كتابة: آمال داودي
استطاع النص الشعري العربي الحديث والمعاصر أن يتخلص من قيود النموذج الشعري التقليد ي ويواكب الحداثة ومتطلباتها، ويكتب لنفسه حضورا فريدا في فضاء الإبداع الشعري،سواء على المستوى اللغوي أو البنية العامة،وقد أدت هذه النقلة الفعلية إلى فتح آفاق المتخيل الشعري وإمكاناته التعبيرية اللامحدودة عبر مستوى فني لا يعترف بغير قوة اللغة، وقدرتها على التصوير وتقديم نص مغاير يساير الحدث.
وتقف هذه الدراسة عند محمود درويش باعتباره أبرز شعراء العرب، الذين أغنوا القصيدة الحديثة بخصب إيقاعي وتركيبي جديد لتمثيل التجربة الشعرية الحديثة والمعاصرة، وهذا ما تتوخاه هذه الورقة البحثية التي تروم إلى إضاءة النص الشعري، وفحص بنيته للكشف عن مميزاته الفنية والجمالية .
بنيت القصيدة التي بين أيدينا على السرد( السرد الشعري)، وقد انزاحت إلى شعر التفعيلة، وهو نص ثري حيث إعتمد فيه الشاعرعلى لغة رمزية دافقة بالدلالات والرموز والتشاكلات البنائية المختلفة،ويكمن موضوعها في دعوة الشاعر إلى كسر قيود الشعر القديم، وكتابة قصيدة حداثية تواكب الواقع المعاش من ناحية المضمون واللغة، فتكون موضوعاتها وأغراضها فيها محاكاة لهدا الواقع بكل صوره، وبلغة مستوحاة من معجم لغوي جديد، وذات بعد رمزي .
وقد كرس الشاعر لرؤيته الخاصة اتجاه القصيدة الحداثية،من خلال توظيفه لثنائية (الرفض والقبول) في اطار زمني متضاد (الماضي/الحاضر)،حيث يتجلى ذلك في قوله:
لابد لي أن أرفض الموت
لابد لي أن أرفض الورد الذي يأتي من القاموس، أو ديوان شعر
في هذه الأبيات صرح برفضه لعمود الشعر الخليلي الذي تقوم عليه القصيدة التقليدية، ولمح بقبول قصيدة حداثية لغتها مستوحاة من الواقع المعاش، حيث تجلى ذلك في قوله:
ينبت الورد على ساعد فلاح،وفي قبضة عامل
ينبت الورد على جرح مقاتل
وعلى جبهة صخر.
أول ما نبدأ به تحليل القصيدة الوقوف على العنوان كونه العتبة الأولى من عتبات النص، وهو مفتاح الدخول إليه.
يحتوي العنوان (الورد والقاموس) على وظيفة إغرائية، لإثارة وجذب القارئ لكي يسعى لفك شفراته، والوصول إلى العلاقة التي تربط بين العنوان والنص، وقد جاء العنوان على صيغه جملة اسمية بنيتها تتكون من تركيبين هما:
التركيب الإسنادي: الورد/ المسند( الخبر) والمسند إليه/ المبتدا( المحذوف)
والتركيب الثاني: المتكون من حرف العطف والمعطوف (والقاموس).
ويمكن اشتقاق المسند إليه (المبتدأ) المحذوف من المسند (الخبر)، وذلك بنسبته إلى ذات الشاعر المتكلم، باعتبار الشعر المعاصر يصدر من صميم الذات متجها نحو موضوع القصيدة، وتصبح التركيبة الجديدة : قصيدتي هي الورد والقاموس
ونلاحظ أن تراكيب بنية العنوان ترمز إلى كثافة دلالية ومعاني خفية،رغم الإقتصاد اللغوي فيه، فالتفسير الدلالي لتراكيب العنوان بتجلى أولا في ( الورد) حيث يرمز إلى عدة دلالات من بينها: (الجمال، الأمل،الحب،المرأة)،أما دلالة التركيب الثاني (القاموس ) فهو يرمز إلى اللغة جمعاء قديمها وحديثها. ولكن ورود التركيبان معرفان ب(ال)، يدل أن الشاعر خصص دلالة واحدة لكل منهما، فخص الورد بالجمال وخص القاموس بلغة الواقع المعاش بجميع صوره.
