قراءات ودراسات

فلسفة الدولة والنظام السياسي عند ابن خلدون (2)

ميثم الجنابي

لقد بحث ابن خلدون في الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، باعتبارها كلا واحد قائما وفاعلا بالنسبة لإرتقاء الدولة وسقوطها. فإذا كان صعود الدولة مرتبط بصعود العصبية واستحكامها وقدرتها الفعلية على الاستيلاء على الملك (السلطة) ومن ثم الدولة، فإن سقوطها هو النتيجة المترتبة على ضعف وإنهاك العصبية بوصفها العلمية التي تلازم تطور الدولة والحضارة وما يرافقه في الأغلب من نخر لمكوناتها ومقوماتها بأثر الظلم الاجتماعي الاقتصادي والجور السياسي أو الاستبداد. وكشف ابن خلدون عن مختلف مظاهر انحلالها وسقوطها قبل انهيارها التام. وقد اشار من بين أغلب مظاهر الانحلال وسقوط الدولة والحضارة إلى ظاهرة الحجاب. وتوصل في مجرى ملاحظاته التاريخية إلى أن ظاهرة احتجاب الملوك عن الرعية هو “دليل على هرم الدولة ونفاد قوتها والخشية على أنفسهم”. لكن الشيء الأهم والأعمق في أفكار ابن خلدون بهذا الصدد تقوم في تحليله لكيفية حدوث الخلل في الدولة. واعتبر أن خللها الجوهري يقوم في خلل الأسس التي تبنى عليها الدولة نفسها، وأفرز من بينها سببان أساسيان هما كل من الجيش والمال. فالملك، كما يقول ابن خلدون مبني على أساسين إذا تطرق الخلل إليهما تخلخلت الدولة وهما كل من شوكة العصبية والمال. والمقصود بالشوكة والعصبية كما يقول ابن خلدون هو الجند. وحالما تأخذ العصبية بالتحلل بأثر تطور الدولة والحضارة، فإنها تفقد أحد أسسها الضرورية. وليس مصادفة أن يتوسع بهذا الصدد على مثال الفكرة والحالة السياسية المقلقة آنذاك، ألا وهي قضية وفكرة المهدي السياسية. وتوصل بأثر دراستها وتحليلها ونقدها إلى استنتاج عام كرره في مواقع عديدة من مقدمته ألا وهو تقرير ما يرتقي عنده إلى مصاف البديهة السياسية وهي انه “لا تتم دعوة من الدين والملك إلا بوجود شوكة عصبية، تظهره وتدافع عنه… فعصبية الفاطميين بل وقريش أجمع قد تلاشت من جميع الآفاق، ووجد أمم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش إلا ما بقي في الحجاز”. أما السبب الثاني فهو قوام الجند وما تحتاج إليه الدولة. وبالتالي، فإن كثرة الإسراف فيه عدوى للمجتمع، بحيث يؤدي إلى أن يصبح التبذير من أخلاق الجميع. وتضافر هذين السببين يؤدي بالضرورة إلى الاستبداد والظلم، من ثم تفكك الدولة إلى دويلات حتى تظهر قوة أقوى وأشد تقضي عليهم. وتوصل بأثر ذلك إلى استنتاح عام يقر بأن نزول الانحلال في الدولة والانحطاط في الحضارة يؤدي إلى حالة لا يمكن إيقافها. واعتبر ذلك أمرا طبيعيا بل وضروريا، أي ملازما للوجود نفسه. فالعوارض المؤدية إلى هرم الدولة عديدة، كما يقول ابن خلدون، و”إنها كلها أمور طبيعية لها. وإذا كان الهرم طبيعيا في الدولة كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني والهرم من الأمراض. وما يحدث للدولة نفس الشيء وتلافيه أمر مستحيل”. ويمكن ايقافه مؤقتا أو جزئيا فقط، أما الزوال فلا!
إن هذه النتيجة القاسية، التي تقفل إمكانية الإصلاح، ومن ثم الاستناد عليه في التطور المستديم، تستمد مقوماتها من التاريخ الفعلي السابق والمعاصر لابن خلدون. وقد يكون هذا الاستنتاج يحمل في أعماقه نوعا من التشاؤم المغري عن أن النهاية واحدة لابد منها، وهي حتمية الموت والزوال. ومن ثم يضع الفكرة السياسية والتأمل النظري تجاه الحاضر والمستقبل أمام تأمل العبرة الضرورية ومواجهتها كما هي. بينما يمكنها أن تجبر السلطة والنظام السياسي على النظر الى المستقبل بمعايير هذه الحتمية القاتلة. مع إن تجارب التاريخ القديم والمعاصر تكشف عن أن العبرة لا يمكنها صناعة رؤية سياسية عقلانية دائمة على الأقل ما زال الوجود الإنساني لم يتجاوز حالة وجوده الطبيعي إلى مراحل التاريخ الماوراطبيعي.
