المجلة الثقافية الجزائرية

هذا الحادث اللغوي المروع

بقلم: التجاني صلاح عبد الله المبارك

من المواقف المؤسفة والطريفة في آن واحد التي ربما تصادف البعض في محادثاتنا اليومية، أن بعض الناس يتحدثون بكلمات لم يحسنوا حفظها على وجهها الصحيح، ولم يتأنوا في استخدامها في موضعها المناسب، لبيان المقصود بوضوح تام بعيدًا عن أي ابهام أو غموض ، فيلتبس المعنى وتضيع الفكرة.. سأتكلم اليوم عن كلمة ربما تكون عادية سهلة في معناها، وهي كلمة “مفخخة” وان كانت تبعث في النفس مشاعر الخوف والوجل، لكن عدم التريث والحفظ الجيد، جعل منها كلمة أخرى وهي “مفخفخة”! وهي تثير في النفس أيضا مشاعر أخرى عديدة ليس من بينها الخوف بالطبع، لكن الأسى والاسف أولاً على صاحبها، وتثير في النفس ايضاً الرغبة في الضحك، لولا ما يصدّها من توقيرٍ وأدب.

الكلمة كما نطقها صاحبنا يومذاك، وهو يتحدث عن الحادث البشع والارهابي البغيض، الذي تعرض له رئيس الوزراء الاسبق “عبدالله حمدوك” عندما تعرض موكبه المهيب لانفجار سيارة مفخخة بجانبه ونجا من الموت بأعجوبة؛ قال يحدثنا وكان متأثرًا بالحادثة، غاضبًا مما جرى، لكنه لم ينتبه إلى ما قال وهو: انفجرت بالأمس سيارة “مفخفخة” بجانب موكب رئيس الوزراء.

 ولأن الحدث كان سياسيًا جللاً، ازدادت المفارقة حدةً، فعبد الله حمدوك لم يكن مجرد رئيس حكومةٍ عابر، بل كان رمزًا لأملٍ وطنيٍّ خافتٍ بأن السودان يمكن أن يستيقظ من غفوته الطويلة، لكنّ خاب أمله، وأمل السودانيين معه جميعا، في رؤية اي تغيير حقيقي يمكن ان يكون بداية طريق جديد، حين انفتح الباب بموافقته أو بالاحرى بتخبطاته وفشله الذريع إذ ذاك أمام التدخلات الأجنبية، وعلى رأسها بعثة الأمم المتحدة بقيادة “فولكر بيرتس”، التي دخلت إلى تفاصيل الشأن السوداني حتى النخاع، حتى صارت جزءًا من صناع القرار ان لم تكن صانعة القرار ، لا من مراقبيه الخلص!

كان صاحبنا يتحدث بحماس صادق، غير أن لسانه خانه في لحظة اندفاع وتسرع، فاستبدل “مفخخة” بـ“مفخفخة”، وفي لحظةٍ قصيرةٍ، تحولت الكلمة إلى حادثٍ لغويٍّ مروع ومضحك في آنٍ واحد، لم أضحك يومها كما ذكرت، لكن شيئًا من الأسى تسلل إلى نفسي، ربما هو الأسى ذاته الذي كان سيشعر به “سيبويه” أو “نفطويه” معا، لو سمعا بهذه الزلة البيضاء.

