المجلة الثقافية الجزائرية

هل غيّرت المنصات الرقمية علاقتنا بالكتاب؟

أزمة القراءة لدى الشباب الجزائري… هل غيّرت المنصات الرقمية علاقتنا بالكتاب؟

عبد الرحمان بن عمارة*

 

تظهر بين الحين والآخر مقولة مفادها أن الشباب الجزائري ابتعد عن الكتاب، وأن زمن القراءة بدأ يتراجع أمام سطوة الهاتف والمنصات الرقمية. غير أن هذه الرؤية تحتاج إلى قراءة أكثر عمقًا، لأن علاقة الأجيال الجديدة بالمعرفة لم تختفِ، بل تغيرت أشكالها ووسائطها. فالشاب الذي كان يبحث عن المعلومة داخل صفحات كتاب أو مجلة، أصبح يصل إليها عبر فضاءات رقمية واسعة تختصر الزمن والمسافة، وهو تحول يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام أزمة قراءة فعلية، أم أمام تغير في مفهوم القراءة وطرق ممارستها؟

تكتسي هذه القضية أهمية خاصة في مجتمع أصبحت فيه التكنولوجيا الرقمية جزءًا من الحياة اليومية، وتشير معطيات سلطة ضبط البريد والاتصالات الإلكترونية إلى أن عدد اشتراكات الإنترنت في الجزائر تجاوز 50 مليون اشتراك، في حين تؤكد التقارير الدولية حول الاستخدام الرقمي أن فئة الشباب تعد الأكثر حضورًا في الفضاءات الإلكترونية. هذا الانتشار الواسع للاتصال الرقمي لم يغير فقط وسائل التواصل، بل أعاد تشكيل علاقة الفرد بالمعلومة والثقافة وطرق اكتساب المعرفة.

القراءة لم تختفِ، لكنها انتقلت إلى بيئة جديدة، لأن المتابع لعادات الشباب اليوم يلاحظ حضورًا واسعًا للمقالات الإلكترونية، والمحتويات التعليمية، والكتب الرقمية، والنقاشات الفكرية عبر المنصات المختلفة. غير أن الإشكال لا يتعلق فقط بحجم ما يقرأه الفرد، بل بطبيعة القراءة نفسها. هناك فرق بين تصفح سريع لمعلومة عابرة، وبين قراءة عميقة تسمح ببناء الأفكار، وربط المفاهيم، وتكوين رؤية خاصة تجاه القضايا المختلفة.

ارتبط الكتاب الورقي تاريخيًا بالتركيز والتأمل والصبر المعرفي، بينما فرضت البيئة الرقمية إيقاعًا جديدًا يقوم على السرعة وتعدد المصادر والتنقل المستمر بين المضامين. هذا التحول لا يعني أن التكنولوجيا ألغت قيمة الكتاب، لكنه يكشف حاجة المجتمع إلى بناء توازن جديد بين مزايا العالم الرقمي وضرورات القراءة المتأنية.

وتشير دراسات علمية في مجال علم القراءة إلى أن نمط التصفح الرقمي المكثف قد يؤثر في بعض مهارات التركيز والفهم العميق، خاصة عندما يتحول إلى استهلاك سريع للمعلومات دون تحليل أو مراجعة. غير أن المشكلة لا تكمن في الشاشة بحد ذاتها، بل في طبيعة الاستخدام، وفي قدرة الفرد على الانتقال من مرحلة استقبال المحتوى إلى مرحلة نقده وفهم أبعاده.

هنا تبرز أهمية المدرسة الجزائرية باعتبارها الفضاء الأول لصناعة علاقة سليمة مع المعرفة، لم تعد مهمتها تقتصر على تعليم القراءة بمعناها الأولي، بل أصبحت مطالبة بتكوين قارئ قادر على التعامل مع مصادر متعددة، والتمييز بين المعلومة والمعرفة وبين المحتوى الجذاب والمحتوى المفيد. وهذا يتقاطع بشكل مباشر مع مفهوم التربية الإعلامية التي تهدف إلى بناء عقل قادر على التحليل والتحقق وفهم الرسائل المتداولة في الفضاء الرقمي.

كما تتحمل الأسرة والمؤسسات الثقافية ووسائل الإعلام مسؤولية مشتركة في إعادة الاعتبار للقراءة. المطلوب ليس مواجهة المنصات الرقمية أو تقديمها باعتبارها خصمًا للكتاب، بل استثمارها لنشر ثقافة القراءة وتقديم محتوى معرفي قريب من اهتمامات الشباب. فقد أثبتت التجارب الحديثة أن الكتاب قادر على الوصول إلى القارئ عبر الوسائط الرقمية، إذا تم تقديمه بأساليب مبتكرة وجذابة.

ومن منظور إعلامي، ترتبط أزمة القراءة كذلك بأزمة المحتوى، لأن الفضاء الرقمي يمتلئ يوميًا بكم هائل من الرسائل والصور والمقاطع، غير أن كثرة المحتوى لا تعني دائمًا ارتفاع قيمته. لذلك فإن بناء مجتمع قارئ يتطلب دعم إنتاج مضامين ثقافية وإعلامية جادة قادرة على منافسة المحتويات السريعة، ومخاطبة الشباب بلغة العصر دون التخلي عن العمق والجودة.

لقد تغيرت علاقة الشباب الجزائري بالكتاب، لكن هذا التغير لا ينبغي أن يُفهم باعتباره نهاية للقراءة. التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من الدفاع عن الكتاب في مواجهة التكنولوجيا إلى بناء تكامل بين الورق والشاشة. فالكتاب يمنح العمق، والفضاء الرقمي يمنح الانتشار، والمدرسة مطالبة بصناعة جيل يعرف كيف يستفيد من الاثنين.

القراءة ستبقى إحدى أهم أدوات بناء الوعي، لأنها لا تمنح الإنسان المعلومات فقط، بل تمنحه القدرة على التفكير والفهم واتخاذ الموقف. وفي زمن تتغير فيه وسائل المعرفة بسرعة، فإن الرهان الحقيقي هو بناء قارئ يمتلك القدرة على التعامل مع تدفق المعرفة الرقمية، دون أن يفقد شغف البحث والتأمل وصناعة الأفكار.

 

*باحث في الإعلام الرقمي