المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

‏(هنا، القصة بكاملها)‏: خَـدٌّ على الشبَّاك

عاطف سليمان

على جانبِ الشارع؛ أُقيمت خيمةُ عزاء، واستوى الجالسون إلى مُرتِّل الآيات، فيما كانت الآنسةُ تكنسُ الشارعَ ‏أمام البيت، منحنيةً قليلاً، وثوبها العسليّ القصير نوعاً ملمومٌ بين ساقيها. ما ملكتْ غير ذلك لتفعله حيالَ غَمِّ وشقاوةِ ليلة ‏فصَّدها مُرتِّلٌ متمرِّسٌ في إحياء المآتم؛ مجلجِلاً، ومُلقياً كلَّ سامعٍ في كآباتِهِ واستصراخاتِ روحه وهمودها.‏
أجْيا هو اسم الآنسة سالفة الذكر، التي حزمتْ أمرَها في تلك الليلة، ليظفر منْ سوف يهُمُّ بإيقاظها، بعد ليلتين ‏من انقضاء المأتم العابر، بشهقةٍ، وتشدِهُهُ غبطةُ وجهها وحنانه وأماراته الكريمة، بينما هي مُسجَّاةٌ في فراش انتحارها وبجوارها ‏الأوراق «… جسدي مستور، في تمامِ بكارته، الحمد لله. ولكني ..» الخ الخ.‏
أجْيا، الـمُسماةُ على اسمِ قديسة قبطية، كانوا قد أوقدوا الشموعَ في ليلة سبوعها لانتخاب اسم لها، وذوتْ ‏الشموعُ إلَّا التي حين رُفعتْ وجدوا اسمَ أجْيا على الورقة الصغيرة المطوية بجوارها، وكانت الجدةُ قد احتالتْ لذلك بوضْعِ ‏الاسمِ الذي أرادته لِصق شمعةٍ أغلظ قليلا.‏
كذلك أُقيم مأتمُها. وأمُّها، حسيبة، لا ترحم نظراتِها من المكوث على بُقع الحروق الصغيرة الـمُسوَّدة، التي نحتتها، ‏قبل ربع قرن، شموعُ السبوع على قرص الطبليّة، وتتحسَّسُ ملمسَها بأناملها، باستغراقٍ وتمهُّلٍ، كأنما تتملى رُقيةً سحريةً، ‏وكأنها على وشكِ سبرِ الحادثة، أو استنهاض قتيلتها لتنبعث وتفيق مجدداً من ذكريات نيرانٍ صغيرة منقضيَّة.‏
‏ ومهما يكن من أمرٍ فإن أجيا كانت في قبرها؛ لا تزال على شيء من ثمالة سخونتها، حين عاد جلالُ الدين، ‏خطيبُ حسيبة العتيق، المُرتحِل.‏
وصلَ العائدُ بشعرٍ مُهوَّش ولحيةٍ بديعة وجسدٍ مُشبَع ومُطمَئِن. حسيبةُ صرَّختْ لـمَّا رأته، رمتْ نفسَها وتهاوت بين ‏ذراعيه مغشياً عليها. بانَ خجلُه وفرحُه من استقبالها الجريء والـمُفحِم. لعله تمنى لو أنها تفتح لعينيه عينيها فيرى ما إذا كانتا ‏استردتا لونَهما العسليّ المنصرم.‏
بدا أنه سيهمسُ لها بكلمته البائدة، منتهزاً غشاوتها: نجلاء!‏
همستْ له هي، بعد حينٍ، بنبرةٍ محتقنةٍ، معاتبةً لأول مرة: عُدتَّ!‏
واتته جرأةٌ لأنْ ينظرَ وجهَهَا الناضج، الـمُعتز، فيما يدُه تمتدُ في تحفظٍ لتلتقط دمعتين غيَّمتا عينيها السوداوين.‏
بين انتحاريْن ذهبَ، وعادَ.‏
أَتُراهُ تفكَّرَ في أنه ينبغي ألَّا يتفكر؟
عساه باتَ منتبهاً في قلبه.‏
‏* * *‏
