بقلم: محمد عبدالغني عمارة
هلَّ عليهم شهرُ رمضان على غيرِ العادة، دون أي استعدادات أو جاهزية لطقوسهِ؛ نضب الأخضر واليابس، حتى المأوى أصبح ما بين خيمة أو خلف جدار وحيد قائم باقي بين ركام منزل تم قصفه، المساجد معظمها استهدف بالقصف، الأسواق لا وجود لها إلا بعض المحال للمستغلين واللصوص، حياة أشبه بالعدم، وسط كل هذا وهناك في آخر شارع أحد أحياء غزة، قام شهاب بتهيئة مأوى داخل أنقاض وركام منزله الذي استهدف وقُصِف قبل هلال شهر رمضان بيومين…، تساعده زوجته بيان وطفليهما ليث وخديجة، حان وقت سحور أول ليلة وشهاب جالس بجوار زوجته وأطفاله النيام يوهم نفسه أنه يحرسهم في مكان يخيم عليه الظلام، وسط بردٍ قارص تحت غطاء يكاد يسترهم فقط، قليل من الماء وبعض الخبز الجاف، وبين أفكار متناثرة لاسترجاع ذكريات الماضي وأحلامٍ اندثرت تحت الركام ومستقبل لصيق بحاضرٍ لا بريق أملٍ فيهما…؛ نفض شهاب عن مخيلته ما يتكالب عليها وهم بإيقاظ زوجته حتى تتناول كسرة خبز وبعض الماء قبل آذان الفجر؛ هنا استيقظ الطفلان من أول وهلة؛ فلا راحة في سكنى أو ثبات في نوم، قال ليث لأبيه ونحن أيضا يا أبي حتى نصوم معكما؛ رد عليه والده أنتم ما زلتم صغار يا ليث والوضع مضني وشاق يا ولدي؛ فرد عليه صغير الحجم والبنية كبير العقل والفهم: الصيام لنا الأجدر من فطور على لا شيء في ظل العدم يا والدي…، صمت الأب ولم يجد ما يداوي به رد طفله!
أذن الفجر بعد قرآنٍ كان مشهودا، وشهدت ملائكة السماء على ظلم نزل بجناحية على من لا حول لهم ولا قوة، على ملائكة الأرض أطفال فلسطين الأبرياء، ولا نصرة لهم من بني جنسهم ودينهم، الذين رفعوا راية الخزي والعار بدلا من أن يرفعوا عنهم الظلم.
يوم مشمس صافي عكرته أنباء وبيانات تم تداولها بين الجميع من قبل الخونة ويد الغدر بإجلاء الحي بالكامل قبل حلول المساء وإلا…، وإلا ماذا أكثر مما فعلوه!
بدأ المعظم في النزوح وتنفيذ الأمر؛ هم شهاب بجمع ما تبقى لهم من أغراض تساعد على معيشة مؤقته، حمل أغراضهم على كتفه وزوجته بيان تحمل طفليهما بالتناوب لتريحهم من عناء المشي طوال طريق غير معلوم الهوية…
أسدلت الشمس ستار الحياة، اقترب موعد آذان المغرب، اتخذوا مجلساً ومكاناً للاستراحة في جانب الطريق حتى يتسنى لهم أخذ لقيمات للإفطار، على مائدة إفطار تنقصها الحياة، على مدفع الموت وصوت القذائف، وقت الآذان كانت الشهادة؛ استشهد شهاب وولده ليث على إثر قذيفة من طائرات الموت التي تتعقبهم، تستبيح براءة الأطفال وحرمة من لا حول لهم ولا قوة، تنهي على الأخضر واليابس…، صرخات من بيان وطفلتها خديجة تدوي في أرجاء المكان، أصعب من دوي الطائرات اللعينة، المكان مخضب بالدماء، أقيمت صلاة الجنازة بألف صلاة قيام من هول المشهد وعدد الضحايا…
صارت بيان وابنتها يودعان كل أنواع الحياة، خطوات مكبلة بآهات دفينة، قلوب مكلومة، أقدام تسير بلا هواية ولا هوية، تمر الأيام يوم تلو الآخر، اقترب يوم عيد الفطر، خديجة تنهك فكر أمها بسؤالها الدائم عن أبيها وأخيها، وأمها تداعب عقل طفلة لا تعي المعنى الحقيقي لما تقصده هي: لا تقلقي يا بنيتي، اصبري سنلحق بزيارتهم قريبا…
أرادت بيان أن تحاول جاهدة برغم ما تحمله من ألم وأسى أن تخفف عن طفلتها البريئة، اجتهدت في أن تحصل على ثياب جيدة إلى حد ما لابنتها حتى تسعد بيوم العيد مع باقي أطفال خيام النازحين، أشرقت شمسُ العيد مع غروب الابتسامة من على أوجه الجميع، شفاه أطفال تتضاحك بعد فرحة كاذبة لحصولهم على زجاجة ماء ملوث أو على ما لا يسمن ولا يغني من جوع لبعض حساء الخضار غير معلوم ماهيته؛ هذه كل أسباب فرحتهم في عيد هوائه ملوث بأدخنة وغازات سامة، أرض مخضبة بدمائهم تضحية بدلا من أضحية أو ألوان زينة تدخل عليهم البهجة والسرور…
بعد صلاة العيد أخذت بيان طفلتها وذهبت إلى مكان دفن زوجها وطفلها؛ جلست بالقرب منهما تذرف سيلا من دموع القهر والحسرة على ما ألم بهم، خديجة تمسح بكفها الوردي دموع أمها وبالكف الأخر تربت على كتفها…
خديجة تنادي على أمها بلهفة، صوتها يعلو أكثر وأكثر: أمي! أمي! ردي عليه، أنا خائفة أنا وحدي، من فضلك جاوبيني يا أمي…، لما كذبت عليه وذهبت لزيارة أبي وأخي وحدك وتتركيني…؟! بالله عليك آتي معك يا أمي!


