المجلة الثقافية الجزائرية

من بابكر بدري إلى قاسم بدري: جامعة الأحفاد للبنات وتاريخ العقل المحرِّر

د.ندى الزين محمد حسن

مقدمة: في مجتمعاتٍ تشدّها العادات من الخلف وتُربكها التحوّلات من الأمام يصبح التعليم أكثر من ضرورة تنموية يغدو فعلًا تحرريًا وحركةً ضد السكون ورسالةً صامتة تقول إن النهوض يبدأ من الكلمة الأولى من الحرف حين يُمنح للمرأة لا بوصفه ترفًا بل استحقاقًا. ومن بين التجارب التربوية التي استطاعت أن تتحوّل من مبادرة فردية إلى مؤسسة راسخة تبرز جامعة الأحفاد للبنات لا بوصفها فقط أول مشروع من نوعه في السودان والمنطقة بل بوصفها قصةً إنسانية كتبتها الإرادة وصاغها الوعي وحفظها المجتمع في ذاكرته العميقة.

حين فتح الشيخ بابكر بدري أول فصل لتعليم البنات في رفاعة لم يكن يضع خطةً تنموية بقدر ما كان يخطو إلى المجهول بدافع أخلاقي ورؤية تتجاوز حدود الزمان والمكان. ومع مرور العقود، لم تخبُ هذه الشعلة، بل توهّجت أكثر حين تولّى قاسم بدري زمام القيادة فأعاد للأحفاد نبضها وأضاف إلى رسالتها بُعدًا إنسانيًا ومعاصرًا، يجعل من الجامعة منصةً لإنتاج الفكر، لا فقط تخريج الطالبات.

هذا المقال ليس توثيقًا جامدًا لتاريخٍ مكتوب، بل قراءة في المعنى الذي تمثله الأحفاد: كيف يمكن لمؤسسة تربوية أن تتحوّل إلى ضميرٍ ثقافي، وكيف يمكن لفكرة نبيلة أن تُقاوم التحجّر الاجتماعي، وتُغيّر ملامح المجتمع من الداخل، بلا ضوضاء، وبلا ادعاء.

أولاً : الخلفية التاريخية والاجتماعية لتأسيس تعليم البنات في السودان

عند مطلع القرن العشرين، كانت صورة المرأة في المخيال السوداني محكومة بإطار تقليدي يجعل من وجودها محصورًا في فضاء الأسرة، ويقصر أدوارها على المهام المرتبطة بالرعاية والتكاثر والخدمة الاجتماعية المحدودة. وكان العلم، آنذاك، من الميادين التي تُرى حكرًا على الذكور، لا لأن النساء عاجزات عن التحصيل، بل لأن البنية الثقافية لم تكن ترى في المعرفة حقًا مشروعًا للأنثى، ولا مدخلاً لتفعيل دورها خارج حدود المألوف.

لم يكن تعليم البنات خطوة بسيطة ضمن حراك اجتماعي تدريجي بل كان قفزة جريئة في وجه منظومة فكرية مغلقة. فالمجتمع، الذي ألف تهميش المرأة معرفيًا، وجد في فكرة المدرسة للبنات ضربًا من المغامرة بل التمرد. وما بين الخوف من “انفلات المرأة” كما شاع في الخطاب المحافظ، وبين خشية اختلال الأعراف الاجتماعية، انقسم الرأي العام بين الرفض الصريح والقبول المتردد.

كانت السلطة الأبوية على مستوياتها الرمزية والمادية تمارس رقابة لا مرئية على وعي المرأة بذاتها وتعيد إنتاج التبعية من خلال أنماط التربية والعادات والتصورات الدينية الموروثة. وقد شكل هذا السياج الثقافي حاجزًا نفسيًا ضخمًا أمام تعليم البنات، بما فيه من مقاومة غير واعية لفكرة أن تمتلك الأنثى صوتًا، أو عقلًا نقديًا، أو قدرة على اتخاذ القرار.

إنّ خطوة الشيخ بابكر بدري لتأسيس أول مدرسة للبنات في رفاعة عام 1907 لم تكن فعلًا تعليمياً فحسب بل كانت حدثًا ثقافيًا عميق الدلالة. فقد جاء فعله مناقضاً للسائد، مشحونًا بإيمان داخلي بأن المرأة لا تقل عقلًا ولا روحًا عن الرجل وأن الأمة التي تهمل نصفها مصيرها الجمود. لم يكن التأسيس مجرد بناء حجرة دراسية بل كان زرعاً لشرارة الوعي في أرضٍ صُمّت عنها آذان النخب واحتشدت حولها مقاومة المجتمع.

ولم يكن الرفض الذي قوبل به بدري شخصيًا حالة فردية بل كان تعبيرا عن رفض جماعي للتغيير نابع من خوف متأصل من تحرر المرأة من الدور المرسوم لها منذ قرون. فالتعليم بالنسبة للبعض كان يعني تمردًا على “الستر”، وتخليًا عن الطاعة، وتفككًا في الأسر، رغم أن التاريخ لم يسجل أن الجهل صان الأخلاق، أو أن الجهل حمى القيم.

ومنذ اللحظة الأولى، ارتبط تعليم البنات في السودان بقضية الكرامة الإنسانية. فقد آمن بدري بأن المعرفة لا تصنع عقل المرأة فقط بل تبني كيانها النفسي وتحررها من الشعور بالدونية وتدفع بها إلى موقع المشاركة في بناء المجتمع لا من موقع التبعية، بل من منصة الشراكة المتكافئة. كانت المدرسة وسيلة لإعادة تعريف الأنثى السودانية لنفسها، لا ككائن هامشي، بل كذات تملك الحق في الفهم، والتساؤل، والتقدم.

وهكذا، لم تكن البداية التعليمية للبنات حدثًا تقنيًا في تاريخ التعليم السوداني، بل كانت فعل مقاومة ثقافية بامتياز، ومنطلقًا لتحولات جذرية في بنية الأسرة والمجتمع. وكان هذا التأسيس، الذي قام على الإيمان العميق بقدرة المرأة، هو النواة التي انطلقت منها لاحقًا مؤسسات مثل جامعة الأحفاد، لتؤكد أن معركة الوعي تبدأ بفصل دراسي، ولكنها لا تتوقف هناك.

ثانياً : بابكر بدري – الريادة المستنيرة وصناعة المعنى

في سيرته، يتقاطع الذاتي بالقومي، وتغدو التجربة الشخصية امتدادًا لمسار أمة تبحث عن صوتها. لم يكن بابكر بدري مجرد معلمٍ أسّس مدرسة بل كان حاملًا لمشروع نهضوي يرى في التعليم بوابة للتحرر وفي المرأة طاقة مهدورة آن لها أن تخرج من سكونها التاريخي. لقد وعى مبكرًا أن التغيير لا يبدأ من النخبة السياسية،د بل من قاعة الدرس، من اللوح والقلم، من تحرير الذهن قبل الجغرافيا.

ينتمي بابكر بدري إلى جيل من الرجال الذين شهدوا الهزيمة الكبرى في معركة كرري عام 1898، وخرجوا منها محمّلين بتجربة قاسية فجّرت في أعماقهم أسئلةً كبرى عن معنى الوطن والحرية والقوة والجهل. وقد تكون هذه اللحظة – الهزيمة والانكسار – هي التي صاغت رؤيته للتعليم بوصفه ردّاً على التخلف ومحاولة لفهم كيف تخذلنا السيوف حين يُغلفها الجهل.

لم ينتظر بدري من الدولة أو من المؤسسة الدينية أن تُجيز خطوته. فكما تبدأ كل ثورة من عزلة بدأ مشروعه في تعليم البنات في رفاعة بإصرار فردي ووعي تاريخي. لم تكن تلك المدرسة الأولى مجرد بنية مادية ولكتها إعلانًا رمزيًا بأن الزمان قد تغير وأن على المجتمع أن يُعيد ترتيب مفاهيمه حول الطفولة والأنوثة والعلم والشرف.