وتقديم الورد على القاموس يمنح المتلقي للوهلة الأولى صورة ذهنية على القصيدة، إلا أن عطف (الورد) بـالقاموس يجعل المتلقي يدرك أن لغة الواقع هي التي رمز لها بالقاموس، فهي التي تحمل هذا الجمال، ونستدل على ذلك من خلال قوله:
لابد لي أن أرفض الورد الذي
يأتي من القاموس ،أو ديوان الشعر
ينبت الورد على ساعد الفلاح، في قبضة عامل
ينبت الورد على جرح مقاتل
وعلى جبهة صخر.
وإذا انتقلنا إلى المتن نجده يتميز بجماليات خاصة،تظهر من خلال بنياته الصوتية واللغوية وكذلك صوره الشعرية،سنحاول الكشف عنهم من خلال الوقوف على كل بنية على حدا.
1- جمالية البنية الصوتية :
تعد من السمات البارزة التي يتميز بها الخطاب الشعري،وهي ركن أساسي من أركان البناء الجمالي للنص الشعري، وتنتج البنية الصوتية بين المزاوجة بين الإيقاع الداخلي والإيقاع الخارجي، وهذا الأخير يضم الوزن والقافية والروي، ولمعرفة البحر الذي اختاره الشاعر لنظم قصيدته لابد من التقطيع العروض .
وليكن لابد لي
/0//0 /0/0 //0
فاعلن فاعل فعل
لابد للشاعر من نخب جديد
/ 0/0 //0/ 0/0/ . / ./0 /0/ . .
فاعل فاعل. فاعلن. فاعل. فاعلات
إنني أحمل مفاتيح الأساطير وآثار العبيد
/0// 0 /0// . /0/0 ///0 / .// . / . / . // . .
. فاعلن. فاعلن. فاعل. فعلن فاعل فاعل فعلت
من خلال التقطيع نجد الشاعر قد تبنى البحر المتدارك، وهو بحر صاف يتكون من تفعيلة واحدة (فاعلن) مع حدوث بعض التغيرات نظرا للزحافات والعلل, حيث تحولت (فاعلن) إلى( فعلن) بفعل زحاف الخبن، ويرى الدارسون أنه حسن وكثير في الشعر، وإلى (فاعل) بسبب علة القطع، وإلى فاعلات أو فعلت بسبب علة التذييل .
وهذا التنوع في التفاعيل من أصل تفعيلة واحدة منح الشاعر حرية أكبر في التعبيرعن رؤاه وتطلعاته اتجاه القصيدة الحداثية .
ويقول الدارسون عن المتدارك إنه بحر جميل الإيقاع وراقص، موسيقاه الواثبة تتناسب وسرعة الإيقاع في هذا العصر ، وربما يعود سبب اختيار الشاعر لهذا البحر لسرعة الأحداث والتغيرات التى تحدث في هذا العصر، وربما اختاره لكونه بحر مستحدث بعد الخليل، ليثبت للمتلقى أنه قادر على كتابة قصيدة خارج دائرة بحور الخليل (قصيدة حداثية ببحر مستحدث)
وما يستوقفنا أيضا تحرر الشاعر من قيود القافية، وذلك من خلال استخدامه للعديد من القوافي دونما انتظام محدد في استخدامه، لقد تنوعت وتداخلت، وهذا راجع لاطلاقه العنان للدفقة الشعورية .
كما نجد أنه استعمل في قصيدته ثلاثة قوافي غير محورية، الأولى (/00) ديدا- يان- ديم –شيخ -يوم -موت-موت-ملت-شعر-صخر
أما القافية الثانية (/0//0) نذكر منها :وليكن- بد لي – الذي،كما تتجلى القافية الثالثة (/0/0) في :تكبر- قاتل- عامل.
وهذا التنوع في القوافي يؤكد موقف الشاعر لرفضه لوحدة قافية، ويعد انزياحا على قواعد العروض وخروج عن ضوابط الشعر التقليدي المحكوم بوحدة الوزن والقافية .
كما ساعدت القافية المقيدة الشاعر في تصوير المعنى الشعوري للقصيدة، بالتعبير عما يدور في ذاته من غيظ وكبت ورفض من هذه القيود.
