المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

مدام بوفـاري، علم التخييل

جاك نيفس- ترجمة: الحسن علاج

توصلت أول رواية لفلوبير ، كما حدس موباسان ذلك، إلى تصحيح ال\”حياة ذاتها\” انطلاقا من قصة مختلقة.

مر على صدور رواية مدام بوفاري مائة وأربعة وستين سنة . منذ ظهورها في ست دُفعات في مجلة باريس) Revue de Paris (، من قاتح أكتوبر إلى 15 من دجنبر 1856 ، ثم ضمن كتاب مجلد لدى ميشال ليفي Michel Lévy) (أبريل 1857 ، رواية مُؤَلف كان لا يزال مغمورا ، أثارت الفضول ، الاندهاش والحيرة . كما أحدثت نوعا من الهتيكة : تمت مُتابعة كل من الكتاب ومؤلفه منذ نهاية دجنبر 1856، من أجل \”الإضرار بالأخلاق الحميدة والدين\”، مثلما سيتعرض إلى ذات الشيء، بضعة أشهر فيما بعد، مجلد أزهار الشر. ومع ذلك فقد عملت التبرئة التي حصلت في يناير 1857، على تحرير الكتاب، ومن دون شك أن المحاكمة دافعت عن المصلحة التي عرضت عليها . لكن روعة الكتاب نفسه هي التي أذهلت آنئذ كما تذكر بودلير ذلك على الفور: \” إن الكتاب اللامضطرب، سيحصل على ذات الفضول، سيحدث نفس الإعجاب، ذات الإثارة. علاوة على ذلك، فإن موافقة كل الأدباء كانت إلى جانبه منذ زمن بعيد. \” (\” مدام بوفاري ، غوستاف فلوبير\”، [جريدة] الفنان، 18 أكتوبر 1857 )
في عام 1884 ، وبعد مضي أربع سنوات على وفاة فلوبير، تذكر غي موباسان من جانبه، التأثير الصاعق الذي تسببت فيه رواية مدام بوفاري: \”لقد شكل صدور مدام بوفاري ثورة في الآداب . \” لقد مثل الكتاب كما أشار إلى ذلك ، حداثة مطلقة في فن الرواية: \”لم يعد الأمر يتعلق برواية كتلك التي كتبها العظماء، برواية حيث يتم فيها الإحساس دائما بقليل من الخيال والمؤلف، برواية تستطيع أن تصنف في النوع التراجيدي، في النوع العاطفي ، تصنف في النوع المتقد عاطفة أو [ تصنف] ضمن النوع العائلي، برواية حيث تتبدى النوايا، الآراء وطرائق تفكير الكاتب: إنها الحياة ذاتها وقد تجلت \”


