مصطفى ازرار
في بركة حمم حارقة، أمي تحركني لأستيقظ، وأعاود النوم، أكوام العظم النائمين بقربي يتمتمون، أبي يضربني حين لايجد ما يدخنه، يركلني ويركلني حتى يتبلل سروالي، وتتطاير قطرات الدم من أنفي، عنيف، كفرس نهر هائج، لا أحد يترافع، ولا الوقوف في طريق سيله الهادر، لا يهدأ حتى يأخذ بالهيجان مجددا.
خيمة عمي حدو، البعيدة عنا بأمتار قليلة، تشدها أوتاد حديد مهترئ، تقاوم الريح الشتوية، وأضواء الفتيل تزين جنباتها، ظلال بناته تقطع النور الواسع، ابنه الصغير يسعل، يسعل ويسعل، المسكين يتقيأ دما، وتحمر وجنتاه، رغم أنه لا زال صغيرا، إلا أن الحياة أدارت ظهرها له، ولم تنصفه، سلبت الابتسامة من ملامحه، ونخره المرض من الداخل، فكسر عظامه كسرا، ليصبح كقصبة جوفاء، تتطاير بها رياح الريف العاتية.
تمسك الجدة “تيديرت” رأسه الساخن، تقرأ عليه آيات الرب، والدموع ترسم أنهارا على خذيها، تقول بلكنتها الأمازيغية ” ستشفى عما قريب يا صغيري، انظر لأخيك كيف تدب الحياة في جسده.”
ينسى “حساين” ما به، عندما تتلقف عينيه، سحنة أخيه الشاحبة، وعينيه الغائرتين، سرعان ماينسى الصبر الذي استمده منه، ليعاود التقيؤ، جسده ينقص يوما بعد يوم، دون حمية، وفي دهشة من أبيه الذي يتحسس خصلات شعره البيضاء كليل يحاصره الضوء من طرفين.
الموت هناك، سبحان الذي يخرج الحياة من بطون الرعاع، والمقهورين، والمرض هنا ينهك أجساد الجائعين.
عندما يجوع تناوله جدته كمية من زبدة الماعز وحليبها، وكسرة خبز طازج، يأكل ثم يتقيأ، يأكل ثم يتقيأ، يأكل …
الطريق إلى المدينة شاق، أيام وأيام كي تصل، إنهم لا يتذكروننا إلا حين يودون تعبيد الطريق نحو البرلمان.
في صباح باكر عليل كعادة أيام الدوار، وسط ضباب كثيف، وأوضاع قاسية شاهدة على تواطئ مكشوف بين القرار والطبيعة، ينزل عمي حدو يراوغ تضاريس القرية الوعرة ليتفقد ما إن كانت الطريق معبدة، أهي صالحة لمرور الحمار أم لا، سفينة الجبل ستكون مثقلة بجسد حساين المنهك، بعد ساعات يصدر صوتا بين جدران الصمت، تلتقط الاسرة من تمتماته أن الطريق صعب ويجب توخي الحذر، ألبسوا حساين جلبابا صوفيا، وحنطوه بغطاء، ووضعوه على ظهر سيزيف كما يحلو لمعلم القرية نعته حين أوصله إلى قمة الجبل حيث المدرسة تستقر، وضعوه على ظهره ودموع الفراق لاتفارق عيون أهله.
نادته جدته تيديرت بصوت خافت، ” سنظل ننتظرك، إياك أن يستهويك ضجيج المدينة، وتصير جزءا منه، تتحرك بإيقاعه، فلا تعود إلينا حتى تتزوج”، يكابر حساين ليخرج ابتسامة صفراء من جب ألمه.
عادة ماتمد المدينة يدها لنا، ثم تسحبها في اللحظات الأخيرة، بعد أن تكتشف أننا أبناء جبل، تصبح جزءا منها، لكنها لاتصبح جزءا منك، أزقتها، وضجيجها المتواصل، يسرق هويتنا ببطئ.
في رهبة من الجميع، تنبعث أصوات مفككة تتلاشى قبل أن تكتمل “إن شاء الله س ي ع و د” لعل باب الدعوات يكون مشرعا.
تستطرد الأم “سيعود ليتزوج هنا، بابنة دوارنا هرّو” “سيعود بعد أن يقهر المرض”
كان كل شيء فاتنا، حتى تسلل المرض إلى جسد حساين، ليبدأ الكابوس، كأن الدوار فقد لونه، والزمن توقف عند سقمه، حياة مريرة بلا معنى، وطقوس ملازمة للحزن، يتزايد الإحساس بالزمن كلما زاد المرض في جسد ابنهم انتشارا.
لم يعود حساين ذاك الصغير، الذي يركض خلف أرانبه، ومواعز جدته، يعرف اسماءها وأكثرها شغبا، لم تعد أقدامه تحمله كام كانت، بالكاد يستطيع الوقوف.
بعد ساعة من المسير،ٍ وصل الحمار المحمل بالجسد المنهك إلى قاع الواد، خطوات متثاقلة، وسط جو حار يتمرغ حساين للحظات ثم يهمد، كأن الواقع جاثم على صدره، البعض منا يعتقد أن صورة عزرائيل مخيفة، يحق لهم ذلك.
الصغار هنا لايموتون فقط، بل يصنعون بداخلنا جرحا غائرا لاينتهي، يتنقلون بيننا، فيحيون كلما اشتقنا إليهم، لايغيبون بالكامل، بل يصبحون جزءا من الذاكرة، فلا مسكن في الدوار حين تخلو جنباته من صياح الصغار، رهبة !!! كأن ريحا جرفت فرحا اعتادناه.
واصلوا السير، ساعات وساعات، حتى بدت المدينة في الأفق، كتلة باهتة وسط غبار ودخان، بعد لحظات قليلة من السكون فتح حساين عينيه ببطئ، جسد ثقيل، وألم حارق، لكنه لايزال هنا، يتقاسم معنا الطريق الوعر، ووقع أنفاس الحمار وخطوات أبيه على الحصى الساخن.
بينما كانت المدينة تزداد وضوحا، أخذت أرضها تبتلع خطوات الجميع، وماتبقى من أنفاس حساين، لتذوب في صمتها العميق.
تيه هنا، وفي الدوار انتظار، والأمل لايموت في قلوب الذين ينتظرون
مصطفى ازرار – قاص من المغرب


