المجلة الثقافية الجزائرية

هل يمكننا بناء صناعة وطنية للسيارات في الجزائر؟

طه بونيني

 

 قد يستغرب قارئ هذا العنوان في البداية، قائلا:” أنّى لنا هذه الصناعة، وإنّنا غير قادرين على الإطلاق لتحقيقها، ولو بعد أمد”. وأنا أجيبه. إنّ لكل من المؤسسات الكبرى المعروفة في صناعة السيارات بداية، ولم تكن تلك البداية سهلة أبدا، بل كانت في وقت لا يعرف فيه الإنسان الشي الكثيرعن السيارات مثلما يعرفه الآن. وإذا استطاعت الصين، والهند وإيران وغيرها من البلدان الخوض في تجربة صناعة السيارات، من خلال التقليد أوّلا ثمّ الإبداع لاحقا، فإنّه يمكن للجزائر كذلك فعل ذلك.

وقد تحقّق لنا هذا من قبل، بل هو موجود حاليا إلى حدّ ما، مثل تصنيع سيارات مارسيديس لقطاعات معينة مثل القطاع العسكري وغيره، ومثل مؤسسة صوناكوم SONACOM في مجالات صناعة الشاحنات والحافلات. ولا يجب أن نُغفل المنطقة الصناعية برويبة التي تزخر بمؤسسات عمومية وخاصة تعمل في مجال الصناعات الميكانيكية متعددة. وهذه التجارب سواءً في القطاع العسكري أو المدني، هي نواة صلبة وركيزة لا يُستهان بها لإنشاء صناعة وطنية للسيارات. كما ستدخل شركات أخرى خلال السنة الحالية غمار الصناعة الميكانيكية، كشركات جيلي وجاك وإيفيكو وباييك وغيرها. 1

إنّ العيب كلّ العيب، في الاستخفاف بقدراتنا، والاستهانة بها. إنّ لدى الجزائر كلّ ما يجب لإنجاح هذه الخطوة إذا أرادت السلطات والشعب معا أن يخطوانِها. وإذا أردنا أن نكون موضوعيين فالصناعات الميكانيكية، تستدعي إمكانيات بشرية ومادّية. وأقصد بالإمكانيات البشرية، الكوادر المختصين في المجالات الآتي:

الإختصاصات الأساسية: هندسة الصناعة الميكانيكية، مهندسو الإنشاء الميكانيكي (التصميم)، هندسة الموادّ، هندسة الميكاترونيك، الإلكترونيك، مراقبي الجودة، التقنيون العاملون في التركيب والتلحيم.

الاختصاصات المُكمّلة: المُسيّيرون، المحاسبون، المموّنون، مُسيّرو المخازن، العمّال المسؤولون عن الأمن والسلامة، العُمّال البسطاء ذوي الاستعمالات المختلفة…الخ

أمّا بالنسبة للموارد المادّية، فزيادة على رأس المال، نحتاج المواد الأوّلية من معادن ومواد بلاستيكية ومواد اصطناعية أخرى، بالاضافة الى الوقود والشحوم والزيوت الاصطناعية. وهي متوفرة لدينا والحمد لله.

إنّ التحدّي الكبير في الصناعات الميكانيكية وخاصة منها صناعة السيارات يكمن في شيئين وكلاهما تقنيّ:

ـ الآلات المُستعملة (الروبوتات) في تركيب السيّارات.

ـ التحكّم في الموادّ وخلائطها. بحيث نتحكّم في التركيبة الصناعية من حيث الموادّ خاصة الموادّ والخلائط التي يُصنع منها المُحرّك، جهاز نقل الحركة، والأجزاء الميكانيكية الأخرى كجهاز التعليق وعزل المحرّك.

 هذه التحدّيات نظريا يمكننا التغلب عليها، لأنّنا نمتلك المختصين في كل هذه المجالات. يتوفّر لدينا الدكاترة والمهندسون في كل التخصصات الميكانيكية، والميكاترونيك والالكترونيك والروبوتيك وغيرها من التخصصات. جامعاتنا تتوفّر على المخابر، التي تضمّ عددا لا يستهان به من الباحثين، الذين استفادوا على مرّ الزمن ومنذ الاستقلال من آلاف البعثات إلى الخارج.

 طبعا لا يمكن جمع هذه المكوّنات التي ذكرتها فجأة فيتكوّن لديك مصنع يعمل، فأنت حتّى ولو استطعت الحصول على عقار صناعي مناسب استراتيجي، يتوفّر فيه القرب من شبكات الطرق وخاصة الطريق السريع، من أجل التموين. ثمّ قمتَ ببناء المصنع، بكلّ معدّاته وآلاته، ثم قمتَ بتوفير المواد الأوّلية، ووظّفت فريق العمل. كلّ هذا لا يكفي لبعث مصنع السيارات. يجب توفّر عنصر الخبرة. والتي قد تتأتّى من خلال توظيف بعض العمّال المخضرمين الذين عملوا في هذا المجال سابقا. سواءً قسم الصناعة الميكانيكية للقطع، أو تحضير المواد ومعالجتها حراريا وكيميائيا، أو قسم الدراسات حيث التصميم، وتقسيم المهام مع وضع الجدول الزمني لها.

 هؤلاء العمّال المخضرمون سواءً كانوا في مهامّ التسيير أو الهندسة أو التطبيق أو مجرد عمّال عاديين، هم مهمّون جدا، لنقل الخبرة لزملائهم الجدد. إضافة إلى ذلك، يتعيّن على القائمين على المصنع، خاصة المسؤولون في الإدارة على التكوين، برمجة تكوين لكل العمال، كلّ حسب مجاله. تكوينات في طرق تسيير المصنع، قسم الدراسات والطرائق، طرق تصنيع القطع، البرامج الالكترونية اللازمة للتصميم ومتابعة التصنيع في كافة الأقسام…

 التكوين مهمّ جدا خاصة قبل مرحلة الإقلاع. العامل حينها يستفيد من خبرة الغير، وخلال مرحلة التكوين، يُمارس بنفسه، فيُكوّن بعض الخبرة اللازمة. عنصر الخبرة والمعرفة عنصر مهمّ جدا كي تنطلق عملية التصنيع.

 طبعا قبل كل ذلك يجب التخطيط لهذا كلّه. التخطيط والدراسة قد يأخذ ثلاثة أرباع التحضير، وهو يستحقّ ذلك، لينطلق المشروع على أساس قوي ورؤية واضحة، وبصمة وطنية خاصّة.

 يستفيد هذا المشروع الاستراتيجي طبعا، من تجربة التجارب الماضية للمؤسسات الوطنية الموجودة أصلا، والتي اشتغلت في التركيب. لأنّها اشتملت على نسبة دمج الصناعة المحلية لبعض الأجزاء في عمليات التصنيع، سواءً في المؤسسة نفسها، أو بالتعاون مع مؤسسات صغيرة ومتوسطة. وقد تأسّست مؤخرا العشرات من هذه المؤسسات، التي تصنع صفائح المكابح، وغيرها. هذه المؤسسات من شأنها المشاركة في هذا المشروع المستقبلي الاستراتيجي، لأنّ مصنعا ولو كان له فروعا، لا يمكنه تصنيع كلّ القطع لوحده.

 قد نخطئ ونتعثر في البداية، لكن هذا ما يسمّى:” الخبرة”. والخبرة أن تعرف كل الأخطاء التي يجب تفاديها لتقوم بالعمل الصحيح. طبعا، كلّ هذا ليتحقّق، نرجو من السلطات أن تنظر إلى هذا المشروع بعين جادّة، ثمّ تثق في نفسها وقدرات أبنائها ومؤسساتها، وتبدأ. ولكلّ مجتهد نصيب.

هوامش:

ميكاترونيك : Mécatronique . وهو تخصص يجمع بين الهندسة الميكانيكية والهندسة الاكترونية.

نسبة الدمج: Taux d’intégration. وهو مصطلح مهمّ يعني درجة دمج الصناعة المحلية لأجزاء مصنّعة كلّيا محليا، وهذا سواءً في المؤسسات الوطنية أو الخاصة أو الأجنبية (التي تعمل في الجزائر).

هندسة الصناعة الميكانيكية: Fabrication mécanique

علوم الموادّ: Sciences des matériaux

المعالجات الحرارية والكيميائية للمواد: Les traitements thermiques et chimiques

جهاز نقل الحركة: Système de transmission de mouvement

جهاز التعليق وعزل المحرك: Système de suspension

قسم الدراسات والطرائق: Bureau Etude et Méthode

الإنشاء الميكانيكي: Construction mécanique

دكتور علوم في الهندسة الميكانيكية

المراجع:

1ـ https://sayaratlive.com/