\”لقد عرفتها، أحببتها مثل صديقة\”
هل سيدين العمل بإصراره لتلك المقدرة على الوجود \”الحياة ذاتها وقد تجلت \”؟ ولو أن آخرين اعتقدوا عكس ذلك (لذلك كتب إدمون دورانتي Edmond Duranty) ( ، في [جريدة] الواقعية réalisme) ( ، في 15 مارس 1857 : \” في هذه الرواية لا وجود لا لانفعال، ولا لمشاعر، ولا لحياة، بل قوة كبيرة لعالم بالحساب \”)، وهكذا تم فهم الرواية على الفور، كما تشهد على ذلك رسالة إلى فلوبير بتاريخ 18 دجنبر 1856، أعني ثلاثة أيام بعد نهاية النشر في المجلة ، قامت بإرسالها قارئة أصبحت مراسلة وفيّة ، الآنسة لورواييه دو شانتوبي Mlle Leroyer de Chantepie) (: \” بالطبع ، تلكم هي شيم هذا الإقليم الذي رأيت فيه النور، حيث قضيت حياتي . أخبركم، سيدي، لكم فهمت من الأحزان، الضجر، ومن بؤس هذه المسكينة مدام بوفاري. لقد عرفتها على وجه السرعة، أحببتها ، كصديقة كنت سأعرفها. فقد تماهيت مع وجودها إلى درجة أنه كان يبدو لي أنها كانت هي وكنت أنا! \”إن قوة الحقيقة تلك، قد لاحظها فلوبير منذ خمس سنوات أثناء تحريره روايته: \”إن كل ما يتم ابتكاره يعتبر حقيقيا، فكوني على يقين، كتب إلى لويزا كولي Louise Colet) (، في 14 غشت 1853 […]. لا شك أن المسكينة مدام بوفاري، تعاني وتنتحب في عشرين قرية في الوقت نفسه، في هذه الساعة بالذات . \”
إن الأعمال العظيمة، يؤكد كنيث بوركه (Kenneth Burke) في [كتاب] فلسفة الشكل الأدبي، دراسات في الأفعال الرمزية ، مستشهدا بمدام بوفاري ، هي تلك التي لها القدرة على \” منح اسم \” إلى مجموعة معقدة من السمات المتميزة إلى حد عميق ، إلى الإنسانية . وبالتأكيد ، فإن مدام بوفاري ، مثلها في ذلك مثل دون كيشوت وحيث غالبا ما تم تقريب رواية فلوبير ، قد قامت بفعل ذلك . مدام بوفاري ، إيما بوفاري ، إيما هي كائنات تعيش على الذاكرة الكونية ، ترجمات لا حصر لها ، اقتباسات أدبية وسمعية بصرية ، رسوم ساخرة ، إصدارات مصورة ، بفرنسا ، أوروبا ، وفي كل القارات ، تشهد على ذلك . \” تحضر مدام بوفاري في قائمة الإحالات ، في كل أنواع الخطابات ، الأقوال ، شأنها في ذلك شأن الكائنات التاريخية . القصة البئيسة لمدام بوفاري ، زوجة شارل بوفاري ، ضابط الصحة بمقاطعة توستا Tostes) ( ثم ببلدة يونفيل Yonville) ( ، أحلامها ، عشيقيها ، ردولف وليون ، إفلاسها وانتحارها ، الصيدلي هومي Homais) ( ، الخوري البورنيزي المرابي تاجر \”الأشياء الجديدة \” سعيد الحظ وآخرون ، بلدة متخيلة مترامية الأطراف من النورماندي في القرن التاسع عشر ، قدمت مادة \” اعتراف \” كوني لافت للنظر ، كما أنها بالتأكيد لازالت تتمتع لأمد طويل بجاهزية لا حد لها .
قدمت الآنسة لورواييه من شانتوبي، معجبة ومراسلة للمؤلف، مثالا جيدا عن شكل الملاءمة المحاكاتية، التي تتمتع رواية فلوبير بالقدرة على التزويد بها . تقوم هذه الأخيرة بإعادة رسم الحكاية ، في رسالة أخرى إلى فلوبير ، متحدثة بلسان إيما: \” قالت في نفسها : كل تلك النساء اللواتي أسرفن في متع باذخة، أشفين غليلهن من المداهنات والملذات […]، اللواتي قمن بمضاعفتها للإله مني، التي [مدام بوفاري] تعيش خاملة، معتمة، بئيسة، محرومة من كل سعادات هذا العالم؟ […] إن موت مدام بوفاري مفعم بالجزئيات الحقيقية ، مفرطة في الحقيقة؛ ماذا سأقول لكم ، لقد عشت حياتنا، تألمت، مت معها، لأنه كان يبدو لي أنني عشت فيها وأنها ماتت في […] . ثمة على الخصوص في روايتكم عبارة راقية ومدهشة ، وهو حينما قال السيد بوفاري ، بعد وفاة زوجته، لردولف، \” أنا لا ألومك بعد الآن ! \” ، والذي اعتقد أنه اكتشف شيئا ما لإيما في وجه ردولف الذي لطالما أحبته […] . لقد اقتنعت بأن تلك القصة حقيقية ! \” تمكنت \” حقيقة \” محكي فلوبير، تقريبا وبشكل مضحك، إلى أن تقود قرية بكاملها، راي Ry) ( ، إلى أن تتعرف على نفسها فيها، وإلى المطالبة بشرف أن تكون نموذجا لبلدة يونفيل، وإلى أن تصبح \” مماثلة \” لمحكي فلوبير .

