المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

من أجل عيونك الحلوة

عبد الكريم ساورة

كانت بيننا مسافة طويلة بين المدينتين، وبين الحين والحين نلتقي نأكل من طبق واحد نتكلم كثيرا في الحب، الكلام في الحب شيء عجيب لايمل من سكراته الواحد، وعندما نفترق، يذهب كل منا إلى حاله وهو لايفكر إلا في اللقاء القادم، وعند المساء يسقط الظلام ويشتد الوجد نتشبت بالأمل ونعانق بغضنا البعض من جديد من خلال الموسيقى، فكل واحد منا يبدأ في سماع أغنية ” وحشتني ” للمغنية الرائعة سعاد محمد، عندما تقول : وحشتني عدد نجوم السما .. عدد كلام الهوى وحشتني…

وحدها هذه الأغنية كانت تجعلنا نسافر بمخيلتنا، ونقطع المسافات من أجل أن يذوب ذلك الشوق الذي نما بينا كعشب طويل، فأكلمها بلهفة وتكلمني وهي لاتتوقف عن البوح في أشياء صغيرة جدا، وأنا أسمع بكل تفان كأنني في لحظة ولادة ثانية على وشك معانقة الحياة.

ومع مرور الأيام، عندما تقسوا الحياة على أجمل اللحظات، يسير بنا القدر إلى مقصلة الفراق، وما أصعب الفراق عندما يأتي وأنت لاتعرف الأسباب، فيحل ظلام دامس، وتهجر كل شيء في حياتك فلا يبق لك من نافذة سوى الذكريات ومواساة الكلمات، فيحضرني الشاعر العظيم محمود درويش عندما يقول عن وجع الغياب : ” والآن أشهد أن حضورك موت وأن غيابك موتان، والآن أمشي على خنجر وأغني … قد عرف الموت أني أحبك، أني أجدد يوما مضى… لأحبك يوما وأمضي ..”

الآن وبعد كل هذه السنوات، لم يعد العشب في مكانه بل تحول إلى بنايات وبنايات، وحتى تلك الطريق التي كنا نسلك منها للدخول للسوق تم تغيير مسارها وتحولت إلى دكاكين لبيع المأكولات السريعة، تغيرت كل ملامح المدينة، وحتى بائع الجرائد الذي كنا نقضي عنده فترة طويلة في التصفح للمجلات والعناوين المثيرة من الإبداعات الأدبية في الوطن العربي غير من حرفته وأصبح يبيع الهواتف النقالة، كل شيء تغير في رمشة عين لكن عيونك الحلوة لازالت مرسومة في كل خطوة كنا نخطوها، إنني أراهما تلمعان، تضيئان كضوء القمر كل هذه الأماكن الموحشة، مشيتك التي كانت تشبه يقظة العالم وحدها من كان يجعلها مؤنسة.

كم أريد أنسى، ولا أستطيع، ليت الزمان يعود ولو للحظة، هناك أشياء لازلت بيننا لاتستطيع الأيام دفنها، هناك أشعار وعهود وكلمات وموسيقى وأسفار وأمكنة ومشي على شاطئ البحر ونجوم في السماء وجري على الرمال وسقوط من الضحك تتبعة سرقات قبلات حارقة ، عن نفسي من أجل كل هذه الذكريات ومن أجل عيونك الحلوة لا أريد أن أنسى. 

كاتب صحفي