان التمييز بين الإنسان واخيه الإنسان, فكانت طبيعةالتساؤل صامتة لاتتجاوزجدران او حدودالعالم الداخلي لهذا الإنسان, ولعلها طبيعة انسجمت وتشاكلت وطبيعة:
*المرحلة الصامتة: وإبانها لم يكن الإنسان, بحكم الثقافة السائدة وقتئذ يملك القدرة على التعبيرعن الامه , واحاسيسه النابعة من عدم الرضا عن وضعية ادرك انها ظالمة .هذا وبفعل عامل تطور الفكر, واتساع مساحة الوعي, وكذا التراكم الكمي للخبرات المعرفية, فقد استطاع الإنسان ان يعبر وبإصرار مرحلة عجز اللسان إلى مرحلة انطلاق اللسان وانعتاقه, او:
*مرحلة التعبير: اوالبوح, إذ استطاع الإنسان في ظلها ان يعبر جهرا عن رايه الرافض وبقوة للوضعية المتناقضة الفاصلة بين جنسين متماثلين, ومتضارعين هذا وقد مثل هذا الإدراك ذي الطبيعة الإحتجاجية المنطلق الاساس لعملية التصحيح, وذلك في سياق صراع ضروس بين إرادتين اثنتين:
-إرادة الهدم:ويسعى روادها مستميتين إلى الحفاظ على الوضعية القائمة حيث يحكم ويتحكم الاسياد, وذلك بهدم وواد كل ما من شانه ان يشوش على طبيعة النظام السلوكي القائم, بهدف تحصين المارب والدب عنها.
-إرادة البناء:وتناضل من اجل بناء وعي جديد يحررالانسان من إسار العبودية وفد استطاعت هذه الإرادة تحت ضغط الاسئلة وإلحاحها ان تجعل العقل يدرك حقيقة الحرية كقيمة وجودية كبرى, إذ لاحياة , ولا وجود للإنسان بدونها,مما ادى إلى تمهيد الطريق امام عملية تشكيل وعي مجموعي اسهم في صناعة عقل اكاديمي اخذ على عاتقه مهمة الإنشغال بالحرية كقضية , ومسؤولية اخلاقية.وبما ان الحرية قيمة إنسانية , فقد انبرى الفكرالاكاديمي في سياق شراكة فكرية إنسانية,وفي كل ركن من اركان العالم,لتمجيد الحرية, وما لها من فضائل على حياة الإنسان.فتجذرت بذلك قيمتها بعمق في النقاشات بمختلف توجهاتها وشغلت التفكيرالإجتماعي , والحقوقي والسياسي, وبفعل , وفضل السلوك الفكري التشاركي الإنساني تبلور الخطاب النظري الذي ظل وبإصراريراكم خبراته النظرية بهدف توسيع دائرة الوعي بقيمة الحرية.هذا وللعلم , فإنه لم يكن من اليسير , والهين على مضامين هذا الخطاب ان تقتحم اسوارمسرح الحياة الواقعية للإنسان, الصلبة, وذلك لاسباب ذاتية لها علاقة مباشرة بثقافة الإنسان,ووعيه,ولاسباب موضوعية ترتبط بالثقافة السائدة المتحكمة في الوعي الجمعي للمجتمع.وعلى هذا الاساس فقد ظل التوتر يعتري العلاقة بين المرسل (الخطاب النظري), والمرسل إليه(الإنسان/الواقع).وبمعنى ادق فقد كانت العلاقة الرابطة او القائمة بين النظرية , اوالخطاب والواقع, علاقة اغتراب, وتنافر.وبعد صراع مرير, وببطء شديد اقتحم مفهوم الحرية المجالات الحيوية للمجتمع.إذ من خلال التفاعل البناء مع المفهوم فقد ااستقرت قيمته في الاذهان وذلك بفضل الجهود المبذولة من قبل العقل الاكاديمي الذي واكب عملية التاسيس النظري, وبتوجيه من السلطة القانونية وبحرص من المنظومة الحقوقية , فقد استطاع مفهوم الحرية ان يتحول من مستوى اللفظ إلى مستوى الفعل إذ اقتحم وبقوة مجال الممارسة الميدانية وذلك بعد ان اكتسب الشرعية الوجودية, ليصبح بذلك حقا من حقوق الافراد والجماعات.وعلى هذا الاساس وبعد رحلة قاسية , وطويلة يمكن القول ان مفهوم الحرية قد تجاوزالازمة الوجودية, وذلك بعد ان اصبحت الحرية حقا من الحقوق الشرعية التي تكفلها القوانين الدولية, وثابتا من الثوابت الوجودية, وقيمة من القيم الإنسانية.هذا وإذا كانت الجرية قد عاشت بالامس محنة وجودية, فإنها اليوم تعيش محنة على مستوى الفهم,وبمعنى اخر, فإن مفهوم الحرية لازال مضمونه ملتبسا في اذهان كثير من الناس.إذ باسم الحرية يسيؤون إلى الحرية.وقد ادى سوء الفهم هذا, إلى خلق فوضى في بنية العلاقات والمعاملات, فضاعت بموجبها حقوق الافراد والجماعات.فادى هذا السلوك المنحرف إلى إفراغ المفهوم من محتواه مما ساعد على توسيع مساحة الإنحراف في الاذهان الذي احدث اضطرابا في عمق العلاقة القائمة بين الدال(الحرية) والمدلول( معنى الحرية).وسبب هذا الإضطراب مرده اساسا إلى الإنفصام الحاصل بين الإرادة وإنجاز الفعل من جهة, والقانون الاخلاقي من جهة اخرى. مما ادى ولازال يؤدي إلى مايسمى بالحرية السلبية . وبمعنى ادق فحينما يتم إنجاز الافعال بمعزل عن رقابة الضمير, وسلطة الاخلاق, تفقد الحرية هويتها, وتستحيل إلى فوضى تعصف بإرادة الاخر وحقوقه, واختياراته وقد وقف الفيلسوف كانت على هذا المعنى في كتابه ميتافيزيقا الاخلاق, تناول فيه اشكال حرية الإرادة ,إذ ميز فيه بين الحرية السلبية التي لاتتقيد بمبادئ وواجبات الاخلاق في مقابل الحرية الإيجابية التي تنبني على حرية الفعل وحرية الإرادة الملتزمين بالقانون الاخلاقي العاصم من الفوضى إذ هي حرية نابعة من إرادة خيرة تجعل الشخص يعامل غيره كما يعامل نفسه , ويرسم حدودا لحريته.وللعلم فإن مسالة الحدود إنما هو امر اصيل وجوهري, واساسي بالنسبة للحرية , إذ تمثل الضوابط الاخلاقية لها, إذ في نطاقها تتحرك افعال الإنسان. واستقراء للواقع الإجتماعي المعبش , مسرح تفاعل العلاقات الإجتماعية, يمكن الفول ان الحرية في ازمة حقيقية, وهي نابعة كما يرى احد علماء الإجتماع من (انانية الإنسان الذي يسعى , ويرغب بكل الوسائل في إرضاء رغباته ولو على حساب الاخر , متجاوزا بذاك الحدود الفاصلة بين رغباته , ورغبات الاخرين.ولعله امر يفضي حتما إلى ما يسمى العنف الإجتماعي الذي يؤثر وبقوة على بنية العلاقات الإجتماعية .إن هذا الإضطراب إنما هو ابن ضال , غير شرعي ,لحرية تستحيل مع سوء الفهم إلى حرية طبيعية, تفتقر إلى رقابة الضمير والاخلاق…….)هذا وإذا كان سوء فهم الحرية على الصعيد الإجتماعي يؤدي إلى العنف الإجتماعي وما يرتبط به من توتر , وفوضى ,يمكن القول ان مفهوم الحرية من المنظور السياسي يخضع لتاويلات تحكمها المصالح. وبتعبير اكثر وضوحا , إن الفهم السياسي او القراءة السياسية للحرية تختلف بصقة جذرية عن باقي القراءات . إن معاني الحرية حسب الفهم السياسي قديما وحديثا تستمد من سلطة السلطان اوالحاكم وما بحوزته من قوة ورباط الخيل.اي ان تاويل معنى , او معاني الحرية من قبل منظور مالك اسباب القوة يرتبط اساسا بطبيعة القوة , وحجمها.فالوزن السياسي للدولة يمنح زعيمها حق تاويل القضايا وفق ما ينسجم ومناقع بسعى لتحقيقها.ولعل هذا ماينطق به لسان الواقع السياسي,اليوم, الحافل بالإجتهادات السياسية الصادرة عن الدول القوية الفاعلة على الساحة الدولية.وقد كانت مقولة الحرية مجال الإجتهاد ومادته الخصبة ,كما كانت ولاغراض سياسية, الحجة والسبيل لاستهداف دول بعبنها بغية تحقيق مارب سياسية محددة.وهو امريبرر ومازال يبرر مسالة التدخل في الشؤون الداخلية للدول, مما ادى إلى توتر واضطراب في بنية العلاقات الدولية ادت وبكيفية مباشرة إلى رسم خريطة سياسية متنافرة انعكست سلبا على الجغرافية السياسية للدول, تجلت في الاضطرابات , والصراعات, والحروب. إن المقاربة السياسية لمفهوم الحرية وغيرها من المفاهيم وفق منظورات سياسية متباينة تحكمها المصالح, والمنافع, بعيدا عن المعاني والدلالات الاكاديمية المتداولة , والمعروفة, قد كانت العلة المباشرة وراء العبث بسيادة وامن واستقرار دول بعينها. وسيظل الامر كذلك بل سيتعاظم, ويتفاقم إن لم يلتزم المنظور السياسي بصيغة القراءة المحددة والمطلوبة بدقة لمفهوم الحرية وغيره من المفاهيم. إن الاستقرار السياسي والاجتماعي لكل من الدول, والمجتمعات يقتضيان صياغة وصناعة وعي جديد يمتلك قدرة إدراك المعاني الإنسانية المقدسة لمفهوم الحرية والكف عن العيث بهذه المعلني وفق المصالح, والاهواء.