كتاب \”حيث يصبح الموضوع خفيا تقريبا\”
ومع ذلك، فإن سوء الفهم يعتبر تاما في ذلك. أنكر فلوبير بشدة تصورا مشابها لل\” واقعية \”: \” لا تمت مدام بوفاري إلى الحقيقة بصلة. إنها قصة مختلقة تماما؛ لم أبث فيها لا مشاعري ولا حياتي. يصدر الوهم (لو كان هناك وهم واحد) خلافا لذلك عن موضوعية العمل. إن ذلك يعتبر أحد مبادئي، لا ينبغي أن أكتب عن نفسي. على الفنان أن يكون شبيها بالإله في الابتكار، لا مرئيا وكلي القدرة؛ يتم الإحساس به في كل مكان، لكن مع عدم رؤيته\” (إلى الآنسة لورواييه من شانتوبي، 18 مارس 1857 ). وبالفعل ، فإن تقويض وهم ال\” نموذج \” كان شيئا لا بد منه من أجل تعيين الطبيعة ذاتها لهذا ال\” وهم \” الفني الجديد الذي قام فلوبير بالبحث عنه ومرافقته طيلة تحرير روايته. إن قوة العمل بالنسبة لفلوبير ، لا يمكن أن تكون إلا في شدة النثر ، ضمن هذا \” مثال النثر \” الذي كان يلاحقه من خلال آلاف الصفحات التي قام بتسويدها : \” الرغبة في منح النثر إيقاع القصيدة (مع الإبقاء عليه نثرا ونثرا إلى حد كبير ) ثم تدوين الحياة العادية مثلما تُكتب القصة أو الملحمة ( من دون تشويه الموضوع ) لهو ربما شكل سخيف؛ فهذا ما يجعلني أتساءل عنه أحيانا . على أن ذلك على وجه الاحتمال يعتبر محاولة كبيرة ومبتكرة \” (إلى لويزا كولي، 27 مارس 1853 ) .
لقد كان ذلك يشير إلى اللامبالاة تجاه الموضوع : \” لعل ما يبدو لي أكثر جمالا ، ما كنت سارغب بفعله ، هو كتاب حول لا شيء ، كتاب من غير ارتباط خارجي ، يستند على نفسه عبر القوة الداخلية لأسلوبه ، كحال الأرض تحتفظ بتوازنها من غير أن يسندها شيء ، كتاب لن يمتلك موضوعا تقريبا أو على الأقل حيث الموضوع سيكون لا مرئيا تقريبا لو كان هذا ممكنا . إن الأعمال الأكثر جمالا هي تلك التي بها مادة أقل ؛ فكلما اقترب التعبير من الفكرة إلا وتمسكت به وتلاشت ، وكان أجمل . أعتقد أن مستقبل الفن يوجد في تلك السبل \” الأسلوب ك\” رؤية \” ، إن تغيير نقطة ارتكاز فن النثر السردي أضحى حتميا : \” فلا وجود ، من هذا المنطلق ، لا لموضوعات جميلة ولا لموضوعات قبيحة والتي يمكن طرحها تقريبا مثل مسلمة ، مع طرحها من وجهة نظر الفن الصافي ، أنه لا وجود لأي شيء ، الأسلوب وحده طريقة مطلقة لرؤية الأشياء \” ( إلى لويزا كوليه ، 16 يناير 1852 ) .
إن ذلك جيد جدا لأن هذا النثر الذي تم الاشتغال عليه يرتبط بأكثر أشكال الحياة الاجتماعية شيوعا ، يرتبط بالغموض المباشر للحياة العاطفية ، بالإحساس بالأشياء ، لأنه [النثر] يلامس ظل الرغبات والطموحات ، ولأنه يفصل كشيء متأصل ، متموجا ومستقلا على وجه التقريب ، عالم الصور والمشاعر التي ينتجها ( مثلما قام مانيه Manet) ( بذات الشيء ) ، وهو أن العمل يكتسب سلطته الغريبة . إن بودلير باعتباره فنانا ، أقرب ، يلاحظ ذلك جيدا ، عندما يتخيل ما يمكن أن تكون عليه الاستراتيجية الجمالية لفلوبير : \” سوف يقوم ببسط أسلوب عصابي ، مثير للإعجاب ، نافذ ، دقيق ، على لوحة قماش تافهة . سيعمل على احتجاز المشاعر الأكثر ابتذالا . ستنفلت الأقوال الأكثر احتفالية ، الأكثر قطعية ، من الأفواه الأكثر غباء \” ( \” مدام بوفاري ، غوستاف فلوبير \” ، الفنان ، 18 أكتوبر 1857 .

\” رياضة شاقة \”
عبر ضرورتها الجمالية ، تحولت مدام بوفاري ، من حكاية بسيطة إلى أسطورة عائلية ، كما أنها تعتبر نوعا من إحالة مثالية على الفن الأدبي : \” ليست مدام بوفاري هي كلاسيكية الرواية فقط : فهي على الأرجح الرواية الوحيدة التي تعتبر في نفس الوقت عملا فنيا ، بالمعنى الدقيق ، الصارم ، الضيق ، إذا شئنا ،للكلمة \” ، كتب إلى شارل دي بويس Charles Du Bos) ( ، بمناسبة مرور مائة عام على رحيل فلوبير ، سنة 1921 . كما أن فلوبير ، مع مدام بوفاري ، أصبح ، بالنسبة للمستقبل ، \” روائي الروائيين \” ، بحسب تعبير هنري جيمس ( الذي لم يكن يميل إلى الكتاب في حقيقة الأمر ) . على أنه إذا كانت هذه الرواية \” ثورة في الآداب \” يكمن في أنها تنفصل عن تقليد للرواية ( العاطفية خصوصا ) تعمل على امتصاصه بطريقة ساخرة ، وتجعله يترنح ، من شدة الدوار المحاكاتي الذي تحدثه ، عبر قوة تصورها وأسلوبها ، مساءلة الأفعال والأهواء البشرية التي يحملها الأدب معه .
\” إن الجميل في بوفاري ، هو أن ذلك سيشكل تمرينا قاسيا . كنت سأضع واقعا مكتوبا ، الشيء الذي يعتبر نادرا \” ( إلى لويزا كوليه ، 7 يوليوز 1853 ) . إن فن النثر هو ، مع مدام بوفاري ، الشيء الذي سيمنح نوعا من الإصرار اللامحدود إلى هذا \” الواقعي \” الذي يتوارى في أعماق الحياة ، ثم ينسحب ضمن صمت مطبق ، كما هو الحال في لحظة موت إيما : \” تناولت جرعة ماء ثم استدارت صوب السور . كان المذاق المنفر للمداد يتواصل . \”
ـــ
مصدر النص : المجلة الأدبية اقرأ الفرنسية Lire magazine littéraire عدد ممتاز فبراير ـ مارس 2021
جاك نيفس Jacques Neefs) ( متخصص في رواية القرن التاسع عشر ، وهو أستاذ فخري بجامعة باريس الثامنة وأستاذ بجامعة جون هوبكينز في بالتيمور . قام بنشر طبعة جديدة لرواية مدام بوفاري ( كتاب الجيب ) .