نزار فاروق هِرْمَاسْ
تتنفَّسُ مدينةُ “الهواءِ الطَّيّب” نسيمَ شتاءٍ غريب،
تحت سماءٍ رماديّة بلونِ الفضّة،
كأنَّها تُطرِّزُ حكاياتٍ أرجنتينيّة معقّدة،
وتسردُ رواياتٍ عن جنونِ الجلدِ المُدوَّر.
رياحُ “ريو دي لا بلاتا”
تتسلَّلُ إلى الشَّوارعِ كاللُّصوص الذّين يتربّصون بك
في أزقّةٍ “الفيّاس” المُمتدّة على أطرافِ المدينة،
من “فيّا 31” التي تتشابكُ بيوتُها كأسرارٍ مُتوارثة.
سوقَ “سان تيلمو” الهجين،
مُشبَعٌ برائحة “الأسادو” و”الكوريبان” ،
والأحزمةُ الجلديّة والكؤوسُ الفضيّة
تلمعُ تحتَ المصابيحِ المُعلَّقة.
في شارع “9 جويلية” العريض،
تصرخُ الحافلاتُ وتئنُّ فراملُها، ،
الباعةُ يُنادون،
و”باندونيون” يطلقُ أنفاسَ “تانغو” مُتعب
تذوبُ في الضَّجيج.
الرَّصيفُ زَلِقٌ تحتَ المطرِ الخفيف،
أسيرُ جنوبًا،
أمرُّ بجدرانٍ تُغيِّرُ جلدَها،
طبقاتٍ من الأزرقِ والذَّهبي
فوقَ الصَّدأِ والجصّ،
والضَّجيجُ يتصاعدُ مع كلِّ منعطف:
مطارقُ على الصَّفائحِ المعدنيّة،
كلابٌ تنبحُ على الظِّلال،
ضحكاتٌ تتفجَّرُ من وراءِ الأبواب،
وبقايا فضلاتِ الكلابِ تَعبُرُ الأرصفةَ بلا اكتراث،
كأنَّها جزءٌ من نسيجِ الشارع.
ثمَّ ينفتحُ “الكامينيتو”،
واجهاتُهُ المُرقَّعةُ بالألوان
باهتةٌ تحتَ سماءِ الشّتاء،
بعض المقاهي مُغلقة،
لكنَّ الراقصينَ المرسومين
يبقونَ مُجمَّدينَ في منتصفِ رقصةِ “تانغو”،
ألوانُهم تُقاومُ البردَ كأنَّ حرارةَ الصيفِ لا تزالُ معلَّقةً على الجدران.
الجدارياتُ تتحوَّلُ إلى أيقونات:
“ريكيلمي” مُتوقِّفٌ في تمريرة لا تنتهي،
“مارادونا” يبتسمُ كأنَّهُ ما زالَ سيّدَ المدينة،
“ميسي”، وعلى كتفيه “البشت” القطري، ممسكًا بـ”الكوبا”، آخرُ ملوك الأرجنتين ،
بعد عقودٍ من الصيد في “كانشات” المجد الضائع.
و”تشي غيفارا” يطلُّ بوجهِه المُتمرِّد من بينِ الألوان،
عيناهُ تلمعان كمن لا يزالُ يُخطّطُ لثورة.
الطِّلاءُ يتقشَّرُ عندَ الحواف،
لكنَّ وجوهَهم تبقى،
كما تبقى كلماتُ “بورخيس”،
تسيرُ معنا في الشوارعِ الضيّقة،
وتهمسُ بأنَّ المدينةَ متاهة،
وكلَّ ملعبٍ بوابةٌ أُخرى نحو الأسطورة.
ثمَّ تظهر”لا بومبونيرا”،
طبلٌ من الخرسانةِ يهتزُّ على إيقاعِ الأغاني،
ظلُّها يمتدُّ على الحيِّ الفقير الملتصقِ بها،
متاهةٍ من الأرصفةِ المتصدّعةِ وحبالِ الغسيل،
كرةُ القدمِ شغفٌ لا يهدأ،
والجدارياتُ سجلاتُ بطولةٍ وذاكرة،
وكلُّ هتافٍ شرارةٌ
تتقدُ في أزقّة الفقراء.
على الجانبِ الآخرِ من المدينة،
في “بيلغرانو” وأحياءِ الأثرياء،
ينتظرُ “المونومنتال”،
أبيضَ كالرخام، تُحيطُ به شوارعُ هادئة،
لكنَّ الحماسةَ هنا لا تقلُّ اشتعالًا،
كأنَّ “مورينو” و”ألفريدو دي ستيفانو” و”أورتيغا” و”باساريلا”
لا يزالونَ يُضيئونَ سماءَ “ريفر بليت”،
ويجعلونَ من هذا الملعب منارة
لأمجادٍ حمراءَ وبيضاء.
لكن في “لا بوكا” وفي “الفيّاس” على أطراف المدينة،
من “فيّا 31” التي تعانقُ مساراتِ القطارات،
إلى الأزقّةِ المزدحمةِ بالمنازلِ المتلاصقة،
تفوحُ من النصرِ رائحةُ العرقِ والدخان،
ونكهةُ “المتّه” الأرجنتيني تمرُّ من يدٍ إلى يد،
مع إيمانٍ راسخٍ بأنَّ روحَ الأرجنتين
تنبضُ في هذه الأزقّة أكثرَ من السّاحاتِ الضخمة
والصُّروحِ المنتشرةِ في “بوينوس آيرس”.
“مارادونا” و”ميسي” في الصَّدارة،
و”بورخيس” و”تشي غيفارا” يُراقبان من جدارٍ بعيد،
كأنَّهما يعلمان أنَّ هذه اللعبة
أكبرُ من كرةِ القدم،
وأنَّها حكايةُ مدينةٍ متناقضة، فاتنة، بكاملِها،
من ظلالِ “لا بومبونيرا” وألوانِ “الكامينيتو”
إلى صرخاتِ “بلازا دي مايو” ،
رغم أنَّ نصفَ المدينةِ اليومَ يُصفّقُ اليومَ
لمجنونٍ تافه.
“الهواء الطيّب”: الترجمة الحرفية لاسم “بوينوس آيرس” (Buenos Aires).
“ريو دي لا بلاتا”: نهر يفصل بين الأرجنتين والأوروغواي.
“الفيّاس” (Villas): أحياء فقيرة عشوائية أشهرها “فيّا 31”.
“الأسادو” (Asado): شواء أرجنتيني تقليدي للحوم على الفحم.
“الكوريبان” (Choripán): سندويش سجق مشوي شهير في الأرجنتين.
“المتّه” (Mate): مشروب تقليدي من نبات المتّة، يُشرب في جماعات.
“كامينيتو” (Caminito): شارع مشهور في حي “لا بوكا” بلوحات فنية وبيوت ملونة.
نزار فاروق هِرْمَاسْ
أستاذ دراسات الشّرق الأوسط وجنوب آسيا
جامعة فيرجينيا
https://mesalc.as.virginia.edu/nizar-f-hermes



