الموقع

الكتاب الأسود للواقع الثقافي الجزائري..تفكيك مشهد مفكك

عندما أصدرت البيان الذي أعلنت فيه عزمي بيع إحدى كليتي لإنقاذ العائلة من هول الشارع، وتبعته بعد أيام بندوة صحافية كانت بداية مفترضة لحركة اعتقدت بصدق أنها ستكون فاتحة لتحرك أية جهة من أجل التفكير في أفق عملي لإعادة الاعتبار لكرامة الكتاب والشعراء وحتى الصحفيين الاجتماعية، 

لم أتفاجأ إطلاقا بردود السلب والصمت الذي دأبت النخب المثقفة الجزائرية على انتهاجه كلما كانت موجة المحن تخض الجزائر، ولم أتفاجأ أيضا بدرجة الحقد والضغينة الصادرة عن أولئك الذين يتخفون وراء بث الشائعات والكلام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، بل هناك من وصفني بالمارق، والسارق، والمندس في صفوف الإسلاميين وكاتب تقارير عنهم، بل هناك من قال أنني كنت أحــول صكوك الكتاب إلى جيبي، وأن المشاكل التي أعاني منها ما هي إلا محض كذب وافتراء.. وآخر ما توصلت إليه هذه ” الآلة الثقافية ” إحجام رابطة كــتــاب “الاختلاف” عن ذكر كتابي الصادر عنها غوارب أبي بكر زمال) على غلاف آخر إصدارتهم الشعرية خوفا من أن يكون منتحل من عدد من الشعراء العرب وعلى رأسهم الشاعر أدونيس والشاعر المغربي محمد بنيس وفي ذلك ضرر ” لسمعتها النقية “، وهو ما ردده أعضاءها في حوار كان من المفترض أن ينزل في مجلة (زوايا) اللبنانية لصاحبها بيار أبي صعب لكنه لم ينشر، مع أن الكتاب أحتفي به في عدد من الجرائد العربية وأرسلت نسخ منه للشاعرين وسمعت منهما التهنئة والتشجيع ولم يشيرا إطلاقا إلى ما قيل عنه.

كل هذه الأمور التي ما انفكت تـتـردد في السر وفي العلن، لا تعني أي شيء في واقع جزائري ملتبس، و كنت كررت في العديد من المناسبات أن من كان له دليل فأنا مستعد للوقوف أمام العدالة بدءا من اللجنة الجزائرية التي وزعت بيان منذ أشهر على الصحافة المحلية والعربية وقالت فيه أنني سطوت على قصائد لشعراء عرب ودعتهم لمقاضاتي وأعلنت أنها سـتــتــأسس كطرف مدني معهم وقد استنكفت على إبداء رأي في القضية حين علمت أن الشاعر الأردني جريس سماوي يفكر في رفع قضية ضدي، وكذلك وردت أخبار عن أن الشاعر المغربي طه عدنان كلف أخيه الشاعر عدنان ياسين للسفر إلى الجزائر من أجل رفع قضية مماثلة، ولا أعرف ماذا قام به الشاعر المغربي حسن الوزاني، وقلت ماداموا عزموا على الاحتكام للعدالة فلن أحرك أي شيء ونترك هذه الأخيرة تكون الفيصل في ذلك رغم أن الطعنات كانت قاسية ومؤلمة ومدمرة بل أصدقاء شعراء وكتاب انساقوا وراء هذا الأمر وقاطعوني، وكان عليهم ببساطة أن يسألوني لا أن يكبتوا الحيرة في قلوبهم أو يتحسروا، ومع ذلك لا أملك إلا أن أعذرهم فالمشهد الثقافي الجزائري (خاصة في جانبه المعرب) دونكيشوتي، ولا يرحم، بائس، وخانق، ومهزوز، ومنبطح، وآني، وممسوخ، يجعلك تدير له ظهرك غير آسف عليه أو نادم أنك كنت في يوم منتم إليه، ويدفعك لـلــعـنه صباح مساء !!.

وهو مشهد لم يعرف نقلة نوعية في حركيته أو في مساره خلال أزيد من عشرية كاملة تحولت فيه الجزائر من النقيض إلى النقيض، أمسكتها حبال الموت وجرتها إلى أقصى حالات الموت، الكل كافح، وسقط، ونهض وأعاد بناء حياته على أنقاض موته، إلا هذا الكاتب والشاعر والمثقف، وأقصى ما فعله بحياته أنه أستنسخها كي تلمع وسط موجات التغيير والتحول، فلا هي بدت أصيلة و لا هي ظهرت حديثة، وكان في كل هذا غير عابئ بمسؤوليته أمام التاريخ والواقع والحياة، فلا هو طرح الأسئلة العميقة عن صخب الموت المجاني والقهر والعزلة والحقرة واللامبالاة التي تعصف بالكتاب والشعراء والمثقفين، ولا هو انخرط في مشروع ثقافي حيوي، و لا هو ناقش أو فكك خطاب السلطة، و لا هو واكب أو حتى ناقش المسائل الجوهرية للمجتمع الجزائري، ولا أستطاع أن يؤسس جبهة قوية تحميه من ويلات المشاكل و الأزمات، ولا أنتج ما يضاهي به أصغر دولة لا تملك ما نملكه نحن من مؤهلات و خيرات، ولم نره يتقدم أية مظاهرة تطالب بأبسط حقوقه، كان خواف، وتابع، ومستكين، ومداح، و” شيات “، ومذلول، ومـغـيـر البدله كل ثانية، ومتحين الفرص للانقضاض على الولائم والزردات، ملتقط للـفــتــات، راض بنظرة الاحتقار التي تسلط عليه من أي كان، وإذا قارب الإشكاليات فهو يقاربها من زوايا مكتنزة بالغثيان.

هذا هو للأسف المثقف والشاعر والكاتب الذي يعشش في الزوايا و في التفاصيل وسيط مطيع للسلطة يفعل ما تمليه عليه ولا يملي عليها ما تفعله ، لم يتغير لأنه يحسن اللعب معها والمناورة، ضليع في وضع الحواجز المزيفة أمام أي صوت قادم من العمق الحقيقي للمعرفة والإبداع والفكر، والأدهى أنه متنكر في العديد من الوجوه، لا يتبدل مهما كانت الظروف والأحوال هو كالمسخ، أمامك يبين عن شخصية محترمة وقلب رحيم وروح عالية ولما يتسلل لليل إخوانه في المكر والخديعة فهو شخص آخر لا يقدرك لأنك من طينة الملائكة ولا يريدك أن تكون شيطان مثله لأنك ستزاحمه… يتكدس بغثه على كل الواجهات في كل زمان و مكان.. و يخرج من الأجداث ديناصورا يلهث بنهم لا يشبع من النهب، و لا يتوقف من الرقص على الجثث الميتة.

لم ينجح أي مشروع ثقافي في الجزائر لأنه عجز عن فك رباطه مع السائد والرديء ولعبة الكواليس والتفكير بمنطق المصالح الخاصة، بدء بما وضعه اتحاد الكتاب الجزائريين إلى مختلف الجمعيات الثقافية إلى رجالات الثقافة الذين تعاقبوا على المؤسسات الثقافية، كلهم كانوا في عرين واحد إلا القلة القليلة والنادرة، لم يحسنوا النظر أبعد من عيونهم، بل نظروا بأنوفهم حيث الرائحة التي تثير والتي تجلب لا يهم درجة لذاذتها أوعفونتها، المهم: كيف أتموقع كي أتقوقع ؟؟….( واستثني هنا الهيئات العليا للدولة المشرفة على كل ما له علاقة بالثقافة إذ لم يتضح منذ زمن بعيد ما هي إستراتيجيتها الثقافية، وفي كل مرة تربط ضعفها وعدم نجاعتها في التكفل بالقطاع إلى الميزانية الضئيلة الممنوحة لها من طرف الحكومة). 

ربما لن يعجب كلامي هذا أي أحد خاصة ممن تعودوا على التبشير بواقع ثقافي مغاير أو إعطاء صورة مختلفة عنه وهم يعلمون جيدا أن ما يعلنونه هنا وهناك هو الذي دفع بالكثير من النخب الثقافية والفكرية للنفاذ بجلدها من وسط متعفن مريض ومهزوز يحسن المناورة ونصب المكائد و نشر الدعاية المغرضة ضدهم في كل محفل خاصة أمام السلطة وأعوانها، فكم من تقرير قدمه كتاب ضد بعضهم، و كم من وشاية تسربت لوسائل الإعلام كان أبطالها روائيين معروفين عن كاتب أنه شيوعي أو إسلامي أو عميل أو خائن، و كم كانت الأزمة الجزائرية الأخيرة ورقة رابحة للبعض فغطوا في نعيم وعسل وروجوا لخطابات مناهضة للتطرف والإرهاب والسلطة القاتلة وجذروا في هذا الخطاب عروقهم ونجحوا في ذلك لأنهم ببساطة أغلقوا المنافذ وأحكموا إغلاقها أمام آخرين ممن عززوا المقاومة والنضال بكتاباتهم الحارقة والتي صمدت في وجه الدمار والموت والذين كان بإمكانهم أن يقدموا الأروع والأحسن والأفضل، وعندما ” سقطت ورقة التوت عن الجميع”، خرجوا من الأجداث ديناصورات وأعادوا نشر أنفسهم في مواقع كي ينظر إليهم من بيده السلطة علهم يفوزوا عندهم بحظوة. 

في المشهد الثقافي الجزائري كل شيء مكرر ومصاب بالعطب والعطالة ومبرر و مدلهم، وباحث عن أية وسيلة لتبييض الفشل والعجز والاستمرار في التخبط والـتيهان، ففي آخر خرجة إعلامية لأحد أباطرة الثقافة في الجزائر والذي عمر المشهد طيلة عقود – و ما زال على كل حال-، نطق ردا على سؤال عن تحضيراتها للموسم الثقافي بما يشبه التباكي أنه يفتقد للسيولة المالية ( هو أبدي في افتقادها للسيولة المالية ) و قال أن هذا جزء من مؤامرة تنسج في الدهاليز والمخابر، و بـُـعِـــثَ آخر من كهوف القرون الوسطى حاملا أفكار التغيير والتجديد لهيئة إتحاد الكتاب الجزائريين مع أنه كان سيدها عاثى فيها بقوة الترهيب والترغيب أيام الحزب الواحد و يقال أن بورصته للفوز بهذا المنصب في صعود متتال بدعم من رهوط مثله لم نسمع لهم طيلة سنوات أي موقف أو رأي قوي يشاركون به في صنع القرار الثقافي.

هؤلاء وغيرهم هم من أثثوا المشهد بالأمس ويحتلونه اليوم و يمددونه كي يصل إليهم دون خجل من تاريخهم الذي تكون في الأجهزة والغموض، لم يشرفوا حتى السلطة التي يتساقطون على أبوابها كلما صدر منها أي مشروع، وما اللحظة التاريخية التي تمر بها الجزائر اليوم وهي مقبلة على أخطر امتحان للخروج من رهاب المحن والموت والأحقاد سوى دليل صارخ على التراجع الرهيب للكثير منهم أمام هذا الخيار الحيوي، ففي الوقت الذي أنخرط الجميع إن بالسلب أو الإيجاب في منحى المصالحة المعروضة اليوم على الاستفتاء يركض هؤلاء بقصائدهم هنا وهناك في مدح طويل وعريض لها، ويلتزم غيرهم الصمت المشين منتظرين الأوامر للتحرك، بينما يصبح الإرهابي القاتل صديق للبعض يجلس بجانبهم بل يبجل وتعطى له مكانة في الصفوف الأولى ، وتفتح منابر البعض له كأنه ولي نعمة على الجزائر أو فاتح منتصر لها

هذه الأسباب وغيرها ما يجعلني اليوم أعلن انسحابي من المشهد الثقافي الجزائري إلى حين اتضاح الرؤية المشوشة التي طالت حتى أصدقاء شعراء وكتاب عرب وجزائريين حول كل ما قيل عني، وأنا في الاستماع إليهم إذا أرادوا ذلك، والأهم من كل هذا هو الحفاظ على كرامة العائلة من أهوال الشارع في الوقت الذي ما زالت أصر على بيع كليتي من أجل إنقاذهم، وللذين تـقـاذروا في عيوني وأنهكوا أنفسهم في ترصد خطواتي منذ زمن ليس بالبعيد أقول بيننا الوقت، أو أذهبوا للجحيم…

 

 

 

ابوبكر زمال * 

شاعر جزائري

 

(رغم أن عمر هذا المقال هو 2005، إلا أنه يصف وضع الثقافة الجزائرية اليوم ! مقال يبدو لنا شهادة من شاعر جزائري أثار الكثير من الجدال في الأعوام الماضية بعد إعلانه عن قرار بيع إحدى كليتيه، والحقيقة أن بيع الكلية (بكسر الكاف) ننظر إليه اليوم كمشهد من مشاهد معاناة المثقف، مهما كان اسمه.. الكتاب الأسود للثقافة يظل مفتوحا دائما! (هيئة التحرير)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق