المجلة الثقافية الجزائرية

من الجَّدَيْدَة والرَّدَيِّف إلى الأَلْزَاس واللُّورِين

بقلم: الطاهر بن اعمارة الأدغم

الأَشْهُرُ الأُولَى من سنة أربعة وخمسين، كان يُخَيّلُ للطيّب أنّها سَتَمُرُّ كغيرها من السّنين.. لم يكن يتصوّر، لشدّتها على أهل الصّحراء، أن تكون سنةَ الثّورة على المستعمر الفرنسيّ الغاشم..
الفاقةُ أصابتِ الجميع، والصّحراءُ لم يعد فيها ما يَتَعَيّشُ منه النّاس، فالضّرعُ قد جفّ، والحرثُ على قِلَّتِه قد يَبِسَ.. وما بَقِيَ من الأزواد إلاّ أقلُّ القليل، ليأكل منها النّاسُ ما يسدّ الرَّمَّق فقط.
كانت سلطات الاستعمار الفرنسيّ تمنعُ بيع منتوج التّبغ الذّي يزرعه بعض الأهالي في قُرَى وادي سُوف، وهكذا تطاردُ دوريات الجمارك المهرّبين الذّين يشترونه من النّاس، ثمّ يبيعونه في الأسواق المجاورة للوادي، خاصّةً أسواقَ وادي رِيغ..
وسائلُ الرّقابة على الفلاّحين كانت على أشدّها، وكانت سلطاتُ الاستعمار تعيّنُ مندوبين لها يقومون بإحصاء شُجيرات التّبغ التّي يزرعها كلُّ فلاّح..
يحصونها شُجَيْرَةً شُجَيْرَةً حتّى يتسنّى لهم تقديرُ الإنتاج المتوقّع ومحاسبةُ صاحبه عليه بشدّة آخرَ الموسم.. ومن ثمّ لن يتمكّن من بيع أيّ مقدار منه؛ فالسّلطة الاستعماريّة تشتري التّبغَ بثمن بَخْسٍ من الفلاّحين.. وفي المقابل يَبْتَاعُه المهرّبون بأثمان ذات قيمة.
كان أحدُ وجهاء قرية الجّديدة الغربيّة متعاونًا مع الإدارة الفرنسية، ويقوم بإحصاء شجيرات التّبغ قبل نضجه واستوائه، لكنّه يغضُّ الطّرف عن البعض فيتركُ لهم شيئا يبيعونه للمهرّبين.. وثمن ذلك التّغافل يتحوّلُ إلى جهد وشقاء يكابده الفلاحون المحظوظون؛ فمن يرغبُ في ترك شيء من التّبغ لنفسه دون إحصاء؛ ما عليه سوى الحضور إلى (هُود) هذا الرّجل النّافذ ومن ثمّ القيام بأعمال (رَفْع الرَّمْلة) لوقت معلوم.
اشترى الطيّبُ تَبْغًا من أحد سكّان قريته الجّديدة، وحَمَلَهُ على بَعِيرَيْن له، وتحرّك صوب بَلْدَة لِمْغَيَّر بوادي رِيغ..
كان الأملُ يَحْدُوهُ في رِبْحٍ مُعْتَبَرٍ، ليعودُ بشيء من المال يَعُولُ به أسرته لعدّة أشهر.. سيكون الكفافَ فقط، لكنّه السّتر، والحمد لله على نعمة السّتر.
الوقتُ هو صباح اليوم الثّاني بعد خروج الطيّب من قريته… ها هو يحثُّ الخُطَى وراء البعيرين في فضاء الصّحراء الفاصلة بين مِنْطَقَتَيْ الرّقِيبَة وجَامْعَة..
لم يكن يفكّر سوى في الوصول والبيع، والنّقود التّي سيحصل عليها، والعودة المظفّرة وبين يديه ما يُدْخِلُ السّرورَ على أسرته..
كان غافلاً عمّا حوله عندما دَاهَمَتْهُ فرقةٌ من الجمارك الجَوَّالة.. وبجواره في تلك البَراري شابّ من (عرش) آخر يسوقُ عددا من الجِمال..