ومفخخة أصلها من فخخ، والفخ : المصيدة التي يصاد بها ، وقيل : هو معرب من كلام العجم ، والجمع فخوخ وفخاخ ،اما الخفخفة والفخفخة : فهي تنسب لصوت القرطاس أو الثوب الجديد حين الحركة، والفَخْفَخَةُ : الفَخْرُ بغير حقٍّ، فإن نسبت الفخفخة للرجل فهو يدعي الفخر بغير حق، وان نسبت للورق فهي صوت الورق أما سيارة مفخفخة فهذا استخدام لا يليق أبدا،ً وسياق لم اسمعه إلا على لسان صاحبنا، والذي اتضح لي بعدها انه لا يقصد استخدام كلمة مفخفخة لذاتها، ويقصد مفخخة التي هي من الفعل “فخّخ” أي ملأ الشيءَ بالمتفجرات والالغام، والفعل مشتقّ من “الفخّ”، وهو ما يُنصب للإيقاع بالفريسة، لكن غلب على ظنه أنها كلمة مفخخة التي تعني ان السيارة بها مواد متفجرة، وعلى الأرجح ان الكلمة حديثة عنده، لم تجد حظها من الأناة والصبر والفهم والنطق السليم، ربما لأنها من الكلمات الصعبة ففيها خاءين متتاليين، مما يزيد من صعوبتها في النطق السليم، وهذا بالفعل ما حدث لصاحبنا وربما للكثيرين غيره حين تتسارع أفكارهم فيسبق اللسان العقل، وربما كان هو يظن أنه يحسن النطق في خضمّ انفعاله، لكنه انتهى إلى خلق لفظٍ مشوه وهجينٍ، يدعو للأسى والضحك معا!

 ولو أنه تريث قليلا وتمهل في حفظها على الوجه الصحيح، شأنها في ذلك شأن كل الكلمات الصعبة التي تتكرر فيها الحروف، لما وقع في ذلك الفخ أو الموقف المؤسف، لكن عدم التريث والصبر الذي هو اصبح سمة غالبة في عصرنا، هو ما أدخله هذا المدخل، لأننا نعيش في زمنٍ تسارعت فيه اللغة حتى فقدت وقارها ورصانتها، ولا أدري ماذا سيكون موقفه ونطقه لبعض الكلمات الصعبة أيضا اذا استدعى استعمالها، مثل كلمة تكأكأ و إفرنقع، في الجملة الشهيرة ل-عيسى بن عمر الثقفي عندما سقط من حماره، وتجمع الناس حوله؛ مالكم تكأكأتم عليّ كتكأكئكم على ذي جنة، افرنقعوا عني.

المشهد، عند التدقيق والتمحيص فيما اتصور، يكشف أكثر مما يظهر، الخطأ اللغوي هنا ليس مجرد زلة بيضاء أو عثرة عابرة، بل هو انعكاس لخلل أعمق في علاقتنا بالكلمة ومعانيها، نحن نعيش زمنًا أسرع من الفكر، حيث تُلقى العبارات قبل أن تتأملها العقول، وشتان وفرق كبير بين مفخخة ومفخفخة! ثم ماذا سيكون موقف صاحبنا إذا علم ان الجاحظ يرى في الخطأ اللفظي خطأ عقليا أيضًا، لأنه(أي الجاحظ) يرى أن اللفظ والمعنى متكاملان، وأن الخطأ في أحدهما يؤثر في الآخر، فإذا كان اللفظ غير بليغ أو غير سليم، فإن المعنى الذي ينقله يضطرب أو يضعف، ولا يكون الكلام صحيحًا في جوهره!

ما جرى على لسان صاحبنا والذي كنت أتمنى أن أوضح لسيادته الخطأ في النطق الذي وقع فيه بغير قصد، لكن لم تتوفر السانحة المناسبة لذلك، وعلمت بعد ذلك انه سافر خارج السودان، بعد أن تأزم الوضع جراء الحرب والتنظيف الكامل الذي تقوم به قوات الجيش الباسلة، ضد ميليشيات الجنجويد الارهابية والمرتزقة الكولومبيين، ما جرى يشبه تمامًا ما حدث في تجربة حمدوك السياسية القصيرة: نيةٌ طيبة، وتسرع في التنفيذ، وثقةٌ مفرطة عمياء في النوايا الأجنبية والعملاء، وحين تختلط المفردات اللغوية كما تختلط السياسات، لا يخرج من ذلك إلا الالتباس والاوضاع الصعبة، فتدويل الشأن السوداني الذي فتح بابه الرجل على مصراعيه بحسن نية، ساق على السودان شؤمًا وخرابا جديدًا، تمامًا كما الحقت “مفخفخة” على لغتنا الأصيلة المعتبرة، طرفة حزينةً بين الضحك والبكاء.