أما الروي فلم يكن هناك روي واحد بل تعددت القوافي كثيرا وتنوعت، ولا بأس بالإشارة إلى بعضها
فمنها (الدال) وهو حرف مجهور شديد فيه قلقلة جاء في ( جديد- جديده -بليد ……),حرف (الميم) في ( النجوم- اليوم) وهو حرف مجهور كذلك،متوسط بين الشدة والرخاوة ،كما نجد الروي في حرف (التاء)،وهو حرف مهموس شديد، وما لوحظ أن صفات حروف الروي تراوحت بين الجهر والهمس والشدة والاعتدال .
وللإشارة فإن تنوع الروي يعتبر مظهرا من مظاهر القصيدة الحداثية التي دعا الشاعر إلى تأسيسها.
إن الاشتغال على هذا المستوى الخارجي اشتغال دال،كشف عن التفاعل والتعالق بين الشكل والمضمون، فانعكس ذلك على جمالية القصيدة.
كما يعد الإيقاع الداخلي جزءا هاما من الدراسات الصوتية، إذ يتمثل في إثارة نغم موسيقي ناتج عن التوافق والانسجام بين عناصر الأصوات في الكلمة، وداخل التراكيب بين الكلمات.
وبالعودة إلى القصيدة فإننا نرصد أهم العناصر التي ساهمت في إنتاج الموسيقى الداخلية مؤسسة للإيقاع الداخلي، ونبدأ بـالتكرار: الذي لم يعد اشتغالا عبثيا، بل أضحى مؤشرا على رقي النصوص الشعرية وعذوبتها حيث يلجأ الشاعر إلى تكرار الحرف والكلمة والعبارة لغاية ما، ومن أمثبته في النص:
أ- تكرار الصوت( الحرف) : هيمنت الحروف المجهورة في النص على الحروف المهموسة،حيث بلغت الحروف المجهورة (366) حرفا والمهموسة حوالي (82) حرفا في القصيدة كلها، التي عدد حروفها(448) حرفا، فالشاعر هنا يجهر بموقفه الرافض لقيود الشعر .
كما لاحظنا أن أكثر الحروف المجهورة تكرارا هي أربعة حروف( ل-ي- ن-ر)، وكلها حروف منفتحة بالجهر والتوسط بين الشدة والرخاوة، حيث بلغ تعداد حرف (اللام) 46 حرفا و(الياء) 43 حرفا و(النون) 32 حرفا و(الراء )21 حرفا
فـ(الام )وغالبيتها تؤكد الاعتدال وسلامة الفكرة، ورفض القيد من دون تطرف، كما أن صوتها يوحي بمزيج بين الليونة والمرونة، وهذا ظهر من خلال أسلوب الشاعر في معالجتة لهذه القضية.
كما لفت انتباهنا الانتشار الكثيف لحرف (الياء) بين كل الأبيات تقريبا، وهو من الحروف اللينة وقد جاء على طريقتين، منه ما جاء صائت طويل مثل (لابد لي- أساطيري- إنني-….), ويتحول هذا الصوت إلى صامت مثل (التاريخ -أساطير- يكبر – ينمو-يلعب -يمتص ) ويدل هذا التكرار على سيطرة موضوع القصيدة على وجدان الشاعر.
وأما الصوت الثالث فهو (النون) حيث يقول: عنه الأرسوزي إنها( للتعبير عن الصميمة)، ويقول عنه العلايلي أيضا إنها (للتعبيرعن بطون الاشياء)،فهو حرف الصميمة والنفاذ، والانبثاق، وهذا ما يحاكي التجربة الشعرية التي تتضمن رفضا لتبعية الشاعر للقصيدة التقليدية .
وفي آخر هذه الجزئية نقف عند حرف( الراء)، وهو حرف تكراري قال عنه العلايلي:إنه يدل على الملكة وعلى شيوع الوصف،وهو ما يتجلى لدى الشاعر من ملكة اقتدار في تحويل التجربة الشعرية من الوجود الإنفعالي في الذات إلى الوجود التعبيري في القصيدة .
كما أن ( الراء) من صفاته وإيحاءاته التحرك والتكرار، وهذا ما يشعر به القارئ وهو يتلو هذه القصيدة المفعمة بالدينامية المتواصلة .
