المجلة الثقافية الجزائرية

ورقة وقلم وثلاثة حمامات

بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك 

من الظواهر التى يخطئ بعض الناس كثيرًا فى تفسيرها، وربما إساءة فهمها أكثر مما ينبغى، ظاهرة انصراف الذهن عن المتحدث؛ إذ يميل كثير من الناس، بحكم ما استقر فى أذهانهم من تصورات جاهزة، إلى اعتبارها دليلًا مباشرًا على قلة الاهتمام أو ضعف الانضباط، أو نقص الاحترام الواجب للمتحدث، والحقيقة أن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير، بل ربما كان أكثر تعقيدًا مما نحب نحن أنفسنا أن نعترف به، لأن العقل البشري أكثر ازدحاما مما يبدو عليه، ويتأثر بما يدور حوله أكثر مما نظن، إلى الدرجة التى قد يجد فيها المرء نفسه حاضرًا بجسده فى مكان ما، بينما يواصل جزء من عقله التفكير فى أمور أخرى لا تقل إلحاحًا عما يدور أمامه.

 وقد خطر لي هذا الخاطر وأنا أحضر اجتماعًا قبل أيام، كان المقصود منه ــ على ما بدا في بدايته على الأقل ــ مناقشة عدد من القضايا،..جلس الحاضرون، وبدأ الحديث، وأخرج زميلي ورقة وقلما وأخذ يدون ما يقال في نشاط يحسد عليه، حتى بدا لي في الدقائق الأولى ان الرجل قد اتخذ قرارا ضمنيا بتوثيق كل ما يقال، صغيرة وكبيرة، وكانه لا يثق في ذاكرته ولا في ذاكرة التاريخ معا. 

غير أن ما حدث بعد ذلك كان من تلك الوقائع الصغيرة التي تبدو عابرة لأول وهلة، قبل أن يتبين للمرء أنها تخفي وراءها من الدلالات أكثر مما توحي به في ظاهرها، فمع مرور الوقت أخذ الحديث ينتقل من موضوع إلى آخر، ثم إلى ثالث ورابع وخامس، على نحو جعلني أشعر بأن الاجتماع لا يسير في طريق مستقيم، بقدر ما يتجول في أحياء المدينة كلها دفعة واحدة، فمرة نتحدث عن قضية معينة، وقبل أن تكتمل فكرتها ننتقل إلى غيرها، ثم نعود إلى الأولى من زاوية مختلفة، ثم نقفز إلى موضوع لا تربطه بما قبله إلا صلة القرابة البعيدة، ثم نمضي إلى غيره، ولم يكن ينقص المشهد سوى أن يتحدث أحدهم عن أحوال المناخ الحار في الخرطوم، أو أسعار الخضروات اليوم في اسواق كيكي سيتي ، حتى تكتمل الصورة تمامًا!

ولست أقول هذا انتقاصًا من أحد، فتحول الحديث إلى مسارات متفرقة آفة قديمة تصيب كثيرًا من البشر؛ إذ إن بعض الناس يملكون أفكارًا نيرة كثيرة بلا شك، لكنهم لا يفتقرون إلى الأفكار بقدر ما يفتقرون إلى تلك الملكة النادرة التى تستطيع أن ترد الفروع إلى أصل واحد، وتمنح الحديث وجهة يعرف السامع منها إلى أين يمضى ولماذا يمضي.

وفي أثناء ذلك الحديث الذى امتد طويلًا، واختلطت فيه الموضوعات اختلاطًا جعل من العسير أحيانًا التمييز بين ما كان أصلًا فى جدول الأعمال وما تسلل إليه عرضًا فى الطريق، التفتُ إلى زميلى الجالس إلى جوارى، لأرى ماذا فعل بكل تلك الأفكار التى كانت تتدفق أمامنا منذ بداية الجلسة، فاذا بالورقة التي توقعت أن أجد عليها حصيلة ذلك السيل الطويل من الكلام قد آثرت أن تحتفظ بشئ آخر تماما.. ثلاثة حمامات كاملة بديعة، مرسومة بعناية لا تخلو من موهبة ظاهرة! 

والحقيقة أن اكتشاف الحمامات الثلاث وضعنى أمام سؤال لم يكن من السهل الإجابة عليه, ذلك أن الناس حين يشاهدون شخصًا يرسم فى اجتماع ما، فإنهم يميلون بطبيعتهم إلى اعتبار الأمر دليلًا على انقطاع الصلة بينه وبين ما يجرى حوله، وان اهتمامه وذهنه قد تحول وانصرف إلى وجهة أخرى.

 وهذا استنتاج قد يكون صحيحًا فى بعض الأحوال، لكنه لا يمثل الحقيقة كاملة، فليس هناك فى الواقع انصراف ذهني فى المطلق، وإنما يوجد انصراف ذهني معين يمارسه شخص معين فى سياق معين، وهذا السياق هو الذى يحدد طبيعة حكمنا على الأمر كله.

 فلو كان الاجتماع محدد الأهداف، واضح الوجهة، ثم انصرف الرجل عنه إلى رسم الحمام، لكان من حقنا ان نحمله كامل المسؤولية، وأن نوجه إليه اللوم كاملًا، أما إذا كان الحديث نفسه ينتقل من موضوع إلى آخر قبل أن يفرغ من الأول، ويقفز من قضية إلى أخرى قبل أن يضع قدمه على أرض مستقرة، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، إذ قد يكون الرجل قد انصرف ذهنه عن الاجتماع فعلًا، وقد يكون الاجتماع نفسه هو الذى انصرف عن موضوعه أولًا. 

ولعل الخطأ الشائع فى مثل هذه المواقف أننا نفترض أن العقل البشرى يكتفى بتلقى الكلام مهما كان متفرقا، بينما الحقيقة أن العقل ــ كما فهم بعض الفلاسفة منذ زمن بعيد ــ لا يرتاح إلى الفوضى، ولا يطيق البقاء طويلًا وسط الوقائع المبعثرة، وإنما يظل يبحث فى صمت عن رابط يجمعها، وعن نظام يؤلف بينها، وعن معنى يجعلها قابلة للفهم، فإذا عجز عن العثور على ذلك كله فى الحديث الذى يسمعه، أخذ يبحث عنه فى مكان آخر. 

ومن هذه الزاوية تحديدًا بدأت أنظر إلى الحمامات الثلاث بعين مختلفة، فهى لم تعد تبدو لى علامة على هروب العقل من الاجتماع، بقدر ما بدت محاولة من العقل للنجاة من الفوضى التي استولت على الاجتماع نفسه، ذلك أن الإنسان يستطيع احتمال الخطأ، ويستطيع احتمال الرأى الذى لا يوافقه، ويستطيع احتمال كثير من الأشياء، لكنه يجد مشقة خاصة فى متابعة حديث لا يعرف إلى أين يمضى، ولا لماذا يمضى، ولعل هذا هو السبب الذى جعلنى أنظر إلى زميلي وإلى الحمامات الثلاثة البديعة، بشىء من التعاطف، فهو على الأقل كان يعرف ماذا يريد أن يكون، أما بعض الأفكار التى دارت فى تلك الجلسة فلم أكن واثقًا تمامًا من أنها بلغت هذا القدر من اليقين.