لقد خاطب بدري المجتمع لا بخطاب الصدام ولكنه استخدم لغة الصبر والإقناع والتدرج. وكان واعيًا أن مقاومة مشروعه لا تنبع من شرٍّ متأصل ، بل من خوفٍ عميق ومن شعور بالتهديد أمام ما لم يُألف. لقد خاض معركة الصبر حيث لم يكن عليه فقط أن يُعلِّم البنات ، لقد كان واجبن أن يُعلِّم المجتمع أن يتقبل تعليمهن. وهذه معركة من نوع آخر تتطلب شجاعة فكرية وأفقًا أبعد من الانتصارات الظرفية.

رؤيته للتعليم كانت رؤية تحررية جذرية ترى في العلم عملية شفاء للوعي الجمعي وتحويلًا للمجتمع من داخل الأسرة. وقد آمن بأن تعليم المرأة يحرر الرجل أيضًا من وحدانية القرار والجهل بالمكافئ الإنساني له.

ما يميز بابكر بدري عن غيره من التربويين في عصره هو أنه لم يرَ تعليم البنات مجرد مطلب حداثي أو واجب ديني فقط ولكن كمسألة ذات بعد أخلاقي ووجداني. لقد أراد أن تُربى الطفلة على أنها جديرة بأن تفهم وأنها ليست تابعًا في مجتمعٍ يوزّع الامتيازات بالوراثة البيولوجية. هذا المعنى الأخلاقي العميق هو ما أعطى لتجربته صلابتها وجعلها تقاوم الرفض والاستبعاد حتى أصبحت قاعدة لا استثناء.

وكلما اشتد الهجوم عليه ازداد تصميمه لتحدى المجتمع ليبذر فيه القدرة على التراجع عن أحكامه الأولى. لم يكن فيلسوفًا أكاديميًا، لكنه التقط بفطرته الواعية أن العقل لا ينمو في بيئة يقيد فيها نصف المجتمع بالصمت وأن بناء الأمة لا يكتمل إذا ظلت المرأة حبيسة الدور الموروث دون نافذة إلى الأفق.

لقد صنع بابكر بدري من تجربته التربوية مرآة، انعكس فيها وجه السودان الذي يمكن أن يكون: سودان يحرّك الساكن ويوقظ المستبعد ويؤمن أن لا نهضة بلا علم ولا علم بلا مساواة. وحين ننظر إلى إرثه نرى نواة لثورة داخلية، عمادها الإيمان بأن المعرفة وحدها تمنح الإنسان كرامته.

ثالثاً : تطور مؤسسة الأحفاد – من حجرة صغيرة إلى جامعة تنويرية

منذ لحظة التأسيس الأولى، لم تكن مدرسة البنات في رفاعة عام 1907 مجرّد مبادرة تعليمية معزولة ، لقد كانت بذرةً لمشروع عضوي نما في ظل تحديات اجتماعية وتحوّل تدريجيًا إلى مؤسسة متعددة المستويات والتأثيرات. لم يكن في نية بابكر بدري أن يؤسس جامعة لكن فكرة الجامعة كانت كامنة في كل درس وكل دفتر وكل طفلة تكتب أولى كلماتها في فضاءٍ لم يُخلق لها من قبل.

ظلّت الأحفاد تتطور على امتداد الزمن . إذ ارتبط تطورها بنمو قناعة راسخة في المجتمع، بأن هذه المؤسسة تحمل مشروعًا حقيقيًا لتأهيل المرأة غير مرتبط للنجاح الفردي فقط ، لقد كانت ومازالت الأحفاد تساهم في تشكيل وعي جماعي مختلف. وبهذا، تَحوّل الفصل الدراسي إلى نواة لمجتمع جديد، يعيد تعريف العلاقة بين الأنثى والمعرفة، بين البيت والمجتمع، بين التعليم والتحول.

مرّت المؤسسة بمحطات عديدة من التحول: من مدرسة إلى معهد، ثم إلى كلية، ثم إلى جامعة عام 1995. كل تحول كان ثمرة لنمو داخلي في الرؤية والرسالة. كان المقصود أن تتسع الفكرة، وتتعمق الرؤية، وتتجذر المبادئ التي قامت عليها التجربة منذ البداية.

ما يميز تطور الأحفاد أنها لم تندفع وراء التقليد الأعمى للجامعات الغربية أو نماذج التعليم النخبوي، ولكن حافظت على خصوصية مشروعها التربوي والاجتماعي. ظلّت تربط المعرفة بالحياة، والتعليم بالقيمة والمنهج بالسياق الثقافي والاجتماعي الذي تعمل فيه. وفي هذا الإطار تميّزت الأحفاد بأنها لم تعلّم المرأة فقط كيف تُجيد الإجابة في الامتحانات، لقد علمتها كيف تُسائل الواقع، وتقرأ ذاتها، وتبني علاقتها بالآخر من موقع الفاعلية لا الاتباع.

وقد رافق هذا التحول، توجهٌ واضح نحو توسيع التخصصات لتشمل العلوم الصحية والنفسية والاجتماعية والإدارية، مع الإبقاء على محور ثابت هو: المرأة مركز الوعي والتحول. فكل برنامج أو كلية في الأحفاد تُبنى من أجل تلبية احتياج معرفي واجتماعي يمكّن المرأة من أن تؤدي دورًا جديدًا في مجتمع يتغير ويتعثر ثم ينهض من جديد.

هذا النمط من النمو العضوي يعكس روح المؤسسة: فهي لم تُفرض من علٍ، ولم تكن أداة بيد سلطة، .إن الاحفاد نشأت من حاجة اجتماعية حقيقية، واستجابت لأسئلة المجتمع بصبر ومثابرة. ولهذا صارت جزءًا من النسيج الثقافي السوداني، وصوتًا لضميرٍ يؤمن بأن المعرفة حاجة وجودية لا تقل عن الماء والهواء.

اليوم، حين يُذكر اسم جامعة الأحفاد، لا تُستحضر فقط قاعات المحاضرات أو الشهادات، ولكن تُستحضر تجربة مؤسسة وقفت على الضد من التيار، وواجهت العزلة والشك والسخرية ثم تحولت إلى صرحٍ يختصر في مساره تاريخ تحرر المرأة السودانية من التهميش ويكتب فصلًا جديدًا في سيرة النهوض الاجتماعي الشامل.

 رابعاً : قاسم بدري – استمرار الرؤية وتجديد الرسالة

لم يكتف قاسم بدري بأن بكون ابناً لمؤسسٍ تاريخي ولكن عاهد نفسه أن يكون امتدادًا عضويًا لفكرة بدأت بالسؤال الجريء: لماذا لا تتعلّم البنات؟ ومنذ اللحظة التي تولّى فيها قيادة جامعة الأحفاد، حمل عبء الأمانة باعتباره حاملًا لرسالة ما تزال بحاجة إلى الدفاع والتجديد.

في مسيرته، تتقاطع الاستمرارية بالتجديد، فيتقدّم قاسم بدري بمشروع الأحفاد من التعليم بوصفه استحقاقًا، إلى التعليم بوصفه حقًّا مرتبطًا بالكرامة الإنسانية وبناء الشخصية وتحرير العقل. وقد أدرك أن الزمن الذي كان فيه تعليم البنات تحديًا، قد مضى، وأن التحدي الجديد أن نُعلّم المرأة كيف تفكر، لا كيف تحفظ، كيف تصنع القرار لا كيف تتلقّاه.

تحت قيادته توسعت الأحفاد كمؤسسة لها رؤيتها للعالم. فقد عمل على بناء بيئة جامعية تقوم على الانفتاح المعرفي والتعدد الثقافي والحرية الأكاديمية. وغدت الجامعة في عهده مساحة حرة للحوار ومختبرًا لصياغة نماذج جديدة في التفكير حول النوع الاجتماعي والتنمية والعدالة التربوية. وتحوّلت قاعات الدرس إلى ورش لصقل الوعي،د وتجارب عيشٍ تُعيد للمرأة السودانية ثقتها بذاتها خارج قوالب التلقين والانضباط.

ما ميّز قاسم بدري أنه أعاد بناء المؤسسة لتكون معاصرًا. لقد ظل بروفيسور قاسم ، والذي يعرف بين الاحفاديات ب ( بابا قاسم ) يتعامل مع الأحفاد باعتبارها مؤسسة قادرة على فتح نوافذها للعالم: اتفاقيات دولية، شراكات بحثية، ومؤتمرات وتدريب على القيادة والصحة النفسية والتنمية المجتمعية. ولعلّ هذا الانفتاح كان جوهر مشروعه: أن تخرج المرأة من أسوار الجامعة لتكون جزءًا من الحراك العام، وقوة دافعة نحو مجتمع أكثر وعيًا وعدلًا.

وقد تمسّك قاسم بدري، في كل مراحل قيادته برؤية إنسانية للتعليم ترى في الطالبة إنسانةً كاملة، لا مجرّد متلقية. لذا ركّز على الجوانب النفسية والوجدانية في العملية التربوية وربط بين المناهج الأكاديمية والمهارات الحياتية وبين التعليم النظري والممارسة المجتمعية. تعمل الجامعة على تخريج نساء مفكرات، قادرات على التأثير في الأسرة والسوق والمجتمع.

وكان واضحًا أن الأحفاد، تحت قيادته، مكانًا للدراسة و فضاءً لتشكيل الوعي الجديد. فقد وُجهت الجهود لتكريس ثقافة الاحترام المتبادل والقدرة على التعبير والتربية على المسؤولية الفردية والاجتماعية. وغدت تجربة الأحفاد تحت إشرافه واحدة من التجارب النادرة التي جمعت بين الأصالة والتجديد، بين الإيمان بالجذور والانفتاح على المستقبل.

إنّ قاسم بدري مارس نظريته في التغيير بوعي وحنكة . كان يرى أن كل بنت تدخل إلى قاعات الأحفاد هي مشروع وطن مصغّر وأن على الجامعة أن تُخرّج حاملي الشهادات القادرات على صناعة الأفكار واشعال الأسئلة. وقد نجح في أن يحوّل الجامعة من مؤسسة تعليمية إلى حاضنة فكرية، ومن تجربة أسرية إلى مرآة تعكس نبض المجتمع السوداني في تحوّله البطيء نحو المساواة.

خامساً : الأثر المجتمعي لجامعة الأحفاد – من التكوين الفردي إلى التحول الجماعي

ظلت جامعة الاحفاد للبنات مختبراً لصياغة الوعي، ومرايا تعكس مسارات التحول في المجتمع. وفي هذا الإطار، تبرز جامعة الأحفاد للبنات بوصفها تجربة نادرة في سياق التعليم العربي والأفريقي، حيث اعادت تشكيل علاقتها بذاتها وبمجتمعها، وساهمت في تحريك البنية الثقافية الجامدة عبر أدوات ناعمة، هادئة، وعميقة التأثير.

لقد غيّرت الأحفاد، على امتداد عقود، صورة المرأة السودانية في المخيال العام. لم تعد الطالبةُ في الأحفاد ذلك النموذج الكلاسيكي للفتاة المتلقية ولكنها صارت رمزًا للتفوق، والحضور، والثقة بالنفس. والمجتمع الذي كان، يومًا ما، يتوجّس من فكرة تعليم البنات بات يفتخر بالخريجات ويعترف بقدرتهن على الإنجاز، بل و يراهن عليهن أكثر مما يراهن على الذكور.

هذا التحوّل في النظرة يُقاس بعمق الأثر في العلاقات الاجتماعية، وفي بنية الأسرة، وفي مفهوم القيادة. فخريجات الأحفاد أقنعن المجتمع بالنجاح، بالإبداع، بالانضباط، وبالقدرة على التغيير دون صدام. وهذا النمط من التأثير، غير الصاخب، هو الذي يُحدث التحولات الأكثر ثباتًا في المجتمعات.

لقد تمدّدت روح الأحفاد إلى الريف كما إلى المدينة، إلى القطاع الصحي كما إلى الإعلام، إلى التعليم كما إلى منظمات المجتمع المدني. وغدت الخريجة واعية بقضايا النوع، وبالتحديات البنيوية التي تواجه المرأة، وقادرة على المساهمة في إعادة ترتيب الأولويات داخل الحقول التي تعمل فيها. فالمعرفة، كما صاغتها الأحفاد : هي الوعي بالذات والمجتمع والعالم.

لقد طال هذا الأثر النساء، و الرجال . فقد أنتجت الأحفاد نمطًا جديدًا من العلاقة بين الجنسين، يقوم على الاحترام المتبادل، والشراكة العقلية، لا على التراتبية الجندرية. إنّها لم تُعلّم النساء كيف يُطالبن بحقوقهن فحسب، لقد علمتهن كيف يصنعن التغيير دون الحاجة إلى صراخ، وكيف ينتصرن دون أن يُهزمن أحدًا.

كما استطاعت الأحفاد أن تُعيد بناء الثقة بين التعليم والمجتمع، في وقتٍ باتت فيه كثير من المؤسسات الأكاديمية تعاني من الاغتراب عن واقعها. ففي حين انزلقت بعض الجامعات نحو الانغلاق أو الشكلية، ظلّت الأحفاد مخلصة لمجتمعها، منفتحة على العالم، ومرتبطة دومًا بالسؤال: كيف يمكن للمعرفة أن تخدم الإنسان، لا أن تفصله عن جذوره؟

إنّ جامعة الأحفاد، من حيث لا تدري، قد أعادت تعريف مفهوم “الجامعة” كحالة اجتماعية وفكرية مستمرة، تنتقل من قاعات الدرس إلى الشارع، ومن المكتب إلى البيت، ومن الطالبة إلى الأم، ومن الأكاديمية إلى الميدان. إنها صوتُ التغيير الذي يتسلل بلطف، ولكنه يُعيد صياغة الوعي من الداخل، دون أن يحتاج إلى ضجيج.

وهكذا، يمكن القول إنّ الأثر الحقيقي للأحفاد لا يُقاس بعدد الخريجات ، بل بعدد المساحات التي اخترقتها فكرة أن المرأة ليست طرفًا ناقصًا، بل ركيزة متكاملة في بناء المجتمع. وهذا بالضبط ما يجعل تجربة الأحفاد سردية تحوّل ثقافي بدأت بحلم، ثم غدت مؤسّسة، ثم صارت ضميرًا حيًا في وجدان أمة تتلمّس طريقها نحو التوازن والعدالة.

خاتمة: الأحفاد… حين يصبح العقل حليفًا للتحرر

ستظل جامعة الأحفاد للبنات صفحة في تاريخ التعليم السوداني و مشروعًا أخلاقيًا ومجتمعيًا يتجاوز جدران قاعات الدرس ليعيد تشكيل الوعي الجمعي من الداخل. لقد نهضت هذه المؤسسة من رحم الشكوك والرفض الاجتماعي، لتثبت أن التغيير يمر بالصبر وبالعمل وبإيمان عميق بأن تعليم المرأة استثمار في مستقبل المجتمع ذاته.

وحين نقرأ تاريخ الأحفاد، نقرأ سيرة عقل وضمير، سيرة نضال هادئ ضد أنماط القهر الثقافي، وضد التصورات التقليدية عن دور المرأة ومكانتها. ومن بابكر بدري الذي حلم فبدأ، إلى قاسم بدري الذي استكمل المسير لا كإرثٍ عائلي بل كخيار ثقافي، تتجلى الأحفاد كجسر بين الماضي والمستقبل، بين إرث التنوير وحاجة الواقع إلى المعنى.

إن ما أنجزته الأحفاد يُقاس بعدد العقول التي تحررت، وبعدد الأسر التي تغيرت، وبعدد الفتيات اللواتي وقفن أمام المجهول وقلن: التعليم حقي، لا فضيلة تُمنح. ولذلك، فإن الأحفاد تظل تجربة حية، تُقرأ كنجاح تربوي، وكوثيقة إنسانية لتؤكد على أن المعرفة حين تلامس الوجدان، تُصبح قوة تغيير لا تُهزم.