وهيبة جمال عبد الكريم
لم يعد السؤال اليوم: ماذا يكتب الكاتب؟ بل: لمن يكتب؟
هذا التحول من التركيز على النص إلى البحث عن قارئ له يكشف خللًا أعمق في المشهد الثقافي، تتداخل فيه عوامل متعددة؛ فلا يمكن تحميل جهة واحدة المسؤولية، بل هي شبكة كاملة ساهمت في إبعاد القارئ عن الكتاب، من تراجع عادة القراءة لدى فئات واسعة، إلى هيمنة الوسائط الرقمية السريعة التي غيّرت شكل التلقي، مرورًا بضعف الترويج الثقافي للكتاب، وصولًا إلى محدودية قنوات الوصول إلى القارئ.
في هذا السياق، يجد الكاتب نفسه أمام معادلة صعبة: إنتاج نصوص يؤمن بها، في مقابل واقع لا يمنحها دائمًا المساحة الكافية للانتشار. ورغم ما يبذله من جهد في الكتابة والتشكيل، فإن هذا الجهد لا يجد صداه حين يغيب القارئ الفاعل.
ولعل هذه الصورة تتجسد بوضوح في تجربتي الشخصية، حين وجدت نفسي أمام خيار توجيه عملي الروائي خارج الجزائر. اضطررت إلى البحث عن قارئ خارج بلدي، لا لأنني أردت الرحيل، ولا بحثًا عن بديل، بل بحثًا عن نافذة تصل بالنص إلى قارئه. لم يكن الأمر قرارًا سهلًا، ولا خيارًا مثاليًا، لكنه كان أقرب إلى محاولة إنقاذ الكتاب من البقاء في انتظار طويل بلا أفق واضح.
وهذه تجربة لا تخصني وحدي، بل يشارك فيها عدد متزايد من الكتّاب الذين يكتبون بشغف، لكنهم يصطدمون بواقع لا يواكب هذا الشغف.
ورغم ذلك، لا يمكن القول إن القارئ الجزائري غائب؛ فهو موجود، لكنه متفرق ومشتت بين وسائل متعددة تستنزف انتباهه. غير أن المسألة لا تتوقف عنده وحده، إذ إن ضعف الترويج الثقافي للكتاب، ومحدودية حضوره في الفضاءات العامة والإعلامية، يساهمان في تعميق الفجوة بين النص والمتلقي.
وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف نعيد الكتاب إلى دائرة الاهتمام؟ وكيف نجعل القراءة جزءًا من الحياة اليومية، لا نشاطًا هامشيًا؟
إن إعادة الاعتبار للقراءة لا تكون بالشعارات، بل بخطوات عملية تبدأ من داخل المدرسة عبر تشجيع المطالعة، وتمتد إلى دعم المبادرات الثقافية، مع ضرورة تعزيز حضور الكتاب في الفضاءات الإعلامية والثقافية، وتطوير أساليب تقديمه بما يواكب تغيرات العصر ويقربه أكثر من القارئ.
الكتاب لم يفقد قيمته، لكنه فقد الطريق المختصر إلى قارئه، وبين الكاتب والقارئ اليوم مسافات صنعتها السرعة والضجيج وتراجع الفعل الثقافي الحقيقي.