أنا أجيا، الصموت، الجميلة، العانس، لا أعرف ماذا أريد. ضاعت عليَّ الحياةُ رغم حلاوة وجهي وجسدي، ‏وعذوبة لساني وتهذيبي. إني أتعشَّمُ في شيءٍ لا أعرفه. ليست لديَّ ميول تنسُّكيَّة، لا أفهم كيف أفلتتْ مباهجُ الحياة من ‏قلبي ومن شبابي، لن تعوِّضني الجنةُ إنْ دانتْ لي في آخر المطاف. أنا، أنا أجيا؛ انتحرتُ؛ سمَّمتُ بدني كيلا يتطاول على ‏روحي الصغيرة الطيِّبة، إني عادلة ولا أدَّعي أني أفهم جيداً ما أفعل بنفسي. أمَّا عن الفضيحة المتخلِّفة بانتحاري فلم تخطر ‏على بالي إلا الآن، وفي غير مقدوري أن أساعدكم لأجل تَكتُّمِهَا، ومُناي أن تغفروها لي. أحبكم، وأحبكم، ولا يمكنني بعد ‏أن كتبت ما كتبت أن أتراجع. هل أنا عنيدة للغاية، هل كنتُ آيةً في الجمال. سأموتُ بعد لحظات. لا أصدِّق. أحاسيسي ‏غادرتْ الحياةَ قبلي وتلوَّنتْ بشيءٍ غامض وعجيب. صرتُ عاليةً وبعيدةً. سأموتُ بعد لحظات. أنتم جميعاً ستتمنون لو ‏أنكم رأيتموني في لحظاتِ ما قبل موتي. آه لو أستطيع ترْكَ جمالي لفتاةٍ أقل جمالاً مني. لا أصدِّق أني عانس. لا. لا. ‏أصدِّق. أشكركم على اسمي وجسمي. كنتُ غزالة. آه، جسدي مستور، مستور، في تمام بكارته، الحمد للـه، ولكني أعبأ ‏الآن بغير ذلك، بل ربما بعكس ذلك. تمنيتُ عريساً كخطيبِ أمي، وفراراً له مثل فراره. جلال الدين. اسمُهُ جميلٌ أيضاً، ‏وأرجو أن يكون قد مات في سبيل شخصٍ آخر لم يسبق له معرفته. تعثرون بين أشيائي على صورة كبيرة لشابٍ، لمحتُهَا في ‏مجلة فشعرتُ أنها تعنيني في شيءٍ، أتلهَّفُ على التصريح لكم بذلك الشيء غير أني أخشى أن تسيئوا فهْمي، لا تمزقوا ‏الصورة، أرجوكم، وأقصى مطالبي أن تضعوها في البرواز الخشبي القديم وكأنها صورة لي، لا … لا، يكفي ألَّا تمزِّقوها. يقولون ‏أن الأرواحَ تتحررُ بعد الموت؛ إذاً فسأجيءُ إليكم. لن أحزنَ إذا انتويتم تمزيقَ الصورة. الأهم هو أني سأذهب إلى جلال ‏الدين، وإذا وجدتُ أن لديَّ سُلطان دلالٍ عليه فسأحتالُ كي أُعيده إلى أمه وأمي أيضاً، لم أفكر بهذا إلا الآن، ومع ذلك ‏يُخيَّلُ إليَّ أني أُميتُ نفسي لأجل ما ذكرتُ. أريد أن أنطقَ اسمي بصوتٍ عالٍ: أجْيا. ها أنا أنطقُ به الآن بينما أكتبُهُ. هل ‏سأتعرَّفُ على أبي هناك، موته قبل مولدي كان أمراً مُهيناً لي، ولكنه كان أمراً رائعاً أيضاً، لستُ شريرةً وحقوداً إلى هذا ‏الحد، ولكن موْتَه هوَّن الموتَ عليَّ دائماً، بل لعله حبَّبني فيه، أريد أن أكذب وأقول إن أبي يناديني إليه، لملاقاته، قد لا ‏تكون هذه كذبة خالصة، لم أفكر في هذا أيضا. لماذا لم أتمعَّن في الأمور المهمة قبل الآن؟ أفكرُ في القبر، قبري، لأول مرة. ‏لا أتصوَّر أني سأواجه بعد قليلٍ قبري بظلامهِ ودودهِ وترابهِ، أَهذا هو الموت؟ آنَ أنْ أذهب إلى حيث ذهبتْ السيدةُ إياها، ‏سأحكي لها عما فعله جلال الدين، أهفو إلى صوت عبد الحليم حافظ، وإلى أغنية نجاة الصغيرة … أنا خدي على الشباك ‏‏… أنا باستنـاك أنا، يا ليتني أسمعها الآن، وأسمعها بلا انقطاع، إني أرى حمامةً، لا تقولوا شيئاً عن الموت أو ملاك الموت، ‏أرى حمامةً بيضاء وألمسُهَا بيدي، بين أصابعي دفء جلدها، اختلاجات لحمها تقشْعِرُني، أريدُ أن آخذَ معي شيئاً منها ‏للسيدة، أشعرُ بآلامٍ في بطني ورأسي وعينيْ وكأن شخصاً ما يشدني من أمعائي. لا شيء يزعجني، لا أستطيع أن أجزمَ بما ‏إذا كنتُ أواصل الكتابة الآن على الورقة أم أن ذلك يحدث في غبشِ الموت، أشعر بعدم وجود القلم في يدي، هل لا زلتُ ‏أكتبُ، أنتم ستعرفون أين توقفتُ ولكني لم أتوقف، وأشعرُ أن جسدي يملأ كلَّ البيت. جسدي به ثقوب، صارَ مثل ‏فطيرة هلامية مُمزَّقة، لا أدري ما إذا كنتُ أسمع أم لا، ولا ما إذا كنتُ مفرودةً على سريري أم مُكوَّمةً على التراب. لازلتُ ‏أحسُّ أني أجْيا. خائفةٌ مما سوف يحدث لاحقا. أمي جميلة وشعرها جميل. أشعر أني بلا وجهٍ وبلا شعر. شاهدتُ حمامةً، ‏هل ذكرتُ ذلك. لستُ أراها.‏
‏* * *‏
ما خطرَ أبداً لأجيا وصول رسالة انتحارها إلى جلال الدين، فما بالها وقد حازَها بسرعةٍ فائقة؛ إذْ مدَّ يدَه فأخذَ، ‏بغير ما حاجةٍ لتمحيصٍ فارغ. وَضَعَ خطوتَه فجاءَ وتسلَّمَ ومضى، نظيفاً من المآربِ ومن الخيرِ والشرِ. كان لا يشك في أن ‏حسيبةَ قد تزوجتْ، وتخيَّلها دائماً مُحاطةً بثلاثة أبناءٍ، ذكورٍ، يشبهون ثلاثةً من رفاق صباه، ولم يعثر بخياله على هيأةٍ ‏لزوجها. ها هو يغذُّ سيْرَه بطريقهم إلى حدٍ مذهل بينما أجيا تُلْقمُ بدنَهَا السمَّ. أجيا التي لو أنها، مسبقاً، أُنبئتْ بجهةِ ‏خطواته لتريَّثتْ، ولو تريَّثتْ فلربما ما رجعَ هذا الذي باتتْ حسيبةُ، نفسُها، غيرَ متيقنةٍ، فيما بعد، من رجْعتِهِ.‏
اختفى بعد ما ناولته حسيبةُ رسالةَ أجيا، وبعد ما التمسَ منها أن تُريَهُ أمَّه خِفْيةً دون أن تشعر.‏
‏ ومن خِصاصِ نافذةٍ، تصلَّبتْ عيناهُ على أمه الجالسة على سريرها، تبتهل وتصلي بدموعٍ وصمتٍ وانشراح.‏
بعد أيامٍ لن تعود حسيبةُ قادرةً على مُداراةِ ما كان من حاله، أو ما بدا أنه كان؛ عودته فرحيله. وهي تفهم أن ‏خالتها – أمَّه – قد حادتْ عن انتظار عودته، عكس شأنها في سالف الأيام، وأن عودته، إنْ عادَ، ستغدو واقعةً صغيرة لا ‏أكثر، بمثابة خاطرةٍ مُزعزَعة، لن تشبعها ولن تردَّها عن استئناف انتظاره.‏
‏ ومنذ تزوجتْ حسيبةُ وولدتْ أجْيا لأبٍ غير جلال الدين، اهتزَّ خيالُ الأم، وفرضت على نفسِها الفروضَ حتى ‏إنها قيَّدتْ ميْلَها لاستذكارِ ابنِها أمام حسيبة، بل تحاشته، وصارت تتلهى عن ذلك بسردِ نتفِ ذكرياتها عنه لأجيا. عندما ‏تكبرين سأُطْلِعُكِ على ما هو أعجب، سأُريكِ أنه هو الذي سمَّاكِ أجْيا. وأجيا الصغيرة توافقها بإيماءات وجهها الشاردة، ‏متشوِّفةً لِمَا سوف ينعقد لها من أسرار وأعاجيب ومسرات.‏
حسيبةُ تضعُ نظراتَها المكدودة على وجه خالتها، مستطلعةً، ومُؤمِّلة أن يأتيها الكلامُ.‏
أراحتها الأمُ: لو كان عاد ما قَدَرَ على الرحيل قبل أن يدعني أراه.‏
‏ واهتدت حسيبةُ: أخذ معه أوراق أجيا!‏
‏ ولم تُشِرْ إلى أن صدرها لا يزال، من إثرِ عِناقه، مهصوراً ومستدفِئاً، وأن شعرةً من لحيته، ربما، لا تزال عالقةً بثوبِها.‏
‏ وقالت الأمُ ما بدا أنها ستقوله: أنا التي دسستُ بنفسي أوراقَ أجيا معها، في الكفن!‏
‏ وحسيبةُ، الشفوقُ، تستسلمُ لتدابير الأم، وتنقادُ، وتكادُ تصدِّق.‏
‏* * *‏
توجستْ حسيبةُ من أن خالتَها ستدعُ نفسَها تهلك، بسبب الحسرة، وبسبب الإخفاق، وروَّعها أن عبقَ العنبر ‏بغرفتها يخاتلُ ويذوي، بل بات خشبُ سريرها يبينُ عليه تِهطالُ غبارٍ رصاصي ناعم، ليلة بعد ليلة، تراب قبور؛ استيقنتْ ‏حسيبةُ من ملمسِه على طرف سبابتها، وعَلَقِهِ برموشها كلَّما دخلتْ غرفةَ الأم. وحدَّثتْ حسيبةُ نفسَهَا بخطئِها وعمائِها؛ ‏ليتها أمسكتْهُ وقادتْهُ إلى أمه، ليتها صرختْ بما يكفي لِتجيءَ هذه وتلتقطَ ابنهَا من عناقِهِ البائسِ المتأخر. وكانت تعاودُ ‏تَحَسُّسَ كتفيْها ونهديْها وبطنها، مختلسةً تمثُّلَها للحظاتِ عناقه، لتجدَ نفسَهَا، مرة تلو مرة، متورطةً في النظر خلال خصاص ‏النافذة حيث أطلَّ، وفي جسِّ الأرض تحت قدميْها حيث داسَ. هل أَحبَّنَا فعلاً؟ تريده هي الآن للحظةٍ أخرى مشابهة، لا، ‏بل للحظة الماضية الأصلية نفسِها، كي تمحو عنه عتاباتِها له، كي تنساه، تهواه، أو تضربه ضرباتٍ صغيرةً جداً بقبضتها؛ ‏قبضة امرأة في أربعيناتها. تريده هي الآن في هيأتِه التي بدا لها أنه عاد بها، بتعبير وجهه اللافح المخلخل الذي يعني أن لديه، ‏دائماً، آخرين ينتظرونه، وأنه ذاهبٌ، وأنها مقيمةٌ، موصدةٌ لم تزل عن فجيعتها؛ إذْ لم تعشْ حقاً – بعد – موتَ أجيا ‏الصارم ككلِّ موت. لعشرِ ليالٍ لم تنتبه، وإنْ انتبهت إلى أنها لوقتِها ما قرأت حتى أوراق أجيا المتروكة إذْ استُّلت في التو ‏منها، ولاحَ لها كتابُ أبي فراس الحمداني ذاك الذي دفنه جلالُ الدين، إبان صباهما، فعثرتْ هي على رماده، وخشيتْ ‏حسيبةُ أن يكون جلال الدين ليس أكثر من ميتٍ، فعلاً، أُردفتْ أجيا إلى جواره، وأنها وحدها هي التي بقيتْ لا تعلم لأن ‏الآخرين، بمروءةٍ، شاءوا إخفاءَ ذلك عنها.‏
بعد صلاة الفجر، تمتمتْ حسيبةُ للأم: سأفتحُ قبرَ أجيا، وأعودُ بالأوراق. ‏
بُوغتت هي، نفسُها، إذْ أذاعتْ عزمَهَا على ما لن تقدر عليه، بل على ما لم تفكر به أصلا. لعلها قصدتْ إنباءَ ‏نفسِها، فحسب، بموت أجيا، بإجهارٍ كافٍ ومضمون. والأمُ ماضيةٌ في سكونها العميم، سارحة فيمنْ تتلاشى وتتحلل، ‏دونما إفلات، وسط صديدها ودمها الـمُسمَّم، المعطوب.‏
‏* * *‏
كانتا، بالطبع، قد عثرتا بين ملابس أجيا على صورة الشاب، محفوظةً بعنايةٍ تكفلُ الإيحاءَ بأهميتها، ومن ثَم ‏وضعتها حسيبةُ بتلقائية في بروازٍ بدلاً من صورتها هي، دون أن تُلقي عليها سوى نظرةٍ عابرةٍ لا تكفي لأدنى تأويل، وحالَما ‏ثبتتها على الحائط والتمعتْ الصورةُ من وراء زجاج البرواز، وتحددتْ قسماتُ الوجه؛ صار يسيراً أن تعي حسيبةُ أن أجيا إنما ‏ركضتْ خلفَ سرابٍ، متوهِّمةً الحُبَّ، متوهِّمةً الوجدَ والقهرَ والفُقدان، ساعيةً للتلهي من فيضِ أساها، فما كانت الصورةُ لأي ‏شخصٍ بشريٍ، على الإطلاق، وإنما رسماً حاذقاً لِملاكٍ نورانيٍّ، بغير شرورٍ ولا مَطالب، رغم ملامحه الذكورية إلى أقصى ‏حد، ورغم النظرة الشهوانية الطفيفة التي لا تنقطع عن عينيه مضيفةً لنور وجهِهِ مِسحةً من اتضاعٍ بشريٍّ أخَّاذ.‏
لم تنتهِ حسيبةُ إلى الإفصاح عمَّا بَرَقَ في ذهنها وأوحى لها أن صورة الملاك تشبه جلال الدين، فما مِن شبهٍ بينهما، ‏إلا أن رواءَ ملامحه الـمُسدَّدة شفعَ لها تَلَمُّسَ قُربي بينه وبين غائبها الجائر، ووافاها في الحال وخزُ ضميرها؛ فهي تسلبُ أجيا ‏وتخونها وتتقوَّتُ على ذكريات القتيلة التعِسة العزيزة، وبدا لها أنها، بهلعها وفظاظتها هذه، قد لوَّثتْ الصورةَ قطعيا.‏
أجْيا في مثواها لا تريم، غير عليمةٍ، على الأرجح، بأن جدتها وأمها نفَّذتا لها وصيتها بخصوص الصورة من ‏تلقائهما، وأنهما تجيئان كل ليلة لمؤانستها وتلاوةِ سوَر جلْبِ الرحمةِ لها. وأجيا ما قصدت موتاً صخرياً كهذا؛ فلو سُئلتْ ‏لأبانتْ أنها قصدت أن تموت وتعود كمنْ تقفز جدولاً ثم تحطُّ على ضفتِه الأخرى لتُتابعَ الخطْوَ، أو كمنْ تختبيء لبعض ‏الوقت ثم تلوحُ منتزعةً نفسَهَا من مخبئها ضاجَّة بالضحك والتخابث. ما يمَّمتْ أجيا إلا للهجوعِ هوناً وليس للانبطاح نهائياً ‏للدود. حتى جلال الدين، عاهلُ خيالِها ومُربيَّهُ، لم يأنْ أن تجدَ أثراً له هناك، فعساه عائشٌ لا يزال. أما هي فسِيقتْ إلى ‏ذلك الموت مُحدسةً أنها تلبي تَشارُكاً مع منْ لا تعرفه ولا تدري عنه أمراً، وكأنها اصطُفيت للإخبارِ بشيءٍ أو إتمامه أو ‏توصيله، مطمئنةً إلى أن العودةَ مُصانةٌ، وأنها هي، ذاتها، مُخيَّرةٌ ومُقتدِرةٌ، أمَّا الدود فليس مُؤلِمَها ولا مُهِمَّها. غير أن لحمها ‏لا يني يُختَلسُ ويتشعثُ، حتى إنها لن تُوهب، ثانيةً، فتْح عينيها على اللازورد الخافقِ في السماوات، ولن تغمرَ، ثانيةً، ‏جسدَهَا بماء الاستحمام، ولن تعودَ فتعكفُ على غسْلِ قدميها بذلك الاستغراق فتتداوى روحُها مما يثخنها، لتنـزع عندئذٍ ‏إلى مشاغبة أمها بمرحٍ، مُطوِّحةً بشعرها المبلول: تزوجي يا أحلى أرملة، تزوجي وإلا سبقتكِ.‏
‏ وحسيبة قُدَّام الملاكِ الـمُطلِّ من البرواز على أهبة استعدادها لسَمْلِ عينيها، تقدمةً، إنْ ضَمَنَ ذلك لها راحةَ ‏ضميرها، فيما ترقُبُها الأمُ التي شاختْ وتهالكتْ في الأيام القليلة الماضية، وتعي أن حسيبةَ لم تقاسِ بعدُ مصيبتَها، وأن ‏هدوءَها الظاهر سينزاحُ وينقلبُ.‏
قالت الأمُ تواسيها:‏
‏-‏ لا أدري يا بُنيتي ما إذا كنتُ كذبتُ عليك أم لا؟
‏-‏ أمي! أَرأيتِهِ عندما عاد؟
‏-‏ نعم! رأيته.‏
‏-‏ لا، فأنا التي بتُّ أشك في ذلك.‏
على سرير الأم، رقدتا في تلك الليلة، متجاورتيْن، صاحيتيْن، على ظهريْهما، تنقشعُ الدموعُ من الأعين فتشخصُ ‏في خيالاتٍ وذكرياتٍ تتشعبُ أكثر فأكثر، ثم تعودُ الدموعُ تبللها. كانتا صامتتين، راضختين لليلتهما، مُذعنتين لغيابِ ذكرٍ ‏هو ذكرهما وأنثى هي أنثاهما، وكانت حسيبة هي التي زفرتْ قبل أن تنعس:‏
‏-‏ إنَّا نروحُ إلى الموت على أية حال.‏
‏* * *‏
في هاته الليلة التي أَرِقتْ فيها حسيبةُ وخالتها، كان جلال الدين في خلوته على هُوَّة الدنيا، مستلقياً في قاربٍ صغيرٍ ‏على شاطئ الأطلسي، يهتزُ كلياً مع موجات المحيط الواصلة، يناظرُ المنتحرتيْن والعائشتيْن بتناوبٍ مُمِض. يتذكرهن. ينساهن. ‏ويحدِّثُ نفسَه عن صحارٍ غارقةٍ، وذاكراتٍ تلِجُها ذاكراتٌ، وشموسٍ تنسابُ في شموس وتتوارى، ويحاول أن يصفِّر لحنَ الأغنية ‏التي أوصتْ بها أجيا لولا هدير الأطلسي الذي دامَ باطشاً وغير سامحٍ بمثل محاولته.‏
كانت السماءُ مسكونةً بالعتمة الجافية، الـمُرهِبة؛ فباتَ ساهراً بانتظار الفجر حتى يلقي نظرةً أخرى على رسالة ‏أجيا، متفكراً في واجبه وفي قسوته وفي طريقه، غير ملتفتٍ إلى الموجة الواثبة التي غمرته واستلَّتْ الرسالةَ من يده.‏
بقى جلالُ الدين شاخصاً إلى الهُوّة بنظرة ثابتة إلى أن استفاقَ لِمَا حدث فلَعَقَ بلسانِهِ طعْمَ الماءِ المالح على يده، ‏وانوصلَ في الحال بطعم دمعتين دافئتين مسحتهما اليدُ نفسُها من عينيْ حسيبة، التي كانت تنعسُ، لحظتئذٍ، نائيةً، على ‏سرير خالتها الـمُترب، وهي تزفر:‏
‏-‏ إنَّا نروحُ إلى الموت على أية حال.‏

‏***‏
من كتاب ((على هيأة اللوتس))‏