ب- تكرار الكلمة :
إن تكرار الكلمة في القصيدة موجود بشكل ملفت للانتباه، ومن بين الكلمات المكررة في النص نجد تكرار كلمه (الورد) التي تكررت أربعة مرات، وقد أسهم تكرارها في التعبير عن مشاعر وأحاسيس الشاعر، كما أنه تكرار يفيد التعدد والتنوع، وكذلك جاء كنوع من التأكيد على المعنى المقصود، وقد كرر أيضا لفظة (الشعر) مرتين ولفظة واحدة مرادفة له وهي( الأناشيد)، وتكرار لفظة الشعر هي البؤرة التي بنى عليها الشاعر قصيدته، وكرر كذلك كلمة (أرفض) مرتين، وهي انعكاس للحالة النفسية الرافضة للانصياع لقواعد الشعر التقليدي .
ج- تكرار اللازمة :
تتوزع القصيدة على ثلاثة مقاطع تبدأ جميعها باللازمة القبلية (وليكن)، وهي لازمة تكرارية للنص ككل، والغرض منها كسر الرتابة الإيقاعية أوائل المقاطع، ” واللازمة أصبحت سمة أسلوبية في شعر تفعيلة” (ينظر عثمان بدري،دراسات تطبيقيه في الشعر العربي) ، ولهذا وظفها الشاعر في قصيدته كسمة أسلوبية لها لإحداث مفارقة بينها وبين القصيدة التقليدية.
د- تكرار العبارة :
وهي نوع آخر من التكرار، يتجلى في تكرار العبارات ونجد ذلك في تكرار الشاعر لعبارة (لابد لي أن أرفض ) مرتين وهو تكرار جاء ليغني دلالة النص غرضه تأكيد الرفض، أي رفض شكل ومضمون القصيدة التقليدية.
وكذلك كررعبارة (ينبت الورد) وهو يفيد الإصرار على الاختيار،ا ختيار اللغة والصورة الشعرية التي توافق رؤيا الشعر المنبثقة من الواقع المعاش.
ه- تكرار الروابط الحرفية :
لقد استوقفتنا كثرة ورودها في القصيدة، خاصة تكرار حرف الربط( الواو)، واللافت لنظر أكثر أن الشاعر بدأ بعض أبياته به (8أبيات)، ومن ذلك وروده في ثلاثة أبيات متتالية وهي:
وأنا اجتاز سردابا من النسيان
والفلفل والصيف القديم
وأرى التاريخ في هيئة الشيخ
فلقد كثف الشاعر المعاني تكثيفا رأسيا، من خلال استخدامه حرف العطف الواو في بداية كل بيت، وهذا النوع من التكرار يطلق عليه التكرار الاستهلالي ويسمى أيضا تكرار البداية، وقد أفضى تكرار حرف العطف على بداية كل بيت مزيدا من الترابط الفني والموضوعي على القصيدة وأسهم في اتساع المعنى .
وإضافة إلى ذلك نجد تكرر حروف الجر ومنها(من،عن،في،على،ل) فهي تعمل على الربط بين مفاصل الجملة فتسهل الحركة بين الجملة الاسمية، ولقد تكثف وجودها في البيت الشعري الذي قال فيه الشاعر:
إنني أبحث في الأنقاض عن ضوء، عن شعر جديد
وهنا نحصي ثلاثة حروف جر في هذا البيت فقط، وهو ملمح لغوي أضفى مزيدا من المرونة على المعنى الإجمالي للبيت.
و- الترصيع :
يعتبر من الظواهر الإيقاعية التي يسعى إليها الشاعر في بناء قصائده، بغية الوصول إلى نغم موسيقي داخلي يشد السامع ويمتعه، فقد جعله قدامة بن جعفر ظاهرة مشابهة للوزن لتعزيز الإيقاع، وتعد الوظيفة الأساسية له وظيفة فنية جمالية بحتة .
والترصيع باعتبار الوزن والروي ثلاثة أنواع وهي( المتوازي، المتوازن، والمطرف)، وقد ظهرت بشكل كبير بين كلمات القصيدة ندكر منها :
– الترصيع المتوازي وفيه( اتفاق في الوزن والروي) (ينظر: رابح بخوش اللسانيات وتطبيقاتها الخطاب الشعري) ، ونجده في ( الكلمات،الذكريات) ( شعر،صخر) ( جديد،بليد)
ـ الترصيع المتوازن وفيه( اتفاق في الوزن دون الروي) (المرجع نفسه)،وقد يكون بين الكلمات المتماثلة في الدلالة كقول الشاعر في القصيدة( تنمو/تكبر) وأحيانا أخرى بين الكلمات المتباينة، ونجد ذلك في قوله (جرح/ صخر) (يلعب /يمتص) (ساعد /عامل)( ضوء /شعر).
وآخر نوع هو الترصيع المطرف وهو( ما اتفقت كلمتا القرينتين في الروي لا في الوزن) المرجع نفسه،وقد حضر بكثرة بين كلمات القصيدة، ونذكر على سبيل المثال منها (تاريخ/ شيخ )(عامل/ مقاتل )(اليوم/ النجوم)…
ويمكن القول إن الترصيع بأنواعه قد أضفى على القصيدة جمالا جسده الانسجام الصوتي والتتابع الإيقاعي المنتظم، الناتج عن مفردات الترصيع، كما تعبر كثرة وروده في القصيدة على رغبة الشاعر في خلق إيقاع موسيقي جديد يتماشى أكثر مع القصيدة الحداثية.
وقد تبين لنا من خلال الاشتغال على مستوى الإيقاع الداخلي أن النص ثري بمختلف المظاهر التكرارية، على مستوى الصوت واللفظ والعبارة، وهذا الإيقاع الذي خلفته التكرارات قوى المعنى وأكده في ذهن المخاطب.
2- جماليات البنية اللغوية
يستخدم الشاعراللغة لتعبيرعن مشاعره وأفكاره بطريقه إبداعية، مع مراعاة الجانب الجمالي والوظيفي لها، والبنية اللغوية في الشعر تشير إلى كيفية تنظيمها واستخدامها في النص الشعري، مع مراعاة الجانب الصرفي والنحوي وتراكيب الجمل وحتى الصور الشعرية .
ولتحليل البني اللغوية لنص (الورد والقاموس) سنقف في البداية على الأسماء والأفعال، حيث يقول اللغويون إن الاسم يفيد الثبوت والسكون، والفعل يفيد التجدد والحدوث والتغير، وبإحصائنا للأسماء والأفعال الموجودة في القصيدة، ألفينا غلبة الأسماء ب (55) اسما على الأفعال، وهذا يدل على أن النص غلب عليه الثبات والسكون, وبما أن الأسماء قد حل بها (24) اسما نكرة متفوق على المعارف التي بلغت (21) اسما معرفا ب(ال)، فإن هذا يدل على أن رؤية الشاعر غير محدودة و أنها متجددة في رحلة البحث عن قصيدة حداثية، وذلك يتجلى من خلال قوله:
إنني أبحث في الأنقاض عن ضوء، عن شعر جديد
أما الأفعال فقد بلغ عددها في القصيدة (20 ) فعلا، وإذا ما وزعناها على أزمنة القصيدة، نجد (18) فعلا مضارعا ( يدل على التحول والتغيير والاستمرار)، وفي هدا دلالة على أن الشاعر ليس أسيرا للماضي الذي جاء عدده في القصيدة ضئيلا جدا فعلان فقط، وهما من الأفعال الناقصة، ونرد تقلص الفعل الماضي في القصيدة إلى عدة اعتبارات من بينها :
إرادة الشاعر الرافضة له ورغبته في التغيير والتجديد، والبحث عن الجديد الذي يراه هو الأفضل، و تجسد ذلك في قوله
لابد لي
لابد للشاعر من نخب جديد
وأناشيد جديدة
لابد لي من رفض الموت
أوهي دعوة من الشاعر للانسلاخ من هذا الماضي الجامد والانفتاح على رؤى جديدة في كتابة القصيدة الحدايثة ، ونقرأ ذلك في قوله:
لابد لي أن أرفض الورد الذي يأتي من القاموس
وربما ترجع لإرادة الشاعر في عدم التنكر للماضي واتخاذه محطة وعبرة،كي يكون الحاضر أكثر إشراقا وحضورا والدليل على ذلك دعوته إلى كسر عمود الشعر ( القافية ،الوزن والروي)، إلا أنه أبقى على تفعيلة البحر القديم (( المستحدث من طرف الاخفش) ولم يتنكر إليه، ولم يكتشف بحرا جديدا لقصيدته الجديدة .
وما استوقفنا أيضا في البنية اللغوية للقصيدة (ضمير المتكلم ) الذي يكاد يهيمن على القصيدة كلها، فقد توزع بين (أنا) الضمير المنفصل و(الياء) الضمير المتصل، ولحضوره البارز دلالات متعددة منها تأكيد وجود الذات، ويتجلى ذلك في قوله:
وأنا أجتاز سردابا من الماضي
إنني أبحث في الأنقاض عن ضوء، عن شعر جديد.
كما وظف الشاعر في قصيدته جمع التكسير بكثرة حيث جاء في قوله: ( أناشيد أساطير،دموع، النجوم،الورد…)، فجمع التكسير في اللغه لا يخضع لقاعدة محددة، وهوما توافق مع رؤية الشاعر الرافضة لقيود الشعرالقديم، إذ يسعى إلى كسرها والتحرر منها، بينما جاء جمع المؤنث السالم قليل حيث جاء في قوله: ( الكلمات، الذكريات، الاستعارات)، وجمع المؤنث السالم يدل على التوالد والكثرة، وربما تدل الكثرة هنا على تطور ونمو اللغة الشعرية و ما تحتويه من صور واستعارات ودلالات ورموز
ويظهر ذلك في قوله:
كيف تحيا كل هذه الكلمات!
كيف تنمو؟ كيف تكبر؟
أما البنية التركيبية فهي تعتمد على كيفيه صياغة النموذج النحوي للجملة وعلى التغيرات التي تطرأ عليها من تقديم وحذف ….
ويقودنا التأمل في القصيدة لتسجيل هيمنة الجمل الفعلية على الاسمية،كونها مناسبة للسرد و مناسبة لدلالة التغيير، فالشاعر تضمنت رؤيته مضامين ورؤى جديدة للشعر.
أما الأسلوب فقد هيمن الأسلوب الخبري على النص الشعري، وذلك لملائمته الحكي والسرد، أما الجمل الإنشائية فقد كانت قليلة، حيث قال الشاعر:
آه…هل أدركت قبل اليوم
وهو استفهام غير حقيقي غرضه التقرير، وفي قوله:
كيف تحيا كل هذه الكلمات!
كيف تموت ؟كيف تكبر؟
فهي جمل استفهامية غرضها التعجب، فالشاعر يتعجب من نمو وكثرة الكلمات الشعرية ودلالاتها .
ومن أبرز مظاهر العدول في التركيب اللغوي( التقديم والتأخير)، حيث يقوم هذا الأخير على تحطيم الرتبة المحفوظة، التي أوجدتها قواعد النحو .
وبالعودة إلى النص نجد الشاعر لم يعدد مواضع التقديم والتأخير كثيرا، بدليل أنه اكتفى بتقديم الجار والمجرور على خبر( أن) فقال إن “الحرف في القاموس يا حبي بليد” وتقدير الجملة يكون ( أن الحرف بليد في القاموس يا حبي)، حيث أفاد هذا التقديم التخصيص والقصر والاهتمام بالمتقدم والنسبية إليه ، و التخصيص هنا وقع على حرف في القاموس بمنحه صفه البلادة، مراعيا نظام الكلام .
ويمكن القول إن للتقديم والتأخير مقاصد معنوية كبيرة، فهو يغير العلاقات داخل النص ويكسر الرتابة.
وبعد ظاهرة التقدبم والتأخير نتطرق لظاهرة أخرى، وهي ظاهرة الحذف، حيث يلجأ الشاعر إلى الحذف لأغراض ودلالات مختلفة، وشرطه كما يرى سيبويه” لا يكون إلا إذا كان المخاطب عالما به فيعتمد المتكلم على بديهية السامع في فهم المحذوف”.
وقد ألفينا في القصيدة مواضع كثيرة للحذف، نذكر منها ما جاء على لسان الشاعر:
وأنا أجتاز سردابا من النسيان
والفلفل والصيف القديم
ففي قوله والفلفل والصيف القديم حذف الفعل( المسند) أجتاز و(المسند إليه) فاعله ضمير المستتر (أنا) ، وقد دل على المحذوف (أجتاز) الشطر الشعري الذي قبله وتقدير الجملة: (وأجتاز الفلفل والصيف القديم),
و يقول الشاعر في موضع آخر:
إنني أبحث في الأنقاض، عن شعر جديد
ففي قوله (عن شعر جديد )، حذف المسند والمسند إليه في الجملة الفعلية وهو الفعل (أبحث) وفاعله ضمير مستتر تقديره (أنا)، وأبقى الجار والمجرور والصفة المتعلقان بالفعل المحذوف .
فالشاعر في رحلة بحثه أراد أن ينعطف من الظاهر( الضوء) إلى الباطن ( الذات ) (الموجود فيه الشعر الجديد ) , لهذا أخفى الفعل (أبحث) وترك ما يدل عليه من السياق.
وعموما فقد خضعت ظاهرة الحذف في هذا النص الشعري لغرض بلاغي يتعلق بذات الشاعر و رؤيته الشعرية.
كما نجد في القصيدة مظاهر أخرى للحذف منها: نقاط التوتر يعتبرها الدارسون من علامات الترقيم التي تشكل فضاء إيقاعيا للنص الشعري المعاصر، ويعتبرها البعض الآخر( سمة من السمات الحداثية للقصيدة المعاصرة) (ينظر محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وإبدلاته ).
وبالعودة للنص الشعري نجد الشاعر ترك الفراغ مستخدما العلامات في وسط الأسطر ومن ذلك قوله :
آه ….. هل أدركت قبل اليوم
ويقول:
نحن مازلنا نغذيها دموع الذكريات
واستعارات…… وسكر
تدل نقاط التوتر في البيت الأول على الحسرة التي تفتك بذات الشاعر بسبب اللغة التي تكتب بها القصيدة، حيث يراها لغة بليدة هشة لا تتلاءم مع صور القصيدة المعاصرة .
أما نقاط الاسترسال في البيت الثاني تدل على التعجب واستغراب الشاعر من كتابة شعر معاصر بلغة قديمة لا تمد للواقع المعاش بصله إلا كونها كلمات شعر.
وتتفاعل علامات الترقيم الأخرى كالفاصلة، التعجب والاستفهام مع نقاط التوتر لتزيد من عمق تجربة القلق والحيرة التي تعم القصيدة لتشكل نصا عميقا لا يفصح بالكلمات .
بعد ظاهرتي الحذف و التقديم والتأخير ودورهما في خلخلة محور التركيب, نحاول رصد ظاهرة أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها، إنها ظاهرة الالتفات قال عنها ابن رشيق ( يشتمل التنويع بين الضمائر والانتقال من معنى إلى آخر، كما يشمل معاني الاعتراض والرجوع والتتميم).
وبالوقوف على القصيدة التي بين أيدينا نجد الشاعر قد ابتدأها بضمير المتكلم (أنا) حيث قال: لابد لي ، ثم يلتفت إلى ضمير الغائب (هو) في قوله،: لابد للشاعر من نخب جديد
ثم يرجع من جديد لضمير المتكلم ويواصل، ثم يلتفت مرة أخرى إلى ضمير المخاطب (أنت) في قوله:
آه ….هل أدركت قبل اليوم
ولا يلتفت من ضمير إلى ضمير إلا ويعود إلي ضمير المتكلم قبله، لكنه في هذه المرة جاء بصيغة الجمع( نحن) في قوله:
نحن ما زلنا نغذيها دموع الذكريات
وفي الأخير ختم قصيدته بضمير الغائب (هو) قائلا:
ينبت الورد على ساعد فلاح،في قبضة عامل
ينبت الورد على جرح مقاتل
ومن خلال ظاهرة الالتفات نلاحظ أن الشاعر خرج من الذات الفردية ليدخل الذات الجماعية، فهو يرى أن الشعر ليس حكرا على الفرد بل هو ملك الجماعة .
3- الصورة الشعرية
يحتاج الشاعر المعاصر في استخدامه اللغوي إلى تقنيات تصويرية، لتنقل أحاسيسه وانفعالاته التي تعتري وجدانه، ومن هذه التقنيات الصور البيانية والمجاز.
وقد حضرت الصور البيانية في قصيدة ( الورد والقاموس) بصورة بارزة منها الاستعارة والكناية، حيث جاءت الاستعارة في قول الشاعر:
ينبت الورد على ساعد فلاح، في قبضة عامل
وهي استعارة تجسد صورة العمل والشقاء من أجل كسب العيش
كما نجد أيضا الاستعارة المكنية في قول الشاعر:
ينبت الورد على جرح مقاتل
وهي تجسد صورة الجهاد والنضال
وكذلك نجدها في قوله :
كيف تحيا كل هذه الكلمات !
وهي استعارة مكنية جسدت صورة الخصب والنماء
أما الكناية فقط تواجدت في قول الشاعر:
إنني أحمل مفاتيح الأساطير وآثار العبيد
وهي صورة تدل على دراية الشاعر بقواعد الشعر القديم و أهله
كما نجد الكناية في قوله :
وأنا أجتاز سردابا من النسيان
وهي تمثل صورة تخلي و تنكر الشاعر للقصيدة القديمة
أما في قوله :
أرى التاريخ في هيئة شيخ
يلعب النرد ويمتص النجوم
فهي صورة تجسد تحول القصيدة التقليدية من القوة إلى الضعف والهشاشة، بسبب تشبثها بقيود الشعر و قدم موضوعاتها وأغراضها، وعدم مسايرتها لتطورات وتغيرات العصر.
أما المجاز فقد حضر من خلال الرمز الذي يعتبر من الأدوات الفنية التي ميزت التشكيل الشعري المعاصر، لما له من دور في إثراء الصورة الشعرية لشاعر وتعميق أبعاد تجربته الشعرية .
وما لوحظ في هذا النص أن الشاعر قد بنى قصيدته على استعارة كبرى، تتمثل في ثنائية (الموت و البعث)، وهو رمز أسطوري يتمثل في طائر الفينيق الذي يبعث بعد حرقه طائرا جديدا، وهذا ما جسده الشاعر في قصيدته حيث أن القصيدة التقليدية لم تمت ولكن بعث من رمادها قصيدة حداثية جديد، ونستدل على ذلك من خلال قول الشاعر:
وإن كانت أساطيري تموت
إنني أبحث في الأنقاض عن ضوء،عن شعر جديد
وتنطوي تحت هذه الاستعارة رموز جزئية نذكر منها :
الرمز الطبيعي: ويظهر في ( الورد، الصيف، الفلفل، النجوم، ضوء، صخر..)، وهو رمز لحالة التحدي والصمود والرفض والتحرر.
أما الرمز الآخر هو الرمز الابتكاري (الخاص)، وهو يشكل مجالا رحبا لحركه الشاعر، حيث نجد عنده : الحبيبة رمز للقصيد، والورد رمز للجمال، والقاموس رمز اللغة القديمة، والفلاح والعامل والمقاتل رمز للعطاء والتضحية، والأساطير والعبيد رمز للقصيدة التقليدية والذين يتبعون مسارها.
كما نلاحظ أن الشاعر انفتح على التداخل الأجناسي في قصيدته من خلال توظيفه الحوار والشخصيات والسرد .
وفي ختام هذه الورقه البحثية توصلنا إلى مجموعة من النتائج نذكر منها:
إظهار الشاعر قطيعته للقصيدة التقليدية وانحيازه لقصيدة التفعيلة، وتجسد ذلك من خلال انزياحه عن وحدة القافية والروي واختياره البحر المستحدث وعدد تفعيلاته.
– الدعوة إلى كتابة قصيدة حداثية تحاكي الواقع المعاش، من خلال لغتها ومضامينها وأغراضها
– أغنى الشاعر تجربته الشعرية المعاصرة يخصب إيقاعي وتركيبي جديد
– اتسمت البنية العامة للقصيدة بكثرة الإنزياحات و والرموز، وركز الشاعر على الرمز الطبيعي للدلالة على النزعة الرومانسية التي صبغت بها القصيدة.
– أكسب الشاعر قصيدته صبغة درامية، عندما حولها من الغنائية الرتيبة إلى الحركية وذلك من خلال توظيفه الحوار، الشخصيات، السرد، ومعالجه الواقع من خلالها.