اصطحب رجالُ الجمارك الطيّبَ معهم، وأمروا الشَّابَّ أن يسوقَ الإبلَ إلى مدينة الوادي.
كانت حمولةُ إبل الشّاب شايًا يهرّبه لصالح عدد من تجّار سوق الرّقِيبة، ولم يستسغ فكرةَ تسليم الجِمال والسّلعة للجمارك..
توارى قليلاً عن الدّورية مُوهِمًا إيّاها أنّه في اتّجاه الوادي، ثمّ مَالَ بالإبل مسرعًا في اتجاهٍ آخرَ..
اختفى الشابُّ مع الإبل عن الأنظار في الصّحراء الواسعة، وسار إلى وجهة مجهولة حتّى أَفْلَتَ من دوريات الجمارك..
أمّا الطيّب فاصطحبته الدّوريةُ معها إلى مدينة الوادي أين بات ليلته في الحبس، وفي الصّباح كان بين يدي المحقّق وأعوانه..
حاولوا معرفة مصدر التّبغ المهرّب فلم يعترف عن الفلاّح البائع، وراح يصرُّ على أنّه اشترى بعضَه من امرأة فقيرة، وبعضَه الآخر من شباب كانوا يسرقون من محاصيل آبائهم دون علمهم.
بعد منتصف النّهار حَضَرَ شيخُ عرش، قبيلة، أولاد أحمد بعد أن بَلَغَهُ الخبر، فَضَمِنَ الطّيبَ وأخرجه من الحبس، وقال له: اذهب إلى الهاشمي بِلْعِشِيَّه في الرّقِيبة فلن يُعدم خبرا عن إِبِلِكَ، فالشّابُ الذّي ساقها مع إِبِلِه من أهل تلك النّاحية.
ورغم الإفراج عن الطيّب فإنّ ملفّ قضيّته وَصَلَ إلى المحكمة، ولم يعلم هو بالأمر..
سارع في استعادة بَعِيرَيْه من الرّقِيبة، وكان الصّيفُ على الأبواب فَحَمَلَ أهله وتوجّه إلى تخوم التّلّ، قرب بلدة الشَّرَيّعَة، حيث مَكَثَ هناك عدّة أشهر في معزل عن جوّ الصّحراء الحارّ…
عَادَ في أوّل الخريف إلى قريته لِيَتَفَاجَأَ بِوَرَقَةٍ قد وصلت من الإدارة الفرنسية تدعوه إلى الحضور.. ووجد النّاس يتحدّثون بأنّه مطلوب لدى السّلطة.. بل إنّه قيد البحث.. ثم عَرَفَ بعد حينٍ أنّ حكمًا غيابيًّا بالسّجن صَدَرَ في حقّه، وعَرَفَ أيضا أنّ سلطات الاحتلال أضافت إلى السّجن غرامةً ماليةً كبيرةً ليس في طاقة أمثاله الوفاء بها خلال سنوات ذلك الزّمن القاسي..!
لم يسترح من مشقّة الطّريق بعد لكنّه عزم على التّصرّف.. على فعل شيء…
حَمَلَ زَادَهُ وتوجّه نحو الجنوب التّونسيّ.. نحو بلاد الجَّريد تحديدا..
وصل مُتْعَبًا ولم يبق معه من الزّاد والمال إلا اليسير.. انتظر أيَّامًا فلم يجد عملاً في الحِمَالَة، فقرّر العودةَ إلى بلاده، وأوصى أحد أصدقائه بأن يخبره بأقصى ما يمكن إذا ظهر اسمه في قائمة العمّال الجدد.
عاد إلى قريته راجلاً كما غادرها، وعندما وصل استقبلته أخبارٌ غير سارة؛ فالبحثُ عنه ما زال جاريا، وحالُ البلاد قد ازداد سوءًا فوق ما كان عليه حيث بدأت أسراب الجَراد تجتاحُ المنطقة، وانتشر داءُ الجَرَبِ بين الإبل، وأعدادٌ من الماشية تموتُ يوميا بسبب الهزال والمرض.
حياة النّاس صارت جحيما لا يطاق، لكنّه معهم على أيّ حال..
فَكَّرَ في الصّبر والتّخَفِّي عن أَعْيُنِ رجال الإدارة الفرنسية والمتعاونين معها من أهل المنطقة: يلزمُ بيته ويخرجُ مبكّرا لعمله، فأحدُ مَعَارِفِه خَطَّ له (رُقَّة)، فليبدأ على بركة الله.
جَهَّز قفّةً كبيرةً و(احلاسه) وشَرَعَ في العمل..
كان يبدأُ بعد منتصف اللّيل ويتوقّف عند الضّحى.. عملٌ شاقٌّ جدا.. يُجَمِّعُ الرّمالَ المترسّبة، وينطلق في عملية النّقل على ظهره إلى آخر الغُوط.. ساعاتٍ طويلةً على هذه الشّاكلة..!
عاد مُتْعَبًا للغاية في أوّل يوم له مع (الرُّقَّة).. حاول النّوم فلم يَغْفُ إلا قليلا.. تذكّر والده…
أين أنت يا والدي؟..
لقد أعطاه قبل موته (دعوة الخير).. قال له: إنِّي راضٍ عنك، وإذا لم تجد هذه الدّعوة في حياتك فتعال إلى قبري وأَحْرِقْهُ…!
حان وقتُ صلاة العصر فتوضّأ ودخلَ في الصّلاة، وفي الرّكعة الثّانية سمع صوتَ العيد بن عبد القادر لدغم، الأخ الأوسط لزوجته..
نزل الشّابُّ من “العَامِي”، الكثيب الرّمليّ، وهو ينادي: أين الطيّب؟ أين الطيّب؟… لقد ورد اسمه في قائمة العمل الجديدة في “المِينَا”، بالحَوْض المَنْجَميّ ببلاد الجريد التّونسية..
أكمل صلاته وحَمِدَ الله… ها هي علامات الفَرَج قد بدأت في الظّهور.
لم يكن لدى الطيّب وقتٌ للانتظار، تحرّك لِتَوِّه إلى ضواحي بَلْدَة سِيدِي عُون.. قَابَلَ صهرَه عبد القادر وأقاربه، وبَاحَ لهم بما عَزَمَ عليه من أمر السّفر إلى تونس…
قالوا له: أنت مجنون… كيف تجرؤ على السّفر إلى تونس، وأنت مطلوب للسّلطات…؟
شعر بالقلق بعض الشّيء، لكنّه سرعان ما دَفَعَهُ جانبا.. ما باليد حيلة.. ولا مفرّ من اختيار الصّعب، فَلَا بَدِيل عنه.
اتّجه صباحًا إلى بَلْدَة حَاسِي خليفة وهناك كان الموقف نفسه… قال له الطّالب العربي بِلْبِدِّي، ابن عمّ أمّه: أنت فارٌّ من الحكومة، وفي طريقك إلى تونس هذه الأيام عروض للإبل، والصّحراء مملوءة بـ (القُومِيَّة) وليس معك ورقة أو بطاقة تعريف..!
ومن جديد يعضُّ الطّيّبُ بِنَوَاجِذِهِ على عَزْمِه وموقفه قائلا: توكّلتُ على الله.. ثمّ تزوّدَ بخبزة شعير وبعض التّمر، ولم ينسَ الشّايَ وأدواتِ تحضيره، فلم تكن تفارقه في حِلٍّ ولا تِرْحَال، أمّا المال فلم يكن معه سوى دينارين زوّده بهما أحدُ أقاربه.
تحرّك ليلا.. ظلّ يسير وهو يقظُ الحواس.. كان يسمعُ صيحاتِ العساكر و(القُومِيَّة) وهو يمرُّ بمحاذاة ساحة عروض الإبل..
في جوف اللّيل المُوحِش قَابَلَ شيخًا مع ولده يسوقان جِمَالاً لهم، فتحادث معهم وأعطاهم كِسْرَة الشّعير، فما حاجته إليها وما بقي بينه وبين تراب تونس إلا عدّة ساعات…
عندما طلعت نجمةُ الفجر كان عند حدود بلدة (نَفْطَة) التّونسية..
شَعَرَ أنَه وصل إلى أرض الأمان، فتونس وإن كانت تحت سلطة الاستعمار الفرنسيّ؛ لن يكون اسمه قد وصل إلى المخافر بعد..
جلس الطيّبُ ينتظر الحافلة..
بحث عن بعض الحطب وأشعله وبدأ يُعِدّ الشّايَ، كان بجانبه شيخان تونسيان فلمّا عَرَفَا أنّه قادمٌ من وادي سُوف، سَأَلَاه إن كان في حوزته كميّة إضافيّة من الشّاي الأخضر.. فناولهما مقدار كأسين صغيرين، ثمّ وصلت الحافلةُ فَرَكِبَهَا، ليستقلّ القطار من البلدة التّالية إلى “الرّدَيِّف”..
وصل يومَ الأحد إلى مقصده وكان يومَ عطلة رسميّة، و”السُّوَافة” الذّين نزل ضيفًا عليهم يعملون في مناجم الفوسفاط، المِينَا.. المالُ ميسورٌ والطّعامُ وفيرٌ؛ فأكلَ وشربَ ونامَ ليستريح من وعثاء سفرٍ طويلٍ عانى خلاله شتّى أصناف التّعب والخوف والقلق.
كان أقاربُ الطيّب من المهاجرين إلى تونس الذّين يقيمون في الرّدَيِّف، ومنهم العايش زْبِيدِي والد أحمد الكَشّاف والمناضل والمجاهد، وكانت علاقتهم متينة بالطالب العربي قَمُّودِي قائد منطقة الجنوب الشّرقيّ والحدود.
كان على الطّيب أن يحضر المقابلة الشّخصية التّي تُجريها الشّركة للعمال الجُدد، وكان جفنه الأيسر نازلا عن العين أكثر من الأيمن، فاقترح الأقاربُ أن يُرسَلَ شخصٌ بدلاً عنه للفحص، فقد يُرفَضُ بسبب هذا العيب، والأمر سهل للغاية، فالشّركةُ لا تطلب بطاقة التّعريف بل تكتفي بشهادة ميلاد..
اقترحوا تأجير شخص قويّ كامل الأوصاف لهذه المهمّة كما يفعل الكثيرون لضمان القبول في العمل..! رفض الطيّب الفكرة..
دخل معه المقابلةَ ثلاثةَ عشرَ شخصا، قُبلوا جميعا عَدَا شخصٍ واحدٍ، وكان هو في عداد المقبولين، فبدأ العمل وكان شاقّا للغاية، فالعمّالُ من أمثاله يُسَخّرون لحمل التّراب والبقايا والنفايات وجميع الأعمال الصّعبة، والشّركة مشتركة فهي إيطالية فرنسية، ولا تدّخر جهدا في إسناد أيّ عمل مرهق للعمّال الجزائريين والتّونسيين.
بعد شهر من العمل تفاجأ الطيّب بممثّل الجمارك يصلُ إلى حيث يسكن العمال (الزُّوفْرِيَّه) وسأل عنه بالتّحديد..؟
معضلة جديدة لم يكن يحسب لها أيّ حساب.. رجالٌ الجمارك يطاردونه حتّى في تونس، يا لهم من قُساة جَشِعِين.
جاءه الحاج العربيّ إلى غرفته، وكان أحد الوجوه المعروفة بين العمّال، بعد أن أخبر ممثلَ الجمارك أنْ لا أحد بهذا الاسم في مساكن العمال..
قال له: اخرج إليه إن شئت أو اهرب فالفرصة أمامك..
فكّر بعض الوقت لكنّه انتفض صارخًا: كيف أهرب..؟ سَيُنَكِّلُون بأهلي هناك، سوف يُلحقون بهم الأذى، إنّها سلطة ظالمة غاشمة لا تراعي حرمةً ولا يهمّها أن تأخذ الكلّ بجريرة البعض.
كان ممثّل الجمارك يتحدّث العربية لكنّ مظهره بدا للطّيب أجنبيا.. لم يكن فرنسيا كباقي الفرنسيين الذّين عرفهم في منطقته.. أقرب إلى أن يكون يهوديا، فأبناء الجاليات اليهودية في بلدان المغرب العربيّ تعاونوا مع الاستعمار إلاّ القليل النّادر.
ذهب إليه وقال: أنا من تبحث عنه، فردّ عليه: أنت كتبتَ رسالة تظلّم، وقد خفّفوا عنك الغرامة وألغوا السّجن.. هل ستدفع أم لا؟..
الغرامة تحوّلت إلى عشرين ألف فرنك فقط بدل ستّة وسبعين.. ردّ الطيّب: سأدفع شهريا مبلغ ثلاثة آلاف.
قَوِيَتْ شوكةُ الثّورة الجزائرية وكان الطيّب من الذّين يساهمون في دفع جزء من رواتبهم للمجاهدين، وكان ملتزما بقسطه الشّهري من الغرامة، ويرسل أيضا شيئًا من المال إلى أهله هناك في أرض سُوف.
وفوق ذلك كلّفته قيادةُ الثّورة في المنطقة الحدوديّة ببعض المهام الجهادية.. فهو ذو معرفة وخبرة بالطّريق من التّراب التّونسيّ إلى وادي سُوف، وجسمه قويّ، وسريع المشي، وشجاع، وله قدرة على تحمّل المشاقّ وكتم السرّ.
في إحدى المرّات سلّمته القيادةُ الْبُوسْطَا، البريد، ليبلّغه إلى المناضل بشير غربي في بلدة حاسي خليفة..
خرج يوم السّبت، وعليه أن يكون صباح الاثنين مع زملائه في العمل بمناجم الفوسفات بعد عطلة الأحد…
الطيب لا يعرف بشير غربي شخصيا، لكنّ القيادة أخبرته عن أوصافه وكلمة السّر: عندما تقابله وتسلّم عليه سوف يسألك: (جَايْ من الصّحراء)، فتردّ عليه: نعم..
كان يوم الأحد موافقا لعيد الاضحى، والمجاهد بشير مع النّاس بعد صلاة العيد حين سلّم عليه الطّيب، وأبان له عن كلمة السرّ بعفوية لا تثير فضول الحاضرين.. فاصطحبه إلى البيت، وهناك استلم منه البريد، وأكرمه بغداءِ يومِ العيد ولحم الأضحية، ثمّ سلّمه البريدَ وعددًا من المسدّسات، لينطلق عائدا إلى أرض تونس.. وفي الصّباح الباكر كان في محلّ عمله، دون أن ينتبه أحدٌ لِسَفَرِه الشّاق والطّويل على مدار ليلتين متتاليتين..
دخل العمّال في إضراب عام، وقطعت الشّركةُ الرّواتب، فلم يجد الطّيب ما يرسلُ إلى أهله..
كان في نهاية عام ستة وخمسين، والثّورةُ على أشدّها، فحاول الالتحاق بصفوفها لكنّه اصطدم بقرارٍ أصدره قادةُ الثّورة في المنطقة يقضي بمنع العمّال من الالتحاق بالمجاهدين في الجبال، فهم أقدر على دعم الثّورة من مواقع العمل، من خلال اشتراكاتهم الشّهرية.
كان يسهرُ مع أقرانه حول إبريق الشّاي، ويستدينُ كلّ شيء من الدّكان المجاور، حتّى الشّاي والسّكر.. الحيرة تلفّه في كلّ اتجاه يفكّر فيه..
سهر معهم مرّة أحد أبناء (عرشه) قال له بعد أن أدرك حيرته: لماذا لا تتحرّك نحو فرنسا، فهناك أناس كُثُرٌ سافروا وعملوا، والثّورة لا تمانع في ذلك، فهناك أيضا نشاطات نضالية وجهادية.
فكّر في الأمر بِجِدّ، وقَلَّبَه من كلّ جوانبه.. استحسنه، لكنّه استدرك قائلا لمحدّثه: ليس عندي حتى أجرة الطّريق إلى تونس العاصمة، فكيف بفرنسا..؟ فردّ عليه: لا بأس.. كلّ شيء يُدَبَّرُ في حينه.
في فترة الرّخاء التّي عمل فيها الطيّب لحساب (المِينا) كان يستقبلُ في غرفته (السُّوَافة) المسافرين إلى فرنسا.. كان يؤويهم ويساعدهم حتّى يكملوا استخراج وثائق السّفر وإجراءاته.. تذكّر الكثير منهم، فَرَاسَلَ بعضهم فجاءه الردّ بالإيجاب، فكلّ شيء ميسّر هناك.. المأوى والعمل.
لم يكن لديه وقتٌ ليضيعه، فبعد وصول الرّسالة؛ مباشرة باع أثاثه البسيط، واقترض عشرين ألف فرنك، وساعده أقاربه بمبلغٍ آخرَ.. وها هو يسهر آخر ليلة مع أصدقائه حول إبريق الشّاي…
كانوا يتحدّثون مرّة ويبكون مرّات، فالفراقُ لم يكن سهلا: غربةٌ في تونس وقد تحمّلها، لكنّه أمام غربة أكبر في تلك البلاد البعيدة التّي عزم على السّفر إليها.
في الصّباح الباكر، حَمَلَ حقيبته واتّجه إلى المحطّة، فوجد حركة القطار متوقّفة، فالسّكة الحديديّة تضرّرت بفعل قنبلة فجّرها الثّوار التّونسيون، فالثّورة في تونس كانت، ومن حين لآخر، تُوجع قواتِ المستعمر ومصالحَه.
اتجه إلى محطّة الحافلات ووصل إلى مدينة قَفْصَة فوجد القطار متوقفًا هناك، فأجّر سيارة أجرة مع شخص فرنسيّ وزوجته فأوصلتهم إلى مدينة صْفَاقِس، وهناك استقلّ قطارًا سار بهم طوال اللّيل، وفي الصّباح الباكر كانوا في تونس العاصمة.
اتجه مباشرة إلى الميناء، واشترى تذكرة على متن أوّل باخرة سَتَتَّجِه إلى فرنسا..
كان الطيّب قَلِقًا فهو لا يكاد يُحْسِنُ شيئا من اللّغة الفرنسية.. ثمّ جاءه الفرج حين وجد امرأة تتحدّث العربية.. أخبرها أنّه مسافر إلى فرنسا ولا يحسنُ الحديث بِلُغَةِ أهلها، ولن يتمكّن من طلب أكل أو ماء ولا حتّى معرفة مكان بيت الخلاء، فكتبت له ورقةً مفصّلةً بالأماكن والعناوين التّي يريد الاتّجاه إليها، وفي فرنسا يسلّمها إلى أيّ شرطيّ فيرشده إلى وجهته.
ظلّ أيّاما ينتظرُ تحرّكَ الباخرة، وفي الوقت المحدّد كان على ظهرها..
أكثر المسافرين عليها من اليهود، فالهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلّة كانت على أشدّها في تلك السّنوات، ويهود المغرب العربيّ من بين المهاجرين.
وصل إلى مدينة مَرْسِيلْيَا، ومن هناك ركب القطار إلى الأَلْزَاس واللُّورين، عند الحدود الألمانية..
وَصَلَهَا بعد أربع وعشرين ساعة.. وَجَدَ جماعته في انتظاره.. رَحّبوا به كثيرا وأكرموه.
مَكَثَ مدّةَ ثلاثةِ أيّامٍ يستريحُ من متاعب السّفر، وفي اليوم الرّابع كان مع أصدقائه في ميدان العمل..
عملٌ شاقٌ في ورشات البناء، لكنّ الطّيب حَمِدَ الله كثيرا، فسيتمكّن مرّة أخرى من إرسالِ مبالغَ مالية إلى أهله في أرض سُوف.

• القصّة حقيقيّة بجميع تفاصيلها ومشاهدها.

وادي سُوف، الجزائر / كاتب وأستاذ جامعيّ​