وقد اقلقت هذه الحالة الحرجة للوجود التاريخي السياسي ذهنية ابن خلدون وتأمله المستقبلي. لكنه بقي حيا وفاعلا ضمنها بوصفها الحالة الطبيعية كالهرم والموت بالنسبة للإنسان. وبالتالي، فإن الإقرار بيقين الموت لا ينفي العمل من اجل الحياة، بل على العكس انه يدفع به صوب المعنى و”حقائق الأبد”، والذي وجد تعبيره عند ابن خلدون بما يمكن دعوته بفلسفة العبرة التاريخية والسياسية.
ينطلق اين خلدون من أن حقيقة الدولة هي العمران، وأن كل منها هو ظاهر وباطن الآخر. من هنا تشديده على الترابط الجوهري بينهما. فهو ينطلق من أن العمران البشري لابد له من سياسة ينتظم بها أمره. ذلك يعني إن العمران المتطور والحفاظ عليه وديمومته وتطوره يفترض وجود مؤسسة سياسية هي الدولة ونظام حكمها، أي نظامها السياسي. وهذا بدوره وثيق الارتباط بالأسس الطبيعية الضرورية القائمة في اجتماع البشر. ووضع ابن خلدون هذه في عبارة تقول، بأن “الاجتماع للبشر ضروري وهو معنى العمران”. وانه “لابد لهم في الاجتماع من وازع حازم يرجعون إليه وحكمه”. وإن هذا الرجوع للحكم تارة يكون مستندا إلى شرع، وتارة إلى سياسة عقلية وتارة إلى سياسة مدنية. وهي الأشكال التي عثر عليها في مجرى تأمله للتاريخ السياسي للأمم السابقة والمعاصرة له، أي للتاريخ الإنساني العام. فالمشترك بينها هو السياسة، بينما أساليبها تختلف بما يستجيب للمقدمات النظرية أو العقائدية لكل منها.
فما يميز السياسة الشرعية: هو ربطها للدين والدنيا بالشكل الذي يجعل من سلوك الإنسان والجماعة والأمة محكوما بفكرة ايمانية حول جوهرية الثواب والعقاب. بمعنى جمعها بين الرؤية الإيمانية والعقلية. إنها تأخذ من السياسة العقلية ما يتعلق بالسلطان، لكنها تضيف لهما وتحتكم أيضا إلى قوانين الشرع وقيم الإسلام الأخلاقية وآدابه. وقدم وصية طاهر بن الحسين (ت- 207 للهجرة) لابنه عبد الله عندما ولاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما عام 206 للهجرة، نموذجا لهذه الرؤية وليس استنفاذا تاما لها. اما السياسة العقلية، فإنها ترفع فكرة الثواب إلى رؤية الحاكم، أي إلى السلطة السياسية. فهي التي تحدد معنى وحقيقة الثواب انطلاقا من إدراكها لحقيقة المصلحة العامة. وهي سياسة، كما يقول اين خلدون، محكومة بالمنفعة الدنيوية. بمعنى إن نفعها في الدنيا فقط. الأمر الذي حدد طبيعة عملها وأساليبها لبلوغ الغاية. فهي تعمل على وجهين كما يقول ابن خلدون. الأول ويراعي فيها المصالح العامة ومصالح السلطان في استقامة ملكه على الخصوص، كما كان الحال عند الفرس وهي سياسة الحكمة، والثاني يراعى فيها اساسا مصلحة السلطان وكيف يستقيم له الملك مع القهر والاستطالة. بمعنى إنها تتمثل أما تقاليد الحكمة العقلية أو تقاليد القهر والاستبداد. أما الثالثة فهي السياسة المدنية، التي تتطابق في فكر وموقف ابن خلدون مع فكرة المدينة الفاضلة التي يقول بها الفلاسفة. الأمر الذي يجعلها تختلف اختلافا هائلا عما هو سائد في الوعي العادي عنها. وذلك لأن مقصودهم بالسياسة هنا ليس ما هو موافق للسياسة الشرعية والعقلية، كما يقول ابن خلدون، بل لمراد آخر وهو “إن هذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع، وإنما يتكلمون عليها على جهة الغرض والتقدير”.
بهذا يكون ابن خلدون قد اقر بتنوع النماذج السياسية في الحكم دون أن يفصح عن أفضلية أي منها بصورة مطلقة، رغم انه يميل نسبيا إلى أفضلية السياسة الشرعية التي تتطابق في نظره ومواقفه مع فكرة الشرعية الإسلامية. والسبب يقوم في أنها تحافظ على وحدة الروح والجسد، والحياة وما بعدها، ومن ثم تضمن للإنسان حقوقه بمعايير الفكرة المتسامية، وليس حسب الاجتهاد السياسي العقلي الذي لا يخلو من نفسية وذهنية المصلحة والنزوات وما شابه ذلك. أما الفكرة الفلسفية عن المدينة الفاضلة، فإنها تتخذ في رؤية ابن خلدون منحى الصيغة المثلى والنموذجية ولحد ما الخيالية، لكنها تحتوي على جميع الفضائل التي يمكنها استثارة الوعي السياسي لبلوغ الكمال. مع إن كل ما في فكر ابن خلدون أقرب إلى الواقعية الصارمة التي لا يتخللها أي